النقد في عُمان .. عربة معطلة وكفة الأعمال الأدبية ترجح أمام النزر اليسير من المتابعات النقدية العمانية

تحقيق – بشاير السليمية

يعتقد الكتّاب العمانيون أن النقد في عمان متأخر جدا عن مواكبة الجديد في المشهد الثقافي، وأنه قاصرٌ عن تشكيل حركة نقدية واضحة المعالم، ويعتبون على النقاد والباحثين عدم متابعتهم للإنتاج الأدبي، وأنهم إذا ما فعلوا فلا يتجاوز فعلهم المجاملات أو الجري خلف الضرورة الأكاديمية فقط التي تحتم عليهم إنجاز دراسة جامعية أو بهدف الترقية العلمية، ويبقى الناقد الباحث خلف الجديد مدفوعا برغبته الذاتية مفقودا.

وفي المقابل يرى الناقد أن مشكلة النقد مشكلة عامة لا تقتصر على عمان وحدها، وأن حلها ليس منوطا بالناقد وحده، فهناك مجموعة عوامل ينبغي التصدي لها جماعيا.

في السطور القادمة طرحنا أسئلة عن واقع النقد في عمان على عدد من الكتّاب، وعلى مثلهم من النقاد فخرجنا بهذه الآراء:

 

محمود الرحبي: معظم من يتناول نصوصنا الأدبية هم من خارج عمان

يمكن القول إن لدينا في عمان تمارين نقدية جيدة وليست مشاريع نقدية. فللأسف الجامعات لم تراكم لنا نقادا كما لاتوجد بها مختبرات لذلك. وإجابة على سؤال هل فعلا ليس عندنا نقاد؟ يجيب عليه واقع الحال، حيث إن عدد الإصدارات العمانية كبير قياسا بمتابعاتها النقدية، إلا إذا استثنينا التغطيات الصحفية وبرقيات الفيس بوك. طبعا ثمة اجتهادات ملفتة من بعض الكتاب أنفسهم. أما دارسو النقد الأدبي فمساهماتهم متقطعة في هذا الميدان،ربما استثني مساهمات د. منى حبراس السليمية ود. خالد البلوشي في نطاق التأليف في النقد الروائي. وربما هناك أسماء أخرى غفلت عنها.

بالنسبة لتفاعل الناقد العماني مع الأعمال الأدبية فأظن ما كان يقوم به مثلا في السابق مختبر السرديات مهما جدا. ولكن للأسف هذا المشروع توقف. من المهم في هذا السياق أن يكون لكل كلية آداب مختبر للسرديات حتى يمكن بذلك المتابعة النقدية. فمعظم من يتناول نصوصنا الأدبية هم من خارج عمان. وفي ذلك تقصير من كليات الآداب في إيجاد أرضية ومختبرات وجماعات من الطلبة أنفسهم على أقل تقدير، كعمل ميداني لدارسي الأدب. كما كانت  تفعل مثلا جماعة  الخليل بن أحمد التي انبثقت من كلية الآداب بجامعة السلطان قابوس، وكان لديها نشاط ملفت، خاصة في التسعينيات.

فيما يتعلق بالسؤال حول الخلل. فهذا أمر يطول شرحه. في الحقيقة حتى عربيا لايوجد نقاد مختصون بالنصوص،أي يشتغلون انطلاقا من النصوص وليس من النظرية الأدبية. هناك استثناءات طبعا مثل الناقد محمد برادة، الذي يكتب أعمدة ومقالات انطلاقا من إصدارات جديدة يعجب بها. وممكن أن أذكر هنا كذلك تجربة السعودي محمد العباس في متابعته للروايات العربية الجديدة. وربما ثمة أسماء غفلت عنها. ولكن في العموم ليس لدينا شريحة واسعة من أمثال هؤلاء. كما هو الحال عالميا مع الناقد الروسي الكبير بلنسكي الذي كان يتصدى بالنقد حتى لكبار الكتاب مثل غوركي ودوستويفسكي، وكانت تساهم آراؤه النقدية في تطوير الرواية الروسية.

 

يحيى سلام: النقاد موجودون والنقد شبه غائب

الأكاديميون والباحثون العمانيون في مجال الأدب والنقد موجودون، إضافة إلى تواجد أكاديميين غير عمانيين يعيشون في عُمان، أجزم بأن معظمهم متابع ومطلع على الأعمال الإبداعية المختلفة في الأدب والفنون، لكنهم يتجاهلون معظمها، وإذا كتب نقد (ويعتبر نادرا) ربما فقط حول الأعمال التي حصدت على جوائز. فالنقاد موجودون والنقد شبه غائب.

وهناك كتابات نقدية وقراءات لنصوص وأعمال إبداعية كتبها شعراء وكتاب رواية وقصة، متفوقين بذلك على نقاد متخصصين، وهذا يدل على أن النقد بحد ذاته إبداع يفحص الإبداع، يستكشف عوالمه وخباياه، ويرسخ الاختلاف واحترام الرأي والرأي الآخر.

النصوص الأدبية والأعمال الفنية كالرسم والموسيقى بدون النقد أو القراءات الكاشفة لها مهددة بالتجمد والموت، وحينها لن تجد طريقها للناس، ولن يكون لها ذلك التأثير المأمول على المجتمع وثقافته ووعيه.

من وجهة نظري، هناك عدة أسباب وراء ندرة النقد الجاد في عمان؛ منها عدم شيوع ثقافة النقد بمعناها الجاد في المجتمع العماني، وهذا سببه عدم طرح النقد كمنهج تعليمي وتوعوي في المدارس، ومؤسسات التعليم العالي خاصة تلك المعنية بالتخصصات العلمية. كما أن ندرة وجود مناهج الفلسفة دور في الضعف الشديد لثقافة النقد، فالفلسفة مفتاح سحري لفتح صناديق الحكمة والحقائق والوعي والمعرفة. ولن ننسى بعض الأكاديميين والباحثين العمانيين الذين بمجرد انتهائهم من الدراسات العليا، يهتمون مع الأسف الشديد بالشهادة واللقب العلمي أكثر من القراءة والبحث والتحليل، فيضمر عندهم الحس الثقافي والتفكير والوعي بالإبداع.

وأخيرا فالنقد كثقافة ووعي ليس مطلوبا فقط للأعمال الإبداعية، بل ضروريا لكل مفاصل الحياة، فمثلا لن تنمو وتزدهر قطاعات مهمة كالتعليم والصحة والاقتصاد والسياسة بدونه.

 

سليمان المعمري: ليس لدينا نقاد بالمعنى المأمول لوصف ناقد

هل فعلا ليس لدينا نقاد/ نقد في عُمان ؟ هذا سؤال شائك، لكني سأتهور بالقول إن لدينا نقدًا في عُمان، ولكن –للأسف – ليس لدينا نقاد، بالمعنى المأمول لوصف ناقد. بمعنى أن النقد موسمي وخاضع لاعتبارات كثيرة معظمها تجيء من خارج الناقد وشغفه ورغبته، فهناك من يكتب نقدًا لأن جهة ثقافية معينة دعتها للكتابة، وهناك من يكتب نقدًا لأنه يهمه كأكاديمي أن يشارك بورقة في المؤتمر الفلاني لاعتبارات تتعلق بترقيته، وهناك من استكتبته صحيفة أو مجلة، وهناك من يكتب النقد لأنه مضطر لذلك بسبب دراسته للماجستير أو الدكتوراه. كل هؤلاء موجودون في عُمان ولا نستطيع أن نبخسهم حقهم، ولكن هل هم نقّاد حقًّا بالمعنى المأمول للكلمة؟.

الناقد من وجهة نظري هو ذلك المسلح بعدته النقدية التي تتجدد دورياً –وربما دون أن يشعر- بتجدد النظريات النقدية وتشعبها، الشغوف بمتابعة جديد الإبداع من شعر أو رواية أو قصة أو مسرح، أو غير ذلك من ضروب الإبداع المختلفة، دون انتظار “المحفزات” الخارجية الأخرى (التي لا أنكر أهميتها)، ذلك الذي يحركه شغفه فقط تجاه العمل الإبداعي ويحاول بأدواته النقدية نقل هذا الشغف لقرائه، ويسعى من خلال متابعته الدؤوبة للجديد – في الإبداع من جهة، وفي النقد من جهة ثانية – استنباط نظريات نقدية، أو استنتاج خلاصات فكرية، ذلك الذي يسعى لتنبيه القراء إلى كاتب شاب موهوب لم تنتبه له الصحافة الثقافية بعد، ولم تلتفت له الجوائز الأدبية، لتكون شهادة ميلاده الحقيقية على يد هذا الناقد. فهل هذا الناقد الذي أتحدث عنه موجود في عُمان اليوم؟. الإجابة وبكل أسف لا.

أما تفاعل الناقد العماني مع الأعمال الأدبية ومتابعته له ضعيف للأسف، ولأسباب عديدة لا تخص الناقد وحده. فمن جهة هناك غزارة في الإصدارات الأدبية بالمقارنة مع العدد القليل للمشتغلين بالنقد، وهذا الأمر لا يتعلق بعُمان فقط، بل هو ظاهرة عالمية. ولكنها تبرز في عُمان أكثر بسبب غياب المحفزات –الخارجية والداخلية- لهؤلاء المشتغلين في النقد. فإذا ما تحدثنا عن المحفزات الخارجية سنقول إنه لم يعد النادي الثقافي أو جمعية الكتاب يهتمان بتقديم الإصدارات الأدبية العُمانية الجديدة واستكتاب النقاد من أجلها، خاصة مع القرار الخاطئ –الأقرب إلى خطيئة- بإلغاء الأسر الأدبية للشعر والقصة في النادي الثقافي رغم أنها كانت تقيم عددا كبيرا من الأمسيات النقدية خلال العام الواحد (خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 فقط نظمت أسرة القصة وحدها 42 أمسية تناول فيها مشتغلون بالنقد روايات ومجموعات قصصية وكتبا سردية أخرى)، ولم تعد هناك ملاحق ثقافية كــ”شرفات” في جريدة عُمان، أو “أشرعة” في الوطن، لاستكتاب النقاد حول هذه الأعمال. فماذا بقي لهؤلاء المشتغلين بالنقد ليحفزهم على التفاعل مع الأعمال الأدبية سوى شغفهم الداخلي، وقد ذكرنا أن هذا الشغف غير موجود للأسف. خلال السنوات الخمس عشرة الماضية نال عدد غير قليل من الأكاديميين العُمانيين الشباب درجة الدكتوراه في نقد الشعر والرواية والسرد والمسرح، وفرحنا بهم وتفاءلنا بهم خيرًا، وقلنا إن هؤلاء هم من سينهضون بالنقد في عُمان من سباته القديم. ثم مضت السنوات تلو السنوات، دون أن نرى شيئًا من اشتغالاتهم. لقد ابتلعتُهم دوامة الحياة اليومية الروتينية، وناموا. في المقابل هناك مشتغلون بالنقد أقدم منهم، ولكنهم ظلوا يدوّرون أوراقهم القديمة في كل مناسبة. لا أنسى على سبيل المثال في ندوة نظمت عام 2017 عن القصة العُمانية القصيرة “الجديدة” أن معظم استشهادات أحد النقاد في ورقته كانت بمجموعات قصصية عُمانية مضى على نشرها عشر سنوات وأكثر، وسبق أن نشر عنها كتابا نقديا عام 2008، وأصدر مؤلفو هذه الكتب القصصية أكثر من كتاب جديد بعدها، فعن أي قصة جديدة كان يتحدث ذلك الناقد؟، وهذا على سبيل المثال فقط.

هناك خلل كبير، ولا يمكن للنقد في عُمان أن ينهض دون معالجته. وللمؤسسات الثقافية الرسمية دورٌ في ذلك. مثلاً يمكن أن تخصص وزارة الثقافة جائزة سنوية للنقاد، وأن يتم إصدار مجلة متخصصة في النقد الأدبي تستكتب فيها هؤلاء النقاد بمكافآت مُجزية، وأن تعود الجهات الثقافية الأخرى كجمعية الكتاب والنادي الثقافي وغيرهما للاهتمام بإقامة الجلسات النقدية للإصدارات الأدبية. ولا بد طبعًا أن تعود الملاحق الثقافية في الصحف العُمانية، وأن تخصص مساحة جيدة منها أسبوعيا للنقد الأدبي. وأن تخفف الأعباء الأكاديمية عن الباحثين المشتغلين بالنقد ليتفرغوا لهذا النقد. أظن أن هناك اقتراحات كثيرة يمكن قولها للنهوض بالنقد لو وُجِدت الإرادة وخَلُصت النية.

 

يونس البوسعيدي: كنّا نعوّل على المؤسسات المعنية في تفعيل حركة النقد

يوجد الاثنان –النقد والنقاد- وبالصنفين، الأكاديمي والموهبيّ، ولكنهما لا يعملان، لأن الأولى مُثقلة كون نقدها عملٌ أكاديمي رسميّ، فهذا إطاره المحصور فيه، سواء كان مشرفاً أكاديميًا أو طالبا، والموهوب في النقد لا يتجرأ بالديمومة في مواصلة طرح رؤاه النقدية، لمسببات كثيرة أهمها عدم وجود التشجيع، وربما عدم التقبل.

كنّا نعوّل على المؤسسات المعنية في تفعيل حركة النقد، ولكني أراها ولّت وجهها شطر قبلة ترضاها.

هناك نقطة لا أحب تفويتها، وهي مع وجود النقد، هل هذا النقد في حالة عافية؟ هل طور أدواته؟ هل هو مقتنع بالأديب والمثقف العماني؟

هذه الأسئلة يحتاج لها عصف ذهني مع (المشتغلين بالنقد، وهنا أتعمد أن لا أقول النقاد) فلربما زامر الحي لا يُطرب، شخصيا اِلتفت لكتاباتي نقاد من داخل وخارج السلطنة، ولكني لاحظتُ أن النقاد من الخارج بارحوا مناطق النقد التقليدية لأخرى متقدمة.

إبّان إحدى أُسَر النادي الثقافي ذات أيام، وكذلك أُسَر الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء كان هناك اشتغال مجدول (واحتفائيات شبه نقدية) للمجاميع الأدبية العمانية التي كانت تصدر، ولكن الاحتفائيات توقفت، ولا أعلم لماذا؟

أنا أتوقع أن الناقد يحتاج لدافع ليتابع الأعمال الأدبية، ومن بينها المادي وهذا ليس عيبا ولا حراماً، هذا لو كنّا نؤمن بالعنصر الثقافي أنه عنصر وطني يستحق الدفع َوله دور في حركة التنمية الوطنية في البلاد.

كما أنه يسخّر وقته وجهده، وربما أظن أن على الجهات المعنية أخذ زمام المبادرة لتفعيل حركة النقد من جديد.

 

هدى حمد: يكمن جوهر النقد في تحريض الساكن وهذا ما نفتقده أصلا

لدينا نقاد درسوا النقد وتخصصوا فيه، وهذا شيء مفروغ منه، لكن هل استطاع هذا النقد أن يخلق حالة ثقافية في عمان؟ أو يخلق حالة من السجال الحيوي؟ هنا يكمن جوهر النقد، في تحريض الساكن وهذا ما نفتقده أصلا.

لم نر اشتغالا دؤوبا من قبل النقاد وملاحقة حقيقية للاصدارات الجادة، ولستُ ألوم النقد دائما ، لأنه لا يأتي منفصلا وإنما في مشهد متكامل يحضر فيه الأدب والفلسفة وعلم الجمال والعلوم الأخرى، وهذا المشهد هو الآخر غائب، وقبل كل هذا فإن المدرسة وبكل صراحة تقهر المنابت الأولى للنقد وتبيدها عوض تغذيتها وتربيتها، ولذا ينشأ النقد لدينا غضا هزيلا ومسلوبا، وربما يكون ذلك لأن بعضا ممن درسوا النقد وتخصصوا فيه سحبتهم الأعمال الأكاديمية ومشاغلها فاكتفوا بالدراسات الموجودة في الجامعات أو في المجلات المتخصصة التي ليست بين أيدي الجميع عادة.

الشكل الآخر من النقد الغائب رغم أهميته، والمتمثل في المراجعات الصحفية للكتب والإصدارات على تنوعها محليا وعالميا،غائبة بشكل مخيف في عمان، وإن حدث وغامر البعض بالكتابة فغالبا، ما ينصب الأمر في مستنقع المجاملات، ولا تحدث حالة سجالية، تلك الحالة التي تنتصر للكتابة الواعية والمفندة، على الرغم من أنه ليس لدينا إصدارات كثيفة حتى نقول أنهم لم يجدوا الوقت لملاحقتها. وسمعت كثيرا من النقاد يتعللون بأن الكتاب يزعلون ويغضبون ويعاتبون، بينما الناقد الحقيقي هو كالجراح المستعد دوما بمشارطه وعدته، وعليه أن يهتم بجراحته لا بمريضه المتوسل للشفقة، فذلك أكثر فائدة.

ولذا أصدق ريلكه الذي قال منذ 1902 في رسائله إلى شاعر شاب: ” اقرأ أقل قدر من النقد فهو إما متحيز وإما متلاعب ماهر بالكلمات، يجعل هذا يربح اليوم وغدا نقيضه”.

 

شريفة التوبية: الناقد لم يقم بدوره بقدر ما نجده مجاملاً

ليس صحيح أنه لا يوجد لدينا نقّاد في عمان، لدينا نقاد في عمان ولكن لا يوجد لدينا نقد، فكفة المعادلة غير متساوية هنا، ولا أستطيع أن أنكر وجود الناقد بسبب غياب النقد، ولا أستطيع نكران أن للنقاد دراساتهم النقدية وبحوثهم المنشورة، ولكن ربما وفق ما يتطلبه مشروعهم البحثي، ولكن في المقابل لا يوجد دراسات نقدية كافية للأعمال الأدبية الصادرة في عمان، ولست أدري أيضاً ما الذي يجعل الناقد لا يدنو من نقد الأعمال الأدبية السردية والشعرية الصادرة في بلده، هل ترفّعاً منه أم تجاهلاً أم أنه لا يملك الوقت لذلك؟ بكل أسف الحركة النقدية ضعيفة جداً لدينا، ورغم كثرة الإصدارات الأدبية (الرواية والقصة والشعر ) في الفترة الأخيرة، لكن الناقد بعيد وكأنه غير معني بما يصدر في بلده، وقد نتفاجأ أن الدراسة النقدية لبعض الكتب العمانية تأتي من الخارج وليس من الداخل، والمضحك في الأمر أنه في كثير من الأحيان لا يتم الإشارة إلى هذه الإصدارات مهما كانت قيمتها الأدبية إلا بما يملك الكاتب من صداقات وعلاقات شخصية داعمة لانتشار كتابه وتعريف القارىء به بغض النظر عن جودة الكتاب من عدمه، المضحك أو الغريب في الأمر أن عدد النقّاد لدينا كُثر إلى درجة أن عددهم قد يساوي عدد الكتّاب، ولكن النقد غائب.

أظن ولست أكيدة من ظني هذا إن الناقد العماني أو لنقل المتخصص في مجال النقد لا يتابع الإصدارات في بلده، ولا يبحث عنها، وربما لا يعترف بها أو لا يثق بكاتبها، وكل هذه الظنون والتخمينات تأتي من خلال ما نلاحظه أن الإصدارات تتكاثر وتملأ الساحة والسوق وتغرقهما، الجميع  يكتب، الجميع يصدر ما دام لديه القدرة على الدفع للناشر، إنها عملية تجارية بحته، نحن أمام موج من الإصدارات وقليل ما نستطيع القول إنه إنتاج أدبي حقيقي، وكل ذلك بسب غياب الناقد، بسبب غياب كلمة النقد الفاصلة في أن هذا الكتاب يصلح أو لا يصلح، وغياب التحليل النقدي الذي يحتاجه الكاتب لمعرفة نقاط ضعفه وقوته، كما أن  بعض الأراء النقدية الخجولة التي نشرها أصحابها غير المختصين في  مجال النقد لم تكن دراسات نقدية بل كانت قراءات لا تضيف شيئاً للكاتب ولا لكتابه ولا للساحة النقدية شيئاً، الناقد لم يقم بدوره بقدر ما نجده مجاملاً أو مصفقاً دون تقديم مادة نقدية تخدم الأدب، أليس النقد أمانة؟.. إذن أين النقد؟!!

لا يمكن أن ننتج أدباً حقيقياً وناجحاً في ظل هذه المسافة الكبيرة بين الكاتب والناقد، نحن بحاجة للنقد لنرتقي بما نكتب، ولست أعلم أين يكمن الخلل هل هو في الناقد المترفّع والبعيد عن الكتاب العماني أم في الكاتب نفسه، ولكن في النهاية ليس هناك كاتب يأخذ كتابه إلى ناقد على الناقد أن يقوم بدوره أن يُطلب منه، فالنقد عملية ضرورية في أي مجتمع يسعى لتطوير انتاجه الأدبي، ويجب أن تكون موازية لحجم الإصدارات وإلا سنبقى مع هذا الاستسهال الكتابي والنشر الربحي الذي ينقص من قيمة المادة الأدبية. الخلل أظنه في تخلي الناقد عن دوره وربما بحثه عن نفسه خارج الحدود ليحقق انتشاراً واسماً ربما لن يحققه هنا كما يظن، وفي ذلك انتقاص من حق الكاتب وظلم كبير للأعمال الأدبية التي تستحق النقد والدراسة.

 

يوسف المعمري: النقد العماني غالبا ما يكون محاولات وجهودا فردية

أرى أنه يوجد في بلدنا عُمان الكثير من الأساتذة والباحثين والدارسين والمثقفين، الذين من الممكن أن يقوموا بهذا الدور النقدي المهم، لكن -وللأسف الشديد- الكثير منهم قد ضاع أو غاب بين دفّات الكتب، والرسائل الجامعية، ولم يعد له ذلك الدور المنشود، وأظن لو استمر كل باحث أو ناقد أو مثقف أو مهتم بدرجة الحيوية والنشاط التي كان تسوده في لحظة ما، لرأينا جماعة أو جماعات من النقاد العُمانيين الذين ينقدون الأدب العماني والعربي والعالمي على حدّ سواء!!

فلماذا هذا الغياب أو التغييب كما تروق لكم التسمية؟! العتب -كما أرى- ليس مقصورا على الأشخاص وإن كانوا يتحمّلون الجزء الأكبر من تلك المسؤولية التي سرعان ما يتخلون عنها، لكن العتب أيضا على مؤسساتنا الأكاديمية الجامعية أولا، ومؤسساتنا الثقافية والإعلامية وغيرها ثانيا، التي لم تأخذ بيد الباحث العماني أو الناقد العماني، فكان مصير تلك المحاولات الفردية إلى الانطفاء والتوقّف لا سيما إذا كان هذا الباحث أو الناقد لا ينتمي لمؤسسة تدعمه وترعاه وتشجعه على ذلك، فالإبداع والنقد يحتاج كل واحد منهما لمؤسسات، وإلا لم تجد كل المحاولات الفردية أذنًا صاغية، وتأثيرًا جماهيريًا إلا ما ندر.

والإجابة عن غياب الناقد العماني عن نقد الأعمال العمانية ومتابعتها هي كالإجابة عن سؤال غياب الناقد العماني بصفة عامة، فحينما تغيب روح النقد الفردية والجماعية، والمؤسسات الراعية لتلك التوجهات، فمن الطبيعي جدًا أن لا يلتفت إلى الأعمال الأدبية، والنتيجة المتوقعة في مقابل ذلك، غياب وهج الأدب وأثره العميق بين الجمهور، ولذا سيبقى الأدب بين جماعة محددة من المهتمين، وسيكون الأدب مجهولًا وضائعًا بين صفحات المجموعات الشعرية والكتب النثرية.

وللإجابة عن هذا التساؤل أيضا، سنحتاج للإجابة عن التساؤل الثالث القائل: هل هناك مشروع نقدي عُماني حقيقي؟ في الواقع، كما ألتمس، لا يوجد مشروع نقدي عماني حقيقي للأسباب التي ذكرتها سابقا، وفي رأيي إذا كان هناك ثمة مشروع نقدي عُماني حقيقي، فيجب أن يكون مشروعًا تكامليًا لا فرديًا مع النقد العربي عامة، ومن هذا المنطلق أستطيع أن أجمل مشكلة النقد العماني، وهو جزء لا يتجزأ من النقد العربي، في هذه الأسباب:

أولًا: النقد العماني غالبًا ما يكون محاولات وجهود فردية، ثانيًا: غياب الروح الجماعية ذات المشروع المؤسسي الواحد، والنقد الجامع.

ثالثًا: تقصير الناقد العماني، وتوقفه عن المحاولات والجهود الفردية، وعدم استمراره.

رابعًا: تقصير الجهات الإعلامية والثقافية والأكاديمية في إبراز المبدع والناقد العُماني على حد سواء.

خامسًا: النقد العُماني جزء لا يتجزأ من النقد العربي، وإذا غابت النظرية النقدية العربية، والمشروع النقدي عند العرب، فمن الطبيعي أن يغيب المشهد النقدي العُماني من مشروع نقدي حقيقي. سادسًا: الضياع ما بين التراث النقدي العربي، وتغريب النقد العربي، واعتماده المفرط على نظريات غربية قد لا تتناسب أحيانا مع الناقد العربي وهويته، أو تحدّ من قدرته النقدية، وكل هذا يزيد من صعوبة نشأة نقد عربي أو عماني حقيقي.

 

خالد المعمري: الاعتقاد أن النقد أو الغربلة تتناول صاحب النص يشكّل عائقا للناقد

هل فعلًا ليس لدينا نقّاد في عمان؟ ليس بهذه الصورة بالضبط. لدينا نقاد قرأنا لهم سابقا، ولدينا باحثون من جيل الشباب، وهم نواة لمشروعات نقدية، يقدّمون ما لديهم من أطروحات، ونقرأ لهم في الصحف والمجلات، وهم ذوو تأسيس في المؤسسات الجامعية في عمان وخارجها، لذا فإن ما يقال إنه لدينا نقاد فليس على الإطلاق، إنما النقاد قلةٌ، لكن مع مرور الوقت، وانفتاح جيل الشباب على المشروعات النقادية في العالم، سنشهد حركة نقدية واسعة، ومواكبة للعمل النقدي الخارجي. إننا بداية الطريق، ورغم طول الطريق فإنّ الأقلام النقدية تبشّر بمستقبل نقدي، وجيل قادم يهتم بالنقد والدراسات النقدية.

لا أعتقد أنّ هناك غيابًا للنقاد عن المشهد الأدبي العماني، ولكن هناك قلة نقاد كما ذكرتُ سابقا، وهو ما يجعل هناك صعوبة في تناول جميع الأعمال، أضيفي لذلك أن بعض النقاد في عمان لا يحبّذون فكرة النشر في الصحف والمجلات ويفضلون نشر ما يكتبون في كتب متخصصة أو مجلات محكمة وهذا أيضا يعطي مؤشرا بطيئا على مواكبة النقاد للأعمال في عمان.

لدي سبب آخر ولا أدري أهو سبب رئيس في غياب النقد لأعمالنا العمانية أم هو هاجس شكّلته الأعراف النقدية، وهو الحساسية المفرطة في التعاطي مع النص وصاحب النص، أو التعاطي بين الناقد وصاحب النص.

إن مهمة الناقد عي غربلة النصوص لا أصحابها كما عبّر عن ذلك ميخائيل نعيمه، ولكن قد يتبادر إلى الذهن أن النقد أو الغربلة تتناول صاحب النص، مما يشكّل عائقا للناقد في مواجهة العلاقة الشخصية بينه وبين الطرف الآخر، وخلخلة العلاقات والروابط، فلذا قد يجد الناقد يتجه لدراسة تجربة أدبية خارجية أو يقدم قراءة أو نقدا لمؤلَّفٍ من خارج عمان.

أقول إن ذلك مجرد هاجس لدي، لأن مهمة النقد لا ينبغي أن يداخلها أي ريبة وشك طالما أنها تتبع منهجا نقديا، ولا دخل لصاحب النص هنا، فالناقد يعنيه في المقام الأول نص أدبي وعليه تتمحور عناصر القوة والضعف، وجوانب المتعة والسكون.

ومع ذلك فهناك نقاد على مستويات مختلفة يحاولون تقديم الأدب في عمان من منظور نقدي جيد، وهذا ما نأمله من مختلف النقاد، وما نأمله من المؤسسات الأكاديمية والثقافية في عمان.

هناك أعمال نقدية فردية. المشروعات تحتاج إلى عوامل متضافرة لاستمراريتها ونجاحها، وتحتاج إلى خطط طويلة، ومداومة على الاطلاع والبحث، ومع ذلك فالناقد العماني -هناك بعض النقاد في عمان- قادر على تبني مشروعات نقدية، بل وهناك بعض المؤسسات التي يمكن لها أن تتبنى مشروعات بالتعاون مع بعض النقاد، ولقد استمعت إلى عدد من الباحثين والنقاد الذين لديهم بعض الخطط حول مشروعات نقدية لا أدري أين وصلت؟

أعتقد هناك صعوبات وعوائق تواجه العمل النقدي والناقد، منها صعوبات إدارية ومادية، فالناقد أوالباحث حتى ينتج، على سبيل المثال، يحتاج لتفريغ، وتيسير عوامل النجاح، وتذليل العقبات. وهي واحدة من الصعوبات التي تقف في وجه الناقد، أضيفي أيضا تكامل أدوار الباحث أو الناقد مع المؤسسات الثقافية والعلمية في البلد، وصعوبات الحصول على المعلومات أو المصادر إذ لا توجد مكتبات متخصصة تقدّم للباحث ما يريد الحصول، هي صعوبات كثيرة وأعتقد أنّها لو ذُلِّلَتْ لاستطاع الناقد أن يعطيَ إنتاجا نقديًا جيدًا.

 

إسحاق الخنجري: نحن نحتاج إلى التقارب والتحايث بين النقد والإبداع

 

هل فعلًا ليس لدينا نقاد في عمان؟ ليس صحيحا ذلك. لدينا نقاد حقيقيون قادرون على محايثة النص وإثبات وجوده في المحيط لا ينطلقون من زاوية التنظير الجاف أو الانطباع الساذج، بل من جعل النص مرآة صافية لمعنى الوجود والحياة، ولكن للأسف الشديد هؤلاء قليلون جدا، وتنقصهم حيوية الاستمرار في الكتابة والحضور، فهم أيضا يتمتعون بحساسية المبدع المرهف الذي ترهقه عواصف الواقع المريض و أمواج الأرض الصدئة.

لا يبدو الناقد العماني غائبا تماما، فهناك دراسات وقراءات كثيرة في الحقل النقدي، لكن كثرة الإصدارات الإبداعية تجعلها ضئيلة جدًا ولا تكاد ترى على صورتها الحقيقية وهذا يجعلني أقول إن الكتابة الجادة فعل تأمل وانهمار في الوجود والأشياء بهدوء تام وليس فعل ترصد ومطاردة للأحداث والأحلام، ينبغي النظر للكتابة أنها قدر طفل يركض في براري شاسعة مليئة بالخضرة والظلال والفراشات ويتحدث عن ذلك بعينيه المشرقتين قليلًا قليلًا دون أن يحدث ضجة، وهنا كذلك أقول إن الناقد الحصيف دائما ما يفتش عن النص الأصيل في الشقوق والكهوف ولا يركن للظاهر الحاسر عن الرؤيا، حيث توجد نصوص إبداعية يانعة في التألق والشفافية، وعليه أن يسعى لها بلا تردد، ومشكلة الناقد لدينا أنه محاصر بين ضفتين: النظام الأكاديمي الذي يجعل منه محاربًا فذا في المعرفة التنظيرية للأشياء وإحساسه العميق أن هناك عالمًا آخر للنص يسمى الرؤيا، تلك التي لا تكمن في ملاحقة خطوات العلوم والمعارف، وإنما في إدراك الحدس الإنساني الحالم بعواطفه وأشجانه، لأن المعرفة هي الحب والضوء والرؤية كما تراها الكاتبة هيلين كيلر.

هناك ملامح لكتاب في النقد قادرون على التنبؤ والاستقراء والتقصي ونرجو منهم الكثير من الرؤيا البحثية في النصوص، ويشرعون الغائب الذي لا يظهر على سطح الكتابة، لأننا نحتاج إلى ناقد يقرأ البصيرة، ويسبر البعيد، هكذا هو النقد بمفهومه الرؤيوي، فالنقد مقدار التنافس على الجوهر.

يوجد خلل جارح جدا، مبدع ليس لديه طاقة التأمل وحيوية التجاوز في الكتابة، ينتج وينتج دون أن يلتفت إلى نافذة النقد، وناقد يكتب ويكتب دون أن يهدأ إلى زرقة الروح وجمر الكلمات، يظل يكتب بعقله فقط مدًا تنظيرًا لا يشع أبدا في مكتبة الإبداع، لذلك نحن نحتاج إلى التقارب والتحايث بين النقد والإبداع، كالذي يفهم أن النار ليست بالضرورة أن تحرق الأشياء، مشكلتنا في التوجس الكبير في المفاهيم، عدم فهم روح الآخر وبعث الطمأنينة، الإدراك الشاخص في الحياة أن الجدل الحقيقي هو كيف نبني جسرًا أنيقًا بين جهتين.

 

أحمد الحجري: ما ينقص الساحة النقدية العمانية هو عدم وجود ظاهرة الناقد النجم

يبدو لي من المجحف حقًا أن نعتقد بعدم وجود نقاد في عمان، فبعد مرور خمسين عاما من التنمية الشاملة في كافة المجالات والقطاعات خاصة العلمية منها والثقافية، مثل إنشاء جامعة السلطان قابوس والمؤسسات الأكاديمية الأخرى، وما قدمته من أكاديميين متخصصين في الدراسات النقدية، وطلاب دراسات عليا يتلمسون طريقهم في النقد التخصصي نستطيع بجرعة أمل أن نقول أن هنالك نقادا في عمان، أضف إلى ذلك الدور الذي تضطلع به المؤسسات التي تهتم بالشأن الثقافي والأدبي مثل النادي الثقافي والمنتدى الأدبي وجهود وزارة الثقافة في النشر ودعم الملتقيات الأدبية وصولًا إلى الأعمال التي تنجزها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء والمبادرات الثقافية الخاصة مثل بيت الزبير وغيرها، كل ذلك يشير إلى حالة من النقد الأدبي شهدتها عمان كما لم تشهدها من قبل.

وبالتالي إذا أردنا الإجابة عن السؤال المتعلق بغياب الناقد العماني عن نقد الأعمال العمانية ومتابعتها، نستطيع بكثير من الوثوقية والمصداقية أن نعترض على هذه الاتهام، وندلل في مقابل ذلك على وجود النقد العماني -إن صحَّ التعبير- من خلال ما ينشره النقاد العمانيون من كتب نقدية أضف إلى ذلك مشاركاتهم العلمية في المؤتمرات والندوات خاصة التي تُعنى بالنقد الأدبي، عدا الأوراق البحثية التي تنشر في المجلات العلمية المحكمة، ثم هنالك المقالات والمتابعات الصحفية التي تنشر في الصحف المحلية والمجلات المتخصصة مثل نزوى أو حتى ما ينشر في الصحف والمجلات الخارجية مثل الدوحة والقدس العربي وغيرهما، ثم لا يمكننا غض الطرف عن الكتابات المستقلة في المواقع الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي، وكل هذا يشكل بمجمله حالة من النقد لا يمكن التغاضي عنها أو عدم الالتفاف إليها.

على أننا نتفق تمامًا أن هذا النقد لا يلبي عطش الأدباء والقراء في عمان أمام وفرة الإنتاج الأدبي، وهو بالضرورة لا يستطيع أن يواكب جميع ما ينشر من أعمال أدبية، ولا يتمكن في أحايين كثيرة من أن يحيط علما بالكثرة الكاثرة مما يكتب وينشر، وهذا راجع بطبيعة الحال إلى طبيعة النقد المتأملة والمتروية أمام حساسية التجارب الأدبية والإبداعية، وما تشهده الساحة الأدبية من إنتاج غزير له أسبابه الخاصة، وهذا ينطبق على الآداب الأخرى أيضًا والحركة النقدية التي تتابع مجرياته.

إذن ما الذي ينقصنا بالضبط؟ أو أين يكمن الخلل؟ أعتقد أن ما ينقص الساحة النقدية العمانية هو عدم وجود ظاهرة الناقد النجم، فكما أن للسينما نجومها وللفن نجومه وللأدب نجومه أيضا فالنقد أيضا ينبغي أن يكون له نجوم، وأقصد بالناقد النجم هو ذلك الناقد المتخصص الذي يمتلك رصيدا معرفيا رصينا، ومشروعا نقديا رؤيويا، ويحتكم إلى لغة منهجية جذابة، ويتحلى بقدر عالٍ من الموضوعية والمصداقية، يتلهف الجمهور الأدبي إلى إطلالته النقدية ومتابعاته الفكرية، وينتظر القراء كتاباته كما ينتظرون صدور رواية لكاتبهم المفضل، وإذا أمكن أن نشير إلى نقاد نجوم في الساحة العربية مثل عبد الفتاح كليطو في المغرب، وجابر عصفور في مصر، وعبدالله الغذامي في السعودية -وهذه الأسماء للتمثيل فقط وإلا فالوطن العربي يعجُّ بالكثير من الأسماء النقدية اللامعة- فإننا إزاء حيرة إذا ما أردنا الإشارة إلى ناقد نجم في الساحة العمانية.

وبعد هذا فما هي الأسباب التي تكمن وراء عدم توفر نقاد نجوم في الساحة النقدية العمانية؟ يبدو السؤال إشكاليًا إلى حد كبير، ومن العسير تتبع كافة الأسباب والسياقات والظروف التي أدت إلى هذا المآلات المأزومة، ولكننا نحاول أن نقارب بعضها ونتلمس بعضها الآخر.

هنالك ما يمكن تسميته ارتداد النقاد الأكاديميين إلى مواهبهم الأدبية، فالشاعر الناقد يعود إلى معتزله الشعري، والناقد الروائي يرجع إلى حظيرة الأدب الروائي، والتربوي الناقد ينشغل بقضايا التربية وهكذا تخسر الساحة النقدية أكاديميين أكملوا دراساتهم العليا في جامعات عربية وغربية عريقة، عدا ظاهرة الثقب الحياتي الأسود الذي يبتلع معه مشروعات نجوم نقدية كان يمكن لها أن تضيء في سماء الساحة النقدية العمانية، ثم هنالك إشكالية عدم وجود الناقد المتفرغ، فالأكاديميون والتربويون -وهؤلاء في عمان يشكلون ظاهرة كبيرة بحكم ظروف الدراسة والعمل- مشغولون بأعباء التدريس وفي كثير من الأحيان بالأعباء الإدارية، أما الإعلاميون والصحفيون، فمع وفرة ما يقدمون من برامج تعنى بالشأن النقدي، ومتابعات نقدية مكتوبة في الصحف المحلية فهم يفتقدون إلى الكتابات التخصصية، ويمكن أن نكمل إجابتنا عن هذا السؤال بالإجابة عن السؤال الآخر المتعلق بالمشروعات النقدية العمانية، فهنالك غياب شبه تام للمشروعات النقدية المؤسسية التي تدعم النقاد العمانيين، وتوفر لهم كافة الإمكانات المادية واللوجستية لقيام جماعات نقدية أو مشروعات نقدية مستقبلية، كما أن عدم استمرارية بعض القطاعات الخاصة التي تعنى بالنقد في مشروعاتها النقدية مثل مختبر السرديات أدى إلى خسارة فادحة لمشروع كان يمكن أن يغني الساحة النقدية العمانية ببحوث ودراسات وأوراق نقدية تهتم بالأدب العماني، زد على ذلك خلو الساحة النقدية من المشروعات النقدية الفردية إلا في ما ندر، فإذا أضفنا إلى ذلك كله قلة الجوائز المخصصة للنقاد عكس الجوائز المخصصة للأدباء أدركنا بكثير من التعقل أسباب ضمور الحركة النقدية في عمان.

 

محمود حمد: الحكم بعدم وجود مشروع نقدي عماني حقيقي حكم ظالم

هل فعلًا ليس لدينا نقاد في عمان؟ حكم قاس، ربما تغيب المنهجية، أو بألطف حكم تتشتت الجهود النقدية أو تحاول أن تقيم لنفسها مكانا، ونحتاج إلى الكثير من الجهد.

ما زال بعض الباحثين العمانيين -على حد علمي- لا يرى في التجربة العمانية مختلفا يستحق الدراسة والقراءة، كما أن غياب الدراسات يدفع بعض المبتدئين إلى دراسة التجارب الأخرى لتوفّر الجهود البحثية حولها، ولكننا نرى في السنوات الأخيرة خلاف ذلك، فقد تعددت الدراسات مما سيوجد أرضا خصبة لجرأة النقد والقراءة.

هل هناك مشروع نقدي عماني حقيقي؟ كما قلت يحتاج جهد أكثر، والحكم بعدم وجود المشروع حكم ظالم.

هناك جهود تحتاج تنظيم لقراءات متعددة لدى باحثين في جامعات مختلفة في عمان وخارجها لكنها بحاجة إلى توجيه لتساند النقد الأدبي. والخلل هو غياب الاهتمام المؤسسي والأكاديمي إضافة إلى طرح منظومات النقد في مختلف الجامعات العمانية.

 

منى حبراس: الناقد لا يملك إلا أن يكون انتقائيا

القضية ليست في عدم وجود نقاد وإنما في قلة وجود النقاد -وهذه ظاهرة ليست في عمان وحسب- ولكنها في كل مكان، ولذلك أسبابه. ولكن ما دمنا نتحدث عن القلة والكثرة بدرجة أساس، فالسبب برأيي أن المشتغلين بالنقد في كل مكان أقل من منتجي الأدب وكتّابه. والناقد بطبيعة الحال لا يملك إلا أن يكون انتقائيا، فليس باستطاعة ناقد فرد أو نقاد أفراد غير مدعومين مؤسسيًا أن يكتبوا عن كل ما يصدر في بلدهم فضلًا عما يصدر حول العالم، فهذا مطلب مستحيل.

الناقد لا يستطيع إلا أن يكون انتقائيا. وأتصور أن السؤال الأهم هو كيف ننتقل بالفعل النقدي من الجهد الفردي إلى الجهد المؤسسي؟ فالناقد مجرد فرد، ويصارع من أجل تحقيق متطلبات وظيفته من جهة، وحياته ومتطلباتها من جهة أخرى. وأتصور أن مطالبات الأدباء والكتاب للناقد بأن يتابع كل جديد مطالباتٌ غير منصفة قياسًا إلى عدم توازن الكفة بين عدد الكتاب وعدد النقاد. ثم أليس على المؤسسة الثقافية أن تطرح على نفسها سؤالا من قبيل: كيف السبيل إلى إيجاد أرضية نقدية بما أن نبرة الشكوى من غياب النقد عالية جدا؟ وما التدابير التي على المؤسسة اتخاذها لإخصاب بيئة النقد في عمان؟ مع الانتباه إلى النقد ليست حالة أدبية فقط، وإنما يجب أن يمتد بساطها ليشمل كل وجوه الحياة. وفي تصوري أنه من واجب المؤسسة الرسمية تجاه من يملك مشروعًا نقديًا حقيقيًا ويحمل إمكانيات الناقد وأدواته أن يحصل على تفريغ ينجز فيه مشروعه النقدي الذي ستسائله عنه المؤسسة لو تأخر عن إنجازه. ومن واجب المؤسسات الأكاديمية أيضًا إعداد نقاد يرفدون المشهد بدراسات وأبحاث وقراءات لا مجرد دارسين ومستظهرين للمناهج النقدية دون قدرة على مساءلتها أو توظيفها في قراءة الأعمال الأدبية في أفضل الأحوال.

خلاصة القول في هذه النقطة: أنه لا يكفي الإقرار بغياب النقد أوضعف مواكبته ما لم تكن هناك خطط مؤسسية تُدرك مكمن النقص أولًا وتعمل على سده ثانيًا.

بحكم قربي من أصدقاء وزملاء في حقل النقد من الباحثين والدارسين وطلبة الدراسات العليا فإني أعرف أن هناك مشروعات وليس مشروعًا نقديًا واحدًا، وأجزم بأنها تتخلق على مهل وسنرى نتائجها في القريب العاجل إن شاء الله لو حظيت بالاحتضان والدعم اللازمين.

هناك نوعان إن لم تكن ثلاثة أنواع من الخلل: أولها: في الاعتقاد بأن كل عمل أدبي يصدر يستحق أن ينبري له قلم الناقد بالتحليل والدرس، وفي هذا مغالطة كبيرة. لأن أكثر من يشكو من غياب النقد هو الكاتب الذي لم يحظ بقراءة نقدية في أعماله، بينما الأصل هو أن الناقد قارئ بالدرجة الأولى، ومثلما يتخير القارئ ما يقرأ، فإن الناقد أيضا يتخير ما يدرس ويتناول. وفي بعض الأحيان يكون صمت الناقد عن بعض الأعمال شكلًا من أشكال النقد أيضا. والمحصلة أن العملية برمتها (استفزاز جمالي)، فهناك من الأعمال ما ينجح في استفزاز الناقد، ومنها ما لا يحرك فيه رغبة الكتابة عنه أو مقاربته.

ثانيها: ذات الكاتب التي ترفض الانفصال عن العمل بعد نشره، فيعتقد أن النقد الموجه إلى النص موجه إلى شخصه، فيتجدد الخلاف الأزلي بين قطبي الصراع (كاتب النص-ناقد النص) في حين أن النص بينهما هو الموضوع الوحيد الذي ينبغي أن يكون مدار البحث والنقاش.

بطبيعة الحال لا يبرئ هذا القول بعض النقاد من النوايا المبيتة للحط من كاتب بعينه، فيتخذون من أدواتهم وسيلة للنيل من هذا الكاتب أو ذاك، كما لا يبرئهم من نوايا التكسب المادي والمعنوي بالكتابة عن أعمال هذا الكاتب أو ذاك. لذا فإن الحديث هنا يتوجب أن يكون فقط عن (الناقد النزيه) و(الكاتب المتجرد) من نصه.

ثالثها: التعويل على الدوافع الذاتية وحدها غير كاف لصناعة مشهد نقدي حقيقي، لأن التحديات أكبر مما في وسع الناقد الفرد التصدي لها، كما أنه تنبغي مساءلة الحالة العامة ودرجات سماحها بقيام نهضة نقدية في جميع مناحي الحياة، وتوفير البيئة الآمنة للناقد سواء من سخط الكاتب أو من سخط المؤسسة.

 

عزيزة الطائية: الجامعات المحلية لا تستقطب الناقد العماني وتتركه رهين محاولاته النقدية

يواجه النقد الأدبي في عُمان أزمة حيّة تتفرع إلى عدة محاور عند الحديث عنها: فهناك نص، وكاتب، وناقد، وتحكم هذه الأبعاد الثلاثية جميعها الجنس الأدبي المكتوب فيه (العمل/النص) شعرًا كان أم سردًا. وهذا -بلا شك- يتطلب وجود باحثين متتبعين وراصدين للأعمال التي تزخر بها الإصدارات المحلية مع قرب بداية كل عام ميلادي مع تباشير إطلالة معرض الكتاب. من هنا يتأكد لنا أن صناعة التأليف والنشر تواجه أزمة خانقة أبطالها: المؤلف والناشر والناقد.

والسؤال المطروح، أين الناقد الباحث عن النصوص؟ وأين الناقد الذي يواصل مسيرته البحثية بعد حصوله على الدرجة العلمية؟ وهل هناك نقد فاحص مبني على الرؤى النقدية في عُمان أم أن النقد يسير انطباعيًا؟ أعتقد الإشكالية تكمن -هنا- علاوة على غياب الرعاية المؤسسية والثقافية لحركة النقد في عُمان. فالجامعات المحلية لا تستقطب الناقد العماني، بل تتركه رهين محاولاته النقدية، علاوة على افتقارها للمختبرات البحثية المعنية بالدراسات والدوريات المحكمة لتي تشجع عملية رصد الأعمال وتجليها، لصقل قلم الباحث، وتجويد مسار النقد كما هو متواجد في الجامعات العريقة الكبرى في الوطن العربي.

وبطبيعة الحال نجد هناك نظرة هامشية من القارئ قبل الباحث خارج أسوار الجامعات، فهو لا ينتقي عند القراءة أو الدرس النصوص العمانية، بل ينظر لها نظرة دونية مما يجعل بعض الأقلام لا تتطور، أو تتوقف، رغم أن كثيرًا من الباحثين منهم أكملوا شهاداتهم العليا بدراسة بعض الروايات أو القصص أو الدواوين الشعرية، وتناولوا ثيماتها الموضوعاتية وخصائصها الفنية. وهذه النظرة المهملة تسري على الأعمال النقدية الصادرة التي تكتب بقلم باحث عماني، فالقارئ لا يلتفت إليها ظنا منه أنها دون المستوى، والكاتب/المبدع يتجاهلها ظنا منه أنها لا ترقى للعمل النقدي أو البحثي، وهنا تتجلى نظرة المثقف تجاه المحلي، والانبهار بما يكتبه الآخر العربي (المغربي أو المشرقي).

أما الحديث عن مشروع نقدي عماني حقيقي، فهذا يحتاج لتمكين الناقد أولا، ورعايته ثانيا، وتشجيعه ثالثا، للحديث عنه وبيان تحدياته ومعوقاته. صحيح أن هناك العديد من الأسماء المجتهدة في عطائها ومتابعتها للمشهد، ولكن ينقصها الدعم والالتفات لرؤاها النقدية، ومنجزها البحثي.