خبراء يؤكدون جدوى الاستثمار في التجارة الإلكترونية والصناعة والتأمين

وفقا لمتطلبات المرحلة الراهنة –

كتبت – رحمة الكلبانية –
لم يكن لأحد أن يتوقع أن تسير الرياح في الاتجاه المعاكس للمخططات الاقتصادية المحكمة التي وضعتها الحكومات وتطلع إليها خبراء الاقتصاد نحو العالم، إلا أن التغيرات الاقتصادية الأخيرة التي حتمها كورونا على العالم أعادت جدولة أهمية مجموعة من القطاعات الاقتصادية ودفعت بصناعات مهمة كالسياحة والسفر والتعليم إلى أسفل القائمة، بينما اكتسحت المشروعات القائمة على التقنيات الإلكترونية وصناعة الأدوية والمستلزمات الطبية الأسواق العالمية وفرضت نفسها خلال الجائحة.
واستطلعت «عمان» آراء مجموعة من الخبراء الاقتصاديين لإلقاء الضوء على أهم القطاعات المجزية اقتصاديًا خلال المرحلة الراهنة ومن أهمها: التجارة ومنصات الخدمات الإلكترونية، وقطاع الصناعة والتأمين والطاقات المتجددة، وأوصوا بالتريث قبل الاستثمار في قطاعات العقارات والسياحة والسفر والمواد الغذائية.

وقال د. محمد الوردي، خبير اقتصادي: إن الوضع الاقتصادي الذي تأثرت به السلطنة جراء تفشي فيروس كورونا، وآثار مبادرات التوازن المالي أدى إلى بروز مجموعة من الاستثمارات المجزية من أهمها التجارة الإلكترونية التي من المتوقع تواصل تطورها وتنوعها لما بعد تعافي البشرية من الجائحة. بالإضافة إلى البرامج والمنصات الإلكترونية بمختلف أشكالها وأغراضها ومنها برامج التقانة المالية التي أثبتت جاذبيتها لما توفره من سهولة في توفير الأموال ودفع الفواتير وقدرتها على التطور يومًا بعد يوم.
ويرى د. محمد أن قطاع الطاقة المتجددة، ممثلة بتركيب الألواح الشمسية في المنازل من القطاعات التي سيكون لها مردود إيجابي في الفترة الراهنة خاصة مع توجه السلطنة نحو رفع الدعم عن الكهرباء.
ومن القطاعات التي يدعو الوردي الأفراد والشركات العاملة في القطاع الخاص خلال المرحلة الحالية للاستثمار بها هي قطاع المحاسبة وذلك مع استعداد السلطنة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة خلال العام الجاري، وضريبة الدخل مستقبلا. كما يرى أن شركات التوظيف ستلعب دورًا حيويًا في قادم الوقت وذلك وفق المبادرات التي أعلنت عنها وزارة العمل مؤخرًا.
وعلى صعيد المشروعات الاستثمارية الحكومية، أوصى الوردي بالتركيز على المشروعات الاقتصادية التي تتمتع بها السلطنة بميزة تنافسية وتساهم في تعزيز الدخل وخلق فرص عمل للشباب العماني كالقطاعات التي تركز عليها الخطة الخمسية العاشرة ممثلة بالصناعات التحويلية والاستزراع السمكي والتعدين واللوجستيات.
قطاعات راكدة
يفضل خلال الفترة الحالية وحتى عام 2025 أن يبتعد المستثمرون عن قطاع العقارات، والذي يعاني من ركود في السلطنة ومنطقة الخليج منذ عام 2014 وحتى يومنا هذا، وقد أشارت إحدى الدراسات إلى وجود أكثر من 70 ألف وحدة سكنية شاغرة بمحافظة مسقط لوحدها.
ومن المتوقع أن يواصل قطاع السياحة تأثره بجائحة كورونا حتى سنوات قليلة قادمة وحتى تعافي البشرية من الفيروس بشكل تام. بالإضافة إلى قطاع الطيران الذي تأثر بطبيعة الحال بانخفاض أعداد المسافرين والقيود التي وضعتها الحكومات، الأمر الذي دفع الطيران العماني إلى تقليل أسطوله الجوي خلال السنوات القادمة للتكيف مع هذه الظروف الاستثنائية وتقليل النفقات والتغلب على الخسائر المتفاقمة.
وأضاف الوردي أنه من المستحسن في الفترة الحالية وحتى عام 2025 نتيجة للضعف الاقتصادي الابتعاد قدر الإمكان عن القطاعات المتشبعة بالمنافسة والتي من المتوقع أن تتأثر سلبًا بتطبيق مبادرات التوازن المالي والتي ستؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية كقطاعات التجزئة والورش الصغيرة والخدمات.
وألقى د. محمد الوردي الضوء على الفرص الواعدة مستقبليا وما بعد تعافي العالم من فيروس كورونا، والمتمثلة في القطاعات التكنولوجية التي تعتمد على الابتكار والإبداع، والتي من المتوقع أن تواصل مسيرتها لتكون قاطرة نمو للاقتصاد العالمي، كقطاع التجارة الإلكترونية والبرامج والمنصات الإلكترونية وبرامج التقانة المالية.
متطلبات مستقبلية
وأكد د.عبدالملك الهنائي، باحث في الاقتصاد السياسي وقضايا التنمية أن أهم القطاعات المجزية اقتصاديا للاستثمار فيها في الوقت الراهن ووفقًا لمتطلبات المستقبل هي المشروعات المتصلة بالتقانة الحديثة، لاسيما مشروعات الطاقة والبرمجيات والأدوية والصحة وصناعة قطع الغيار ومشروعات صيانة وتحديث الأجهزة والمعدات والسيارات، وذلك لتزايد الطلب عليها من جهة، ومن جهة أخرى عدم حاجة بعضها إلى رأس مال نقدي كبير بل إلى معرفة وفكر، فهي من اقتصادات المعرفة وليست مشروعات كثيفة رأس المال. وقال: إن على المستثمرين الابتعاد في الوقت الحاضر عن الاستثمار في العقار أو في المباني السياحية المكلفة. بسبب كثرة المعروض في السوق من مبانٍ سكنية ومكاتب وفنادق.
التركيز على الصناعة
ويرى محمد بن حسن العنسي رئيس لجنة تنظيم سوق العمل بغرفة تجارة وصناعة عمان أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وضع سياسات وتسهيلات واضحة ومقننة لتمكين القطاع الخاص ليكون هو المحرك الرئيس لتنفيذ رؤية عمان 2040 وللخروج من عباءة النفط والتحرر من قيوده.
وقال: إنه لن يكون هناك سوق عمل حقيقي إذا لم يكن مدعومًا باقتصاد متنوع مرتكز بصفة خاصه على الصناعات من خلال جذب الاستثمارات الصناعية وتوسيع قاعدة الإنتاج من أجل إيجاد اقتصاد متكامل قائم على الابتكار ومواكب للتغيرات المصاحبة للثورة التكنولوجية المتسارعة. بالإضافة إلى المساهمة بدعم وتعزيز الصادرات ونقل التكنولوجيا والمعرفة وفتح الأسواق لتحقيق التنويع والاستدامة المالية وتفعيل دور الموانئ.
وأضاف العنسي: يعد الكثيرون من الاقتصاديين الصناعة هي المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي والداعم الرئيس لتنويع الاقتصاد، وعلينا أن ندعم الصناعة لتحقيق إنجازات متنوعة ومعدل نمو مرتفع من خلال اعتماد خطة تقوم على دفع وتشجيع و تقديم الحوافز خاصة في الصناعات الخفيفة والمتوسطة.
وقد أشارت مجموعة من الدراسات إلى وجود قائمة من الأنشطة الصناعية التي من الممكن أن تدفع بالاقتصاد العماني بشكل كبير وتعتمد على المواد الخام المحلية و الطاقة بمعدلات متوسطه وتساهم في خلق فرص عمل، وتحمل معدلات طلب عالية من داخل وخارج السلطنة، ومن أهم تلك الأنشطة: الصناعات البتروكيميائية بصفة عامة وصناعات المواد البلاستيكية والصناعات الدوائية والطبية ومواد الأغذية بالإضافة إلي الاستزراع السمكي والصناعات الأخرى ذات العلاقة بالقطاع السمكي وغيرها من الصناعات وهي صناعات ذات احتمالية نجاح مرتفعة.
مواكبة التغيرات
ومن جانبه قال لؤي بطاينة خبير اقتصادي: إنه لا يمكن التكهن بشكل جازم بالقطاعات المجزية وغير المجيزة اقتصاديًا خلال المرحلة القادمة نظرًا للمتغيرات التي يشهدها العالم وتتأثر بها السلطنة منها تقلبات أسعار النفط، ومستجدات فيروس كورونا، عدا أنه من المتوقع أن يسهم خروج عدد كبير من الوافدين من السلطنة وإحلال وظائفهم بالعمانيين أن يرفد مجموعة من القطاعات بدخل إضافي كقطاع السيارات وقطاع التأمين وسيؤدي إلى ارتفاع الطلب على المساكن.
ولمدة تمتد لـ9 أشهر إلى عام، يرى بطاينة أن الاستثمار في قطاع التأمين سيكون مجزيًا نتيجة زيادة الإنفاق في القطاع الصحي مع تطورات فيروس كورونا، وإلزام التأمين الصحي على جميع المقيمين بالسلطنة، وفتح التأشيرات لأكثر من 103 جنسيات للدخول لعمان بشرط وجود تأمين صحي، مقابل انخفاض الحوادث وتجنب الناس لدخول المستشفيات في الوقت الراهن مما يؤدي إلى نمو الأرباح والإيرادات في هذا القطاع.
كما ينصح لؤي بطاينة بالاستثمار في قطاع الأسمنت ومواد البناء بسبب استمرار الإنفاق على المشروعات الاستثمارية والتنموية بقيمة تقدر بـ900 مليون ريال وفقًا لموازنة السلطنة لعام 2021. وقد تم الإعلان عن بناء مجموعة من المدارس وتنفيذ مرافق إضافية. وقال: بالرغم من اقتراب تطبيق ضريبة القيمة المضافة واحتمالية زيادة تكلفة البناء فإن ذلك لا يحد من النظرة الإيجابية تجاه قطاع الأسمنت.
وفي المقابل يدعو بطاينة في الفترة الحالية إلى الابتعاد عن القطاعات المالية والمصرفية نتيجة زيادة الديون المتعثرة وتأجيل وإعادة هيكلة القروض، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات الذي سيتأثر بخروج عدد كبير من الوافدين من السلطنة ودخول مشغل ثالث. وكذلك قطاع التعليم وقطاع المشروبات والمواد الغذائية إذ قد يتجه المستهلكون للتقليل من اقتنائها مع فرض ضريبة القيمة المضافة عليها في قادم الأشهر.