التحولات السكانية في العالم العربي: التداعيات والأزمات والفرص

د.صلاح أبونار –

يمثل السكان إحدى الحقائق المحددة لموازين قوتها وضعفها من جهة، والأزمات والفرص التي ستواجهها عبر مساراتها المستقبلية المحتملة من جهة أخرى. وعلى الجانب الآخر لا تمثل الحقائق السكانية فقط مدخلا أساسيا لفهم الحاضر والمستقبل، بل تمنحنا أيضا وسيلة أساسية لوعي الخبرة التاريخية والقوى التي أسهمت في تشكيل منعطفاتها الأساسية. ولكن الحقائق السكانية مثل كل حقائق الوجود الاجتماعي، لا تمنحنا دلالاتها الكاشفة في حدودها الحقيقية، إلا عبر نمط علاقاتها الخاص بسياقها التاريخي.

شكل التنوع الإثني في المشرق العربي مصدرا لأزمات عصفت بهياكل الدولة والمجتمع، ولكن نفس التنوع الإثني في الولايات المتحدة يشكل حاليا مصدرا للقوة والتمايز. والفارق سنجده في نمط الإدارة السياسية للتنوع، ومدى انفتاح الفرص الاجتماعية أمام مكوناته. ويقودنا هذا إلى طرح الأسئلة التالية: كيف تبدو الحقائق السكانية في المنطقة العربية؟ وما الأزمات الممكنة التي تحملها معها؟
على امتداد الفترة 1970 – 2020 شهد العالم العربي طفرة سكانية، ارتفع فيها سكانه من 123,5 إلى 438,899 مليون، وارتفعت نسبته من إجمالي سكان العالم من 3,3% إلى 5,6%. وتحقق هذا رغم تباطؤ معدل النمو السنوي، ففي الفترة من 1970 إلى 2000 قدر متوسط معدل النمو السنوي العربي بحوالي 2,81%، ثم هبط خلال الفترة 2000 – 2015 إلى 2,28%. ومع ذلك يظل هذا المعدل أحد أسرع معدلات النمو في العالم ويتجاوز المتوسط العالمي. ففي الفترة الأولى شكل أكثر من ضعف متوسط النمو العالمي الذي وصل إلى 1,7%، وفي الفترة الثانية أقل قليلا من ضعفه حيث هبط إلى 1,23%. ومن المتوقع أن يواصل السكان العرب نموهم. بحلول 2030 سيصلون إلى 520,776 مليونا، وبحلول 2050 سيقفزون إلى 676,350 مليونا.
تحققت تلك الطفرة السكانية العربية في إطار ما يدعوه علماء الدراسات السكانية بالانتقال الديموجرافي، ويقصدون به عملية الانتقال التاريخي من نمط البنية السكانية القديمة التي سيطرت لألاف السنين، إلى البنية السكانية الحديثة الراهنة. وفي هذا السياق يبنون نموذجا لتحليل البنية السكانية، يتكون من عدة معدلات أهمها معدلات النمو السكاني والخصوبة ووفيات الرضع والأطفال والوفيات العام وطول الحياة المتوقع، ومعها مفاهيم الهرم السكاني والفئات العمرية. ويتم تركيب تلك العوامل في إطار نموذجين أساسيين تقليدي وحديث، مع ملاحظة أن هذا التقسيم لا يزال مفتوحا لكي يشمل نماذج ثالثة ورابعة حديثة، ولكن تلك النماذج الأخرى الحديثة يدور منطق تكوينها على نفس الأرضية العامة للنموذج الثاني.
وفقا للنموذج التقليدي العربي سيطرت معدلات خصوبة ووفيات رضع عالية، وكان متوسط سنوات الحياة المتوقع لحظة الميلاد منخفض ونسبة الوفيات العامة عالية، وكانت الحصيلة انخفاض معدل النمو السكاني ومعه عدد السكان الإجمالي. ولكن مع انطلاقة ستينات القرن الماضي تصاعد فعل عوامل الانتقال الديموجرافي ، لكي تقوم على مدى نصف قرن بتجذير البنية السكانية الحديثة على امتداد العالم العربي بدرجات متفاوتة. كانت الخمسينات هي عقد الاستقلال السياسي، ولكن الستينات أطلقت التحولات العربية الكبرى والمتواصلة التي قلبت معها مكونات البنية السكانية. وهكذا انطلقت مسيرة التحضر والتصنيع ومعهما انحسار الهياكل الريفية، وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية العامة، وسياسات الرفاه الاجتماعي ، وتأسست هياكل دولة حديثة ووظيفية ومعها مفهوم المواطنة، وانطلقت تحولات ثقافية علمانية المنحى حملت معها مفاهيم الحداثة الاجتماعية، وتكونت هياكل اجتماعية جديدة تغير معها نمط الأسرة ووضع المرأة وترتيبيات السلطة الأبوية. وفي هذا السياق تقدمت وهيمنت مكونات البنية السكانية الحديثة. أوائل السبعينيات تراوحت معدلات الخصوبة في 19 الدول العربية ما بين 5,74 و8,7 لكل امرأة، وانخفضت خلال العقد الأول من القرن الجديد إلى ما بين 1,6 و5 . وفي 1970 كان متوسط معدل الخصوبة العربي 6,9 مقابل متوسط عالمي 4,7، ولكن في 2020 انخفض المتوسط العربي إلى 3,2 مقابل 2,5 للمتوسط العالمي. وفيما بين 1970 2018 انخفض معدل المواليد من 4,48% إلى 2,51%، ومعدل الوفيات من 1,56% إلى 0,54 %. وفى عام 1970 كان متوسط سنوات الحياة المتوقعة 52,5 سنة مقابل 56,3 للمتوسط العالمي، وارتفع في 2015 إلى 71 عاما مقابل 71,4 للمتوسط العالمي. وتبعا لذاك تكون هرم سكاني جديد. فيما بين 1970 – 2020 انخفضت نسبة الفئة حتى 14 سنة من 44,9% إلى 32,6% ، وفئة 15 -24 سنة من 18,3 %إلى 17 %. وفى المقابل ارتفعت فئة 25 – 59 سنة من 31,1% إلى 43 %، وفئة 60 سنة فأعلى من 5,7% إلى 7,4 %. والخلاصة تكون هرم سكاني أكثر ديناميكية وإنتاجية، فلقد انخفضت نسبة الفئة الأولى غير المنتجة 12,3% وارتفعت نسبة الفئة الثالثة المنتجة 12,2%، بينما اقتصر ارتفاع فئة الكهول على1,7% .
ومثل كل عمليات الانتقال الاجتماعية، يواجه الانتقال الديموغرافي العربي تناقضات حادة، تحمل معها تحديات يتعين مواجهتها. فهو يواجه – أولا – تحدي ضغط قوة العمل على الفرص الاقتصادية. من شأن الارتفاع المطرد في عدد السكان، مقرونا بتغيرات محددة في هيكل الجماعات العمرية، أن يخلق ما يدعوه الديموجرافيون «طفرة الشباب». تظهر الطفرة مع تراجع معدلات وفيات الرضع واستمرار معدلات الخصوبة على ما هي علية لفترة، وبالتالي تحدث قفزة في عدد المواليد تستمر لفترة تسفر في النهاية عن تغير نوعي في هيكل الجماعات العمرية، وتؤدي إلى اتساع استثنائي في عرض قوة العمل. ووفقا للأمم المتحدة يجب أن يتسم الهيكل الاجتماعي الجديد بسمات محددة حتى تتوفر فيه «طفرة الشباب»، وهي أن تقل نسبة الفئة دون 15 سنة عن 30% من السكان، وألا تزيد نسبة السكان فوق 65 سنة عن 15%. وهو ما يعني تآكل قاعدة الهرم السكاني غير العاملة ومحدودية قمته الكهلة، مع اتساع في الفئتين الأخريتين المشكلتين لعرض قوة العمل لتصبح نصف السكان. ويخبرنا تحليلنا السابق لتحولات الهيكل السكاني أن هذا هو الوضع العربي، لكن هذا التحليل يتناول المتوسط العام للفروق الوطنية، ولا ينطبق على كل الدول. ووفقا لدراسات الأمم المتحدة تحمل 9 بلدان عربية حاليا سمات هذا الهيكل، وهناك بلدان عربية أخرى مرت بتلك الطفرة وتخطتها، وثالثة ستدخلها في العقود المقبلة. ويخبرنا الديموجرافيون أن طفرة الشياب تحمل ما يدعونه الهبة الديموغرافية، أي عرض غزير لقوة عمل شابة ومتعلمة ومتجددة وقادرة على الاندماج في مشروعات تنموية. ولكنهم يضيفون أن تلك القوة إن لم تجد عرض العمل والتواصل السياسي، سوف تصبح قابلة للتحول إلى قنبلة ديموجرافية تخلق اضطرابات اجتماعية واسعة، الأمر الذي يعني ضرورة الاستعداد لها. ويستطردون أن مؤشرات تحول الطفرة إلى هبة أو قنبلة، يمكن استكشاف مدى وجودها داخل معدلات البطالة أو الهجرة او مؤشرات استطلاع الرغبة في الهجرة.
وهو يواجه – ثانيا – مشكلة الضغط على الموارد الطبيعية. ويظهر تأثير ضغط النمو السكاني على أغلب الموارد، ولكنه يظهر كأقوى ما يكون في المياه والنفط. وتبدو مؤشرات مشكلة المياه في متوسط نصيب الفرد العربي من المياه سنويا. يصل هذا المتوسط إلى 575 مترا مكعبا سنويا، وهو أقل كثيرا من خط الفقر المائي العالمي الذي يصل إلى 1000 متر مكعب، وأعلى قليلا من خط الفقر المائي المدقع إلى يصل إلى 500 متر مكعب سنويا. ونشأت تلك الأزمة نتيجة ضغط النمو السكاني، بما حمله معه من تحضر سريع وغياب كفاءة استخدام المياه في الزراعة، والاستهلاك المنزلي غير الرشيد. وحدث هذا في مواجهة انخفاض مستوى التساقط المطري، واستنزاف المياه الجوفية، وضعف تدوير المياه العادمة، وتراجع عائد الأنهار الدولية. وخلال العشرين سنة الأخيرة سجل النفط معدل نمو للاحتياطي المؤكد 0,7 % سنويا بينما كان معدل النمو العالمي 1,6% ، وخلال الفترة 2000- 2018 لم يتجاوز معدل نمو احتياطي الغاز المؤكد 1,3% سنويا وكان المعدل العالمي 2%. حدث هذا بينما كان معدل النمو السكاني العربي في نفس الفترة 2,3%، وارتفع معدل استهلاك الطاقة الأولى من 408 كج مكافئ نفط لكل فرد عام 1970 إلى 1964 عام 2015 ، بينما تطور المعدل العالمي من 1337 إلى 1924 كج مكافئ نفط خلال الفترة ذاتها.
وهو يواجه – ثالثا – أزمة استدامة المدن العربية. شهدت المدن العربية مع التوسع السكاني العام المطرد نموا كثيفا في السكان والمساحة والمرافق. وفي 1960 كانت المدن العربية تأوي 31,2% من السكان، وفي 2019 أصبحت تأوي 59,2%، بينما سجل معدل النمو السكاني العربي العام انخفاضا من 5% إلى 2,4%. وشكل هذا ضغطا هائلا على الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية، وفاقم الأمر النمو العشوائي المصاحب للمناطق الصناعية. ورغم الجهود المبذولة لاستدامة المدن العربية، أي للحفاظ على مواردها وحماية بيئاتها، لم تحقق نجاحا يذكر. حسب مؤشر أركاديز للمدن الأكثر استدامة في العالم ، غابت المدن العربية عن لائحة المدن الأكثر استدامة، مع أن مؤشر 2015 احتوى 5 مدن عربية احتلت مراكز جيدة. وفى إطار مؤشر المدن المتحركة 2018، الذي يقيس استدامة المدن لجودة حياة الأفراد، لن نجد سوى 11 مدينة عربية في مؤخرة لائحة تضم 174 مدينة عالمية.