محاربة نظريات المؤامرة

باتريك شرودر – شاتام هاوس ترجمة قاسم مكي –

كانت محاولة التمرد في مبنى الكابيتول قبل شهر نقطة تحول حاسمة نقلت نظريات المؤامرة من الهامش إلى مركز السياسة.
الأحداث السياسية خلال الأعوام الأخيرة وتحديدا في الفترة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أوجدت ما يسمى «سياسة ما بعد الحقيقة» التي تتَّسم بعدم وجود اتفاق حول طبيعة الحقيقة.
في نظر أتباع نظريات المؤامرة «لا شيء يظهر على حقيقته». ولذلك يؤمنون بالحقائق «البديلة» التي أسهمت في تشكل نسبية جديدة في المجتمع المعاصر. وهي نسبية تنطوي على نتائج مهمة للقضايا السياسية الوطنية والدولية تمتد من التغير المناخي وبرامج التطعيم إلى الانتخابات الديموقراطية والعلاقات الدبلوماسية بين البلدان.
في الواقع لقد عزّز نزعُ الشرعية عن نظريات المؤامرة من ظهورها في المشهد العام. وبعد الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة لم يعد يكفي فقط صرف النظر عنها. بل بدلا عن ذلك يجب الاعتراف بها كقوة سياسية من الممكن أن تترتب عنها عواقب قاسية في بيئات سياسية غير مستقرة سلفا.
التصدي للمخاطر التي تشكلها نظريات المؤامرة يتطلب أولا الإقرار بوجود «حقائق عميقة». توضح لنا فيزياء الكوانتم إمكانية وجود أنواع مختلفة ومتناقضة من الواقع جنبا إلى جنب. أحد الأمثلة لذلك نظرية التكاملية فيما يتعلق بازدواجية الجُسيم- الموجة، حيث الضوء جسيم ولكنه أيضا موجة.
عالم الفيزياء نيلز بور الذي ابتدع نظرية التكاملية صاغ أيضا مفهوم الحقيقة العميقة. في العادة عكس الحقيقة هو زيفها . ومثل هذا (الزيف) بسيط بما يكفي لدحضه عبر الوقائع. مثلا عدد الناس الذين حضروا تنصيب الرئيس الأمريكي هذا العام.
في المقابل استيعاب الحقائق العميقة أكثر صعوبة، على سبيل المثال فهم طبيعة المادة. وهذا المبدأ لديه تمظهرات (تجلِّيات) تتجاوز العلم إذا طبق في ميدان السياسة. وفي حين أن الأخبار الزائفة هي ببساطة زائفة إلا أن نظريات المؤامرة ظاهرة أكثر تعقيدا . فمقدماتها (مسلَّماتها) متخيلة أساسا لكنها حقيقية. بمعنى أن عددا كبيرا من الناس يؤمنون بها . وهذا الإيمان تترتب عنه أشياء محسوسة في العالم الحقيقي.
بالإضافة إلى ذلك، هي أيضا حقيقية بمعنى أن السلوك التآمري في السياسة يحدث حقا وكثيرا ما يتيح أرضا خصبة لظهور سرديات خطرة. ماذا يعني هذا للتعامل مع تحديات «سياسة ما بعد الحقيقة» في القرن الحادي والعشرين؟
الارتياب الشديد في المؤسسة السياسية أحد المواقف المفتاحية لدي معظم أنصار نظرية المؤامرة. وهو يشكل أساس نظرية «الدولة العميقة» التي فحواها الاعتقاد بأن جماعة من الناس (مثلا مسؤولين حكوميين متنفذين أو نُخَب أخرى) تسيطر سرا على سياسة الحكومة.
هذا الاعتقاد، في الواقع، عنصر مركزي في حركة «كيو آنون» التي شارك أتباعها في تمرد مبني الكونجرس الأمريكي في يناير 2021.
التداعيات التي تنجم عن هذا الاعتقاد، وما يعقبه من رسائل سياسية تتولى تغذيته، تذهب في الغالب إلى أبعد من الغرض المقصود. مثلا قادت حملات التضليل الإعلامي في أثناء استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة عام 2016 إلى ظهور عدد من نظريات المؤامرة الإسلاموفوبيَّة (المتحاملة على الإسلام) حول هجرة المسلمين إلى أوروبا.
إلى ذلك، في عام 2020 نشرت الحكومة الصينية معلومات مضللة لصرف الأنظار عن مصدر تفشي فيروس كورونا. قاد ذلك إلى ظهور نظريات مؤامرة عديدة من بينها مزاعم بمحاولات شن حرب بيولوجية أكدت عليها حكومتا الصين والولايات المتحدة، كلُّ منها ضد الأخرى، على الرغم من أن فيروس سارس كورونا- 2 لم يكن معروفا لعلماء الفيروسات قبل ظهوره في ديسمبر عام 2019.
في الواقع أثناء الحرب على الإرهاب ظهر نطاق عريض من نظريات المؤامرة التي تأثرت بقرارات السياسة الخارجية الأمريكية مثلما حدث عند السعي للقبض على أسامة بن لادن. فقد تم إعداد برنامج زائف للتحصين من شلل الأطفال في باكستان عام 2012 في عهد إدارة أوباما بغرض الحصول على عينات من الجينات الوراثية لعائلته.
أدى هذا التصرف إلى ارتياب واسع النطاق في لقاح شلل الأطفال لم يقتصر فقط على تقويض جهود المنظمات الدولية للقضاء على شلل الأطفال في باكستان ولكنه أيضا ساهم جزئيا في ظهور نظريات المؤامرة ضد لقاحات فيروس كورونا هناك اليوم.
يفتقد واضعو السياسات في الوقت الحالي إلى فهم كاف للكيفية التي تتشكل بها نظريات المؤامرة ومدى أهميتها لأولئك الذين يؤمنون بها وبالتالي ماهية الأثر الذي يمكن أن تخلفه على الاستقرار السياسي محليا ودوليا.
في سياق أزمة كورونا القائمة وطرح برامج اللقاحات هنالك حاجة ملحة لمواجهة نظريات المؤامرة المضللة ضد عمليات التطعيم لضمان حماية الصحة العامة في العالم. وفي الحقيقة تمثِّل مراقبة نشاط أصحاب نظريات المؤامرة على الإنترنت، كما تفعل الحكومة البريطانية حاليا في مواجهة تنامي حركة معادية للقاحات، خطوة مهمة في الإقرار بالأثر المحتمل لهذه النظريات.
لكن لا يمكن تحقيق ذلك بالاقتصار على تشديد القبضة على المحتوى الرقمي. فهنالك أيضا ضرورة النظر في الجذور وفهم سبب ازدياد إيمان الناس بمثل هذه السرديات.
لذلك يجب أن تتسم إعادة بناء الثقة في المؤسسات العمومية وتقوية التماسك المجتمعي بأهمية عظمى للحكومات الوطنية كي تمضي قدما إلى الأمام. وفي الواقع يمكن تعلم دروس مهمة حول تعزيز الثقة في المؤسسات العلمية من «مجتمع» التغير المناخي. فقد تعامل مع «نظريات مؤامرة» التغير المناخي التي غذَّت «إنكار وجوده» لعقود عديدة.
التعاون الدولي المرتكز على الثقة المتبادلة والالتزام تجاه عالم مسالم مهم بالقدر نفسه في ضمان عدم تحويل نظريات المؤامرة إلى سلاح على المستوى الوطني من أجل تسويقها ضد بلدان أخرى على المسرح الدولي.
في الواقع كل الحكومات الوطنية لديها مصلحة مشتركة في مكافحة «حركات نظرية المؤامرة» التي تعزز نظرةً للعالم تنكر العلم في وقت أحوج ما يكون الناس فيه للعلم.
في النهاية، محاولة التغلب على مخاطر نظريات المؤامرة تتطلب معالجة الظروف الاجتماعية التي ترتكز عليها وتمكِّنها من الازدهار (من لا مساواة اقتصادية واجتماعية متزايدة إلى أزمة صحة عقلية تتشكَّل).
لذلك سيكون العمل الاستباقي والمنسَّق من جانب الحكومات الوطنية ووسائل الإعلام والمجتمع العلمي مطلوبا أكثر من أي وقت مضى في الشهور والسنوات القادمة إذا وَجَبَ علينا التصدي، مرة واحدة وإلى الأبد، للمخاطر المؤذية التي تنطوي عليها نظريات المؤامرة.
* الكاتب زميل أول بمركز شاتام هاوس