طواف على نزوى .. السوق والجامع والقلعة مثلث يرتكز عليه تاريخ نزوى في ماضيها وحاضرها ومستقبلها

مشاهدات كتبها: عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

الذاكرة لا تسعفني لتذكر أول مرة رأيت فيها نزوى، لكنها حتمًا وأنا صغير ممسك خنصر أبي يقودني خلفه، مشدوها بمنظر غافة عظيمة تحلّق حولها أناس بثياب زاهية ولحى منسدلة وخناجر غافية على جنبات رجال عركتهم الحرب وأضناهم المسير.
أتخلف عن خنصر أبي وأقف رافعا رأسي للسماء حيث منارة الجامع تطاول الشمس علوا فلأول مرة أرى ارتفاعا شاهقا بهذا الحجم، ألج حيث ولج أبي إلى السوق المظلم أو كما كان يسميه أهل ذلك الزمان «سوق الصنصرة» أو سوق الظلام حيث خيوط الضوء المتقاطعة بالكاد تكفي لإنارة السوق من الداخل.
الشهباء والجامع والسوق ثلاثية نزوى الشهيرة وإن اجتهدنا في تسميتها طبقًا لرواية المعماريين فهي «مركز مدينة نزوى» وقلبها النابض بالحياة، فمثلثها يرتكز على الدين والتراث والاقتصاد وهو ما يمثل عماد كل المدن العمانية والعالمية القائمة على هذه الفلسفة.
فلسفة العمارة الحضرية القديمة في القرى العمانية ترتكز على توافر كل متطلبات الحياة اليومية الضرورية في مربع واحد صغير تبدأ من الفلج والجامع والسوق والحارة والحصن أو القلعة كلها مترابطة مع بعضها البعض في عمران بديع متجانس بتنا نقتده في هذه الأيام الحديثة.

الثلاثية هي الوجه الظاهر لنزوى وهو ما يعرفه كل من زارها وجال بين جنباتها، لكن ما تخفيه هذه المضلعات الثلاثة هو بيت القصيد في حديثنا هذا، فهنالك وجه آخر أجمل وأرق وألطف وينساب عذوبة وألقا، هو وجه حارات نزوى المتراصة بيوتها؛ المتقاربة سكيكها؛ العالية أبراجها؛ الشاهقة أسوارها؛ المنسابة أفلاجها؛ الباسقة نخيلها؛ الشاهدة آثارها؛ المترابطة دروبها؛ المتآلف إنسانها والمترابط تقاليدها وعاداتها.

«الرحلة ابتدأت من سوق نزوى التقليدي وانتهت تحت أسوار وبيوتات حارة العقر»

لاكتشاف هذا الكنز المدفون كان لا بد لنا من السفر عبر الزمن والتجول في تلك الأزمنة والحقب عبر تاريخ عمان وتاريخ نزوى على وجه الخصوص حين مر التاريخ على هذه الحارات منذ القرن الأول الميلادي وحتى قرننا الحالي حيث لا يزال إنسان نزوى يقطن في ناحية من نواحي بيوت الطين تلك.
جولة بسيارة كهربائية كلاسيكية أشبه بسيارات الزمن الماضي وبصحبة مرشد ترددت صرخات ميلاده بين جدران حارات نزوى القديمة فحفظ كل ما فيها عن ظهر قلب وتقصى من آبائه وأجداده عما لا يعرفه من تاريخ حارات العقر وسعال والمدبغة، ارتقى الأسوار العالية ومشى سكك ودروب الحارة الضيقة وتسبح في أفلاج دارس وأبو ذؤابة وصلّى في كل مساجدها ابتداء من أحدث مساجدها المسجد الجامع مرورا بمسجد الفرض وانتهاء بأقدم مساجد نزوى مسجد الشواذنة ثاني أقدم مسجد في السلطنة بني في العام السابع الهجري ويمتاز بمحرابه ذي النقوش الهندسية البديعة ومسجد المزارعة الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري.
أحمد الصباحي أمضى زهرة شبابه متجولا بين حارات نزوى وبيوتاتها القديمة راجلا كان أو ممتطيا دراجته الهوائية صغيرًا ولاحقا دراجته النارية الصغيرة «الهوندا» وسيلة النقل الشعبية في نزوى والتي لا يخلو بيت من بيوتات نزوى من واحدة منها سواء للصغار أو كبار السن لينقلك هذا المشهد إلى عواصم عالمية كما في بانكوك وجاكرتا أو مانيلا حيث الدراجة النارية هي وسيلة النقل الشعبية، وهو إلى اليوم -أي أحمد- لا يزال مواظبا على عادته تلك ولكن بطريقة أخرى فهو يعمل مرشدا سياحيا مرخصا من وزارة التراث والسياحة عبر سيارته الكهربائية الحديثة التي قام بالاشتغال عليها لتناسب حارات نزوى القديمة الضيقة.

«لحارة العقر أربعة صباحات الشجبي والصبخة والسوق وأبو المؤثر»
تبدأ الرحلة من قبالة سوق نزوى التقليدي الفائز بجائزة العمارة العربية في عام 1992 حينها كان هذا السوق أيقونة في العمارة الحديثة الممتزجة بالتراث العماني خصص كل ركن من أركانه الأربعة للأسواق المتخصصة فبدءًا من سوق الحرفيين على يمين القادم للسوق تتوزع محلات الفخار وصياغة الخناجر والسيوف وسباكة الفضة للحلي النسائية يليها سوق مختص للخضروات والفواكه القادمة من مزارع نزوى وسفوح جبالها وجبال القرى المجاورة لها حيث يزدهر هذا السوق أوقات جني مواسم الفواكه الجبلية التي تأتي من قمم وسفوح الجبل الأخضر كالرمان والمشمش والبوت وغيرها من الفواكه الموسمية، كما خصص ركن في هذا السوق لبيع الأسماك الطازجة المحملة من بحار عمان المختلفة وبه أيضا ركن للعرصة تباع فيه الأغنام والأبقار بطريقة المناداة التقليدية وهو مكان مفضل للسائح الأجنبي يستطيع فيه الوقوف عن قرب على بساطة حياة العماني في تعاملاته اليومية وفي بيعه وشرائه.
الطواف على نزوى يبدأ من المرور على نصب الثقافة العربية حينما اختارت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الايسسكو) نزوى لتكون عاصمة للثقافة العربية في عام 2015، تطوف على النصب فتتوالى عليك صور العلماء والمؤرخين والأدباء والكتاب ممن خلّدوا تاريخ هذه المدينة منذ كانت عاصمة إدارية سياسية لعمان في عام 794 ميلادية، تطوف عليك صور أئمة عمان وعلمائها كالعلامة نور الدين السالمي والإمام سالم بن راشد الخروصي والصلت بن مالك الخروصي وعامر بن خميس المالكي وأبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي والشيخ ناصر بن خميس الحمراشدي وغيرهم الكثير، ممن حفرت أسماؤهم في سجل نزوى التاريخي مثلما حفرت جدران حارة العقر تاريخ نزوى كلها.
السيارة تخترق صباحات العقر الأربعة (الشجبي والصبخة والسوق وأبو المؤثر) المنبثقة من سورها المنيع الذي يصل طوله إلى أكثر من مائتي متر يطوّق الحارة بأكملها كما تطوّق اليد المعصم ليحميها من غارات الأعداء وينشر الأمن والطمأنينة داخل بيوتات الحارة التي يزيد عددها على الألف بيت عصفت بمعظمها رياح الزمان فأفقدتها عنفوانها الذي كانته من قبل.
وكأنني أتمشى بين حارات دمشق القديمة أو سككك فاس ومراكش المغربيتين أو بيوتات تونس العتيقة أو أتحسس أسوار القلعة وخان الخليلي في مصر وأسافر إلى الأندلس مجد العرب البائد لأقف على تاريخ عمارتهم الإسلامية القديمة في المباني والبيوت الأثرية في قرطبة وطليطلة وإشبيلية أو أناظر امتداد الأثر الإنساني في حارات وارسو وبراج، لأنتبه إلى أنني ما زلت في عقر نزوى التي أبى بعض من شبابها إلا أن يعيد لهذه البيوت ألقها ورونقها وصفائها وتعود آلة الزمن للوراء حين كانت تلك الحارة مزدحمة بالأنفس اللاهثة وراء الحياة ولتعيد معها بعضا من نظارة تلك البيوت والأسوار والصباحات الجميلة ولتدب الحياة من جديد ويسري الدم في أزقة وسكك الحارة القديمة بين كهل عماني يتذكر صباه بين جدران الطين وشاب يتلمس خطى تاريخ آبائه وأجداده وسائح أجنبي منبهر بروعة البناء وفن العمارة وباحث وجد ضالته ليخط في دفتره حكايات أثر قديم من آثار الأولين.
وقفنا على مشروعات لنزل وبيوت تراثية تمت إعادة تأهيلها وفق قواعد الترميم الأثري الصحيح، مشروعات أهلية أعادت ترميم بيوت تحولت إلى مقاه ومطاعم عصرية حديثة ومحلات لبيع الكثير من المنتجات العمانية التراثية وغيرها، ومشروعات قادمة تتنظر النور كي تخرج للعلن، كما أخبرنا مرشدنا أحمد الصباحي من أن الطواف حول نزوى بسيارته الكلاسيكية أوشك على الانتهاء وأن الرحلة لا بد لها من الانتهاء كي تبقى ذكراها قابعة في عمق الذاكرة.