نوافذ: قبل 34 عاما

محمد بن سيف الرحبي

أؤمن، ضمن أشياء لا تحصى، بالصدف، وبمفاجآت الحياة، وقدرتها على وضع الفرح في طريقنا أكثر من أي شيء آخر، كمتفائل دومًا، رغم أنني في غالب الأحيان أقف في منطقة «التشاؤل»، حيث هي منزلة بين منزلتين.
ماذا يعني أن أضع حروفي من جديد في هذه الزاوية؟ وفي هذا اليوم على وجه التحديد؟! آيبًا إلى «أول منزل» ألفته، وحنيني إليه لم ينقطع.
في «جريدة عمان»، بيتي الصحفي الأول، عشت 21 عامًا، بكل ما في هذه السنوات من تفاصيل لا تحصى، كتبت خلالها آلاف المقالات، عدا التغطيات الصحفية والحوارات والتحقيقات، متنقلًا في الكتابة من صفحتها الأولى إلى الأخيرة، وبين أقسامها الفنية والتحريرية مستكشفًا في كل «تنقّل» روحًا جديدة تعلمني المزيد.
هكذا شاءت الصدف أن أعود للكتابة فيها بعد نحو 13 عامًا من الاغتراب عنها..
والصدفة الأجمل أنها في يوم 22 فبراير، ومن هنا بدأت الحكاية، والقدر الذي قادني بأجمل مفاجآت الحياة إلى الحياة الصحفية، ولم أكن أظن أنها أكثر من وظيفة تشبه غيرها مما يمكنها أن تضع تحت جناحها «خريج ثانوية عامة» يبدأ كغيره رحلة «الموظف» المتعاقبة على ظهره سنين، إلى أن يحين موعد تقاعده، أو تقاعده الحياة رغمًا عنه.
في مثل هذا اليوم، عام 1987، أي ما قبل 34 عاما، دخلت مبنى «دار جريدة عمان» في روي، موظفا متدربا، كما نص عليه العقد، لمدة ستة أشهر، العقد الذي وقّعه مدير عام الدار ورئيس تحرير الجريدة الأستاذ حمد بن محمد الراشدي، وبدأنا ما يقارب الـ30 شابًا عمانيًا مرحلة التعمين، متوزعين على أقسام المطابع، ليكون نصيبي منها «فنّي مونتاج»..
في مثل هذا اليوم استلمت «عدّة الشغل»، وهي مسطرة ومثلث ومشرط ومقص وأقلام لرسم الخطوط، وبدأت خطوات الرحلة التي لم تنقطع حتى يومي هذا..
والمصادفة الأخرى هي أنني، وفي مرحلة تالية، كنت ضمن مجموعة أسماء نكتب في صفحة رسائل القراء عمود «نوافذ» المخصص للصحفيين من داخل الجريدة، قبل أن يؤذن لهم بفتح عمود في الصفحة الأخيرة، فقد كانت أعمدة الرأي من «الكبائر» التي نهت «الإعلام» عنها، لكنها كانت مرحلة مفصلية فتحت آفاقًا جديدة أمام الأقلام العمانية، تزامن ذلك مع حالة من الفوران الإبداعي أدبيًا، ظهور جيل من كتّاب القصة القصيرة، وتأسيس جماعة الخليل في جامعة السلطان قابوس والتي بدأت أيضًا بضخّ مخرجاتها إلى سائر مفاصل المسيرة التنموية في البلاد، ومن بينها: الإعلام.
ويبدو أن الحديث عن ذلك له محفّزات ستستمر حينًا.. من الكتابة، فعلى موعد كل «إثنين».. هنا.