فهد العويسي: لا أتفق مع من يريد الأدب ذاتيا أنانيا هدفه المتعة المجردة

الشاعر الأقرب لنفسي فهو الكبير أبو مسلم البهلاني

حوار: ماجد الندابي

مهندس امتزجت روحه بالشعر، يكتب قصيدته الموزونة المقفاة المعجونة بالصور الحديثة والأخيلة المبتكرة، نال شرف الوقوف أمام السلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ عند زيارته للجامعة عام 2010 م ليلقي أمامه قصيدة عصماء ابتدأها بقوله “أشرقتَ فالعينُ من لقياكَ تكتحلُ”، فنالت استحسان الحضور، انه الشاعر فهد بن سالم العويسي، احد ثمار جماعة الخليل للأدب ـ حسب وصفه ـ في هذا الحوار استذكرنا معه تلك اللحظات المشرقة، وعلاقة الشعر بالهندسة، وسبب كتابته للقصيدة، وحكاياته الطريفة مع الشعر..

ـ كنت أحد الأعضاء البارزين في جماعة الخليل للأدب أثناء دراستك في جامعة السلطان قابوس، فما الذي أضافته هذه الجماعة إلى الشاعر فهد العويسي فنيا وفكرا؟

نعم ، دعني أقول إنه لو كانت جماعة الخليل شجرة فأنا أحد ثمارها ، فقد احتضنتنا هذه الجماعة الأدبية وربطتنا بعالم الأدب وعرفتنا بالفعاليات الثقافية في الجامعة وخارجها ، وبالأسماء الشعرية وحضورها الأدبي وتنوعها على اختلاف مشاربها وأذواقها وأفكارها. فمن خلال اللقاءات الأسبوعية التي جمعتنا على مائدة الأدب ، قديمة ، وجديدة ، وجدالاته ، وتياراته ، وكتبه ، وفنونه …إلخ ، هذا الحراك الأدبي هو الذي قدح في وجداننا الرغبة للكتابة أو لنقل مغامرة الكتابة أو قل محاولات التحليق في سماء القصيدة. كما تعلمنا كيف نقف على المنابر وكيف نلقي القصائد وعرفتنا بنقاط ضعفنا وأسباب تقدم غيرنا في الأدب الأمر الذي دفعنا دفعا للقراءة والكتابة في محاولة للحاق بالسابقين في هذا المضمار الطويل المزدحم. أما من الناحية الفكرية فبلا شك أن الحركة الأدبية تموج في أعطافها تيارات فكرية متنازعة وقد تكون متناقضة أحيانا لذلك لابد للأديب في بداية مسيرته أن يحدد وجهته بدقة ليصرف جهده في جهة يتقنها ويقتنع بها ويخلص لها بقية عمره، ومعظم الأفكار في ذلك الوقت كانت مما يعيننا على بناء الملكة الشعرية وتوسعة المدارك الأدبية والتعرف على ما وراء الأشكال الأدبية تاريخيا وفكريا من حيثيات، ويفتح لنا باب القراءة ويعرفنا ببساتينها الوارفة، ولا أخفيك بأن بعض الأفكار كانت محل ريبة بالنسبة لي إلا أنه وبسبب الاندفاع ومسايرة رفاق الأدب ما كنت أقف لأتفحصها بدقة حتى تخرجت من الجامعة ، عندها وبقليل من التأني اتضح لي ضعف بعض الأفكار وتهافتها على سبيل المثال ما يتعلق بجدلية الفن والأخلاق وانعكاسات “الحداثة الفكرية” على الأدب وغيرها.

ـ سئل الكثير من الأدباء عن سبب كتابتهم، أو لماذا يكتبون؟ فأجاب ماركيز بأنه يكتب لكي يقرأ له أصدقاؤه، وأجاب آخرون بإجابات مختلفة؟ ونحن نسألك لماذا تكتب الشعر؟

ربما يكون هذا السؤال على بساطته أصعب سؤال! ، أكتب أولا لأنني وجدت حب الشعر أمرا كامنا في نفسي يستهويني بيانه العالي وأفقه الفسيح وظله الوريف وقدرته على اختراق العصور والوصول إلينا محتفظا بقوة التأثير وعمق المعنى وحرارة العاطفة، ثانيا لإيماني بأن للشعر روحا ورسالة ، روح من روح الشاعر ووهج من قنديل روحه ، ورسالة تطوف حولها القلوب وتستضيء بها الأرواح في ظلمات الحياة … لا اتفق مع من يريد الأدب ذاتيا أنانيا هدفه المتعة المجردة الجوفاء كالذي يملأ كأس القصيدة من ظلمات نفسه بحيث لا تتخطاها لتنير روح غيره أو تحرض المتلقي على تحسس الجمال وملامسة المعاني بقلبه، ولا تقوى على هز غصن مشاعر المتلقي ، بحجة أنه يكتب لنفسه وأن النص ذاتي وغيرها من التبريرات.

ـ بالنسبة إلى الشكل الشعري.. أغلب قصائدك في القالب العمودي المقفى الحديث، لماذا اخترت الكتابة في هذا الشكل الشعري، وهل ستكتب قصيدة النثر مستقبلا؟

يمكنني القول الآن وبعد جدل مع نفسي وغيري حول هذه القضية ، إنني لا أريد أن ألغي بقية الأشكال الشعرية الحديثة فلها أصحابها ، باعتبار أن الشعر غير الشكل ، ولكن بشرط أن لا يصل الأمر إلى العبث بثوابت وأصول الذائقة العربية الأصيلة في الشعر ، فالشكل ركيزة أساسية في ميزان الشعر العربي الأصيل لكنها ليست هي روح الشعر إذا لا يكفي أن يكون الكلام موزونا مقفى ليعمل عمل الشعر في النفس ، فهناك بعدٌ خفي يتحرك داخل المعنى ، والمعنى هو الروح في القصيدة لكن الحصول على هذا المعنى لا ينبغي أن يكون بهدم الجسد وهو الشكل. الروح العربية الشاعرة نافورة روحية والقصيدة العمودية إطار يستوعبها ويضفي عليها تمييزا فريدا وحضورا في روح ووجدان الإنسان العربي ، و أقول العربي لأن كثيرا من الأشكال الحادثة بصورة أو بأخرى لها علاقة بترجمة الشعر الغربي الذي له ذوقه الخاص -الذي كما أحسب أن يتمايز عن الذوق العربي- وعليه –على سبيل المثال- أنت لا تجد للشعر المنثور أثرا في هتاف الجماهير كأثر الشعر المقفى الذي تسأل عنه الدكتور عبدالله الطيب بما معناه : لماذا لا تهتف الجماهير بقصيدة نثرية لماذا تختار قافية ووزنا تترنم به! أقول هذه القافية جناح تحلق به القصيدة وتصعد بوجدان المتلقي إلى سماواتها ،كما اعتقد أن القصيدة العمودية قادرة على استيعاب كافة صور التجديد على مستوى التصوير الشعري فكما أن اللغة العربية لا تضيق ذرعا باستيعاب العلوم الحديثة كذلك القصيدة العمودية العربية لن تضيق يوما عن الحداثة الشعرية وإن كنت لا أتفق مع من يقسمون الشعر لحديث وقديم. فالشعر هو الشعر والجمال هو الجمال والإنسان هو الإنسان مهما تعاقبت العصور وتوالدت المصطلحات يبقى جوهر الشعر واحدا.
أما عن قصيدة النثر فلا أظن أنني تصالحت مع المصطلح حتى أتقبل كتابتها وإذا حدث وكتبت ما يماثلها فإني سأسميها خاطرة نثرية إجلالا للقصيدة.

ـ للشعراء قصصهم وحكاياتهم مع الشعر، فلو تحكي لنا قصة حدثت لك وكتبت من خلالها نصا شعريا؟

بالفعل ، كثير من القصائد ردة فعل لموقف أو خاطرة أو رحلة داخلية في نفس الشاعر ، المواقف كثيرة على سبيل المثال ، من أطرفها أني لم أكتب في الهجاء إلا مرة واحدة ، عندما خرجت متأخرا من عيادة طبية فوجدت أحدهم أوقف سيارته أمام سيارتي وسد على الطريق فلم أفلح في الوصول إليه فانتظرت ما يقارب ساعة ونصف كتبت فيها قصيدة طويلة في هجاء تصرفه ثم لحسن الحظ فقدت القصيدة ، و منها من يكون تأثرا بقراءة كتاب أو قصيدة فتكون ثمرة التأثر قصيدة.

ـ ” أشرقتَ فالعينُ من لقياكَ تكتحلُ”.. هذا هو النص الذي ألقيت أمام السلطان قابوس طيب الله ثراه عام 2010 أثناء زيارته للجامعة؟ لو تصف لنا شعورك أثناء إلقائك لهذا النص؟

نعم ، هذه المحطة من مسيرتي الجامعية أكثر إشراقا من غيرها ، لم أكن أتوقعها ، أولا وأخيرا هي توفيق من الله وحده ، أسعدني أن تتوج مسيرتي في جماعة الخليل بوقفة أمام السلطان قابوس طيب الله ثراه معبرا فيها بلسان الجامعة في ذلك اليوم البهيج 18 ديسمبر 2010 اليوم الذي يوافق يوم اللغة العربية العالمي، بالطبع وقفة لم تكن سهلة بالإضافة لقصر مدة التحضير لها التي كانت أقل من أسبوع ، ومع هيبة الموقف لامسَ نفسي قلق من الخطأ في الإلقاء ، لكن ما أن دخلت في جو القصيدة وتجاوزت المطلع حتى تلاشى كل ذلك ، ولعل الأمر الذي بعث قليلا من الهدوء في نفسي هو ملاحظتي لتركيز جلالة السلطان وتفاعله مع كل بيت ، حتى تمام القصيدة : فكلنا من ضيا قابوس مقتبسٌ … فضلا ونورا به الإحداق تكتحل. والحمد لله على توفيقه.

ـ باعتبارك مهندسا وشاعرا.. الملاحظ أن هناك الكثير من المهندسين شعراء، فما علاقة الشعر بالهندسة، وكيف يستفيد أحدهما من الآخر؟

أظن بأن التخصص العلمي غالبا ليس له علاقة بالشعر ، لأن حب الشعر أصل في النفس سابق للتخصص ، وثابت أثناء عبور جسر التخصص إلى الحياة العملية ، أو قل هو الحبيب الأول الذي خصه الشاعر بالحب ، أما كيف يستفيد الأول من الثاني فلا شك أن مدارك الشاعر تتوسع ونظرته تزداد عمقا وتفكيره يزداد نفاذا لجواهر الأمور كلما تعلّم شيئا ، وبالتالي ينعكس ذلك كله على شعره فإذا خصبت أرض العقل والروح والفكر زاد الشعر خصوبة ونظارة ، وقد يكون للتخصص أثر عكسي لأن التخصص العلمي كالهندسة عقلي بحت يسحب الشاعر لمجال بعيد عن طلاقة الأدب و تلون العاطفة وتموج المشاعر والخيال ، حينها قد يجد الشاعر صعوبة في العودة لروضة الشعر فازدحام العقل والفكر بشيء لمدة طويلة قد يضيق على الرغبات الأخرى كالشعر مثلا… لكن سطوة الشعر وثباته في النفس يجعله يبقى ويزيد بالرغم من وعورة مسلك الهندسة، كما قال جميل :
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي من الحبِّ، قالت: ثابت، ويزيد !

ـ لماذا لم تطبع مجموعتك الشعرية إلى الآن؟ وهل هنالك عندك فكرة خاصة حول موضوع النشر؟

ليس لدي ما يستحق النشر مجرد محاولات لكتابة الشعر ، مع وجود النية في الاشتغال على مجموعة شعرية مستقبلا ، فلا زلت في مرحلة التحصيل والطلب والتجويد والقراءة ، عسى أن أكون جديرا بالإنتاج بعد نضوج الملكة واكتمال بدر القصيدة في سماء القلب.

ـ هنالك أسماء في الساحة الشعرية العمانية لا تكاد تضيئ وتظهر حتى تحترق وتختفي ولا يوجد لها حضور في الساحة الشعرية، فما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟

أخشى أن أكون منهم ، كما تعلم بأن تيار الحياة المادية الهادر يدفعنا جميعا للخوض فيه ، فالخوض في معترك الحياة بعد التخرج يطفئ التهوج الذي كان قبله غالبا ، وبعد الدخول في دوامة الحياة العملية والاجتماعية قد لا يتمكن البعض من العودة للعطاء الأدبي كما كان ، كذلك للمؤسسات الثقافية دور في ذلك فقلة الفعاليات الثقافية التي تجمع هولاء الشعراء لها دور مهم ، فمن ركائز استمرار الشاعر الشاب أن يظل على صلة بلقاءات أدبية مثمرة فإن انفصل وتباعد يخشى عليه أن يكون فريسة لذئب الغياب.

ـ من ناحية القراءة.. ما أهم التيارات أو المدارس الشعرية التي أثرت في تجربتك؟ ومن هو الشاعر المقرب لديك من حيث القراءة، ولماذا؟

حقيقة لم ألتزم بالقراءة لمدرسة واحدة ، فبالإضافة قراءاتي في التراث الشعري العربي القديم ، طالعت بعض نتاج مدرسة الإحياء وجماعة الديوان وشعراء المهجر ، وكنت اقرأ كثيرا لشعراء العراق المعاصرين رواد مدرسة شعر مثلا. لم أحدد منهم شاعرا باسمه إنما بحثي كان عن الشعر. أما الشاعر الأقرب لنفسي فهو الكبير أبو مسلم البهلاني ليس تعصبا للعمانيين ، لكنني عشت مع قصائده زمنا فوجدت فيها روحا وحياة وصدقا ما وجدته لغيره ، كما لا أخفي إعجابي الشديد بشعر امرئ القيس من الجاهليين -خاصة في بداية تعاطي الشعر- فهو مدرسة بحد ذاته، ثم المعري وابن خفاجه وبلا شك المتنبي وحبيب بن أوس والحمداني هؤلاء أجدهم أقرب لنفسي مع تقصيري الشديد في القراءة العميقة لأدبهم وحفظ قدر منه.