نوافذ : .. أبناؤنا بين سلطتين

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

هنا في هذه المناقشة أذهب في الحديث عن سلطتي (الأسرة والمجتمعي) والتسمية هنا «جوازا»، ولا أستبعد السلطة الثالثة «المدرسة»، ولكنني أضمنها ضمن سلطة الأسرة، حيث تتناوب سلطتا الأسرة والمجتمع في تشكيل الكثير من سلوكيات أبنائنا، كما كان حالنا يوم أن كنا في أعمارهم، وإن كانت ثمة تغييرات كثيرة حدثت في كلا السلطتين في شأن تربية الأبناء، وذلك بناء على عوامل كثيرة، وهذا أمر متوقع، حسب الفهم لتقلبات الزمن، وتغير الظروف، وتجدد الأدوات، وتقارب أكثر بين الشعوب، إلا أن ما يثير الانتباه أكثر نحو المجتمع، ذلك التحول الكبير الذي حدث، ويحدث، حيث تذهب المقارنة أكثر إلى أحوال أفراد المجتمع، وذلك البون الشاسع بين صورتيه التقليدية «البسيطة» والحديثة «المعقدة»، وإذا كان الأمر يعاد في تأصيله إلى الأسر الممتدة في عمره التقليدي، فإن الصورة تذهب هنا إلى مجموعة التغيرات التي تحدث إلى الأسرة النووية، واشتغال كل رب أسرة بأسرته فقط، ولا يهمه شيئا، بعد جدران منزله الأربعة.
والمفارقة تحدث في هذا الشأن أن لسلطة الأسرة -كما هو حال المدرسة- قوانين، ونظما، وتعليمات، وإرشادات، وتوجيهات، تنفذ معظمها وفق نظام معين، تقره كل أسرة، بناء على عوامل كثيرة، أغلبها ثقافية، فتكون شبه ملزمة، بينما سلطة المجتمع لن تكون بهذه الصفة الجبرية، حيث تخضع لمدى تقبل هذا الفرد، من عدمه، ومن هنا يتسع الفهم في التطبيق، ويضيق في الإلزام، ومن هنا أيضا تبدأ مجموعة الخروقات في الالتزام بالأوامر والنواهي التي تؤسسها (الأسرة/ المدرسة) ومن هنا تخضع مجموعة الأوامر والنواهي أيضا لمدى قناعة الفرد، وإيمانه بها، وهل هي تتوافق مع ما لا يحول دون تحقق رغباته الخاصة، هذه المحاككة الموجودة بين السلطتين كثيرا ما تفضي إلى نتائج غير مرغوبة فيها، من قبل سلطة (الأسرة/ المدرسة) ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد، بل تحمل هذه السلطة الكثير من المشاق والعنت، وكأنها تتموضع في مربعها الأول مع كل جهد تبذله، وترى فيه أنها قطعت شوطا كبيرا في سياق تربية أبنائها، وهذه إشكالية موضوعية في العلاقة بين هذه الأطراف كلها، وذلك أن حقيقة الأمر أن كلا السلطتين لا يبهجهما أن يكون بين أحضان المجتمع فرد غير سوي، وفرد غير مستقيم، وفرد عالة، وفرد متحرر من أي التزام خلقي رفيع يدفع بهذا الفرد لأن يكون صالحا في مجتمعه الكبير، ومخلصا، وصادقا وأمينا، لأن هذه الصفات هي الرهانات الأساسية التي تقوم عليها المواطنة الصالحة في أي وطن، ينشد الأمن والاستقرار، والتطور والنماء.
أفصحت جائحة (كرونا – كوفيد19) عن تراجع دور المدرسة المتعاونة في الأساس مع الأسرة، وهذا التراجع له ما يبرره في هذه الظروف بالذات، ولكن ما يمكن التنبؤ به أن هذا التراجع قد يطول، والعلم عند الله، ومعنى ذلك أن على الأسرة «لوحدها» أن تواجه سلطة المجتمع الكبير، الذي هو بدوره يعج بالصالح والخبيث، على هذا الفرد الـ «صغير» بسنه، وبتجربته، أن يخوض غمار القناعة التي تذهب به إلى الرفض أو القبول، في كل ما يدور بين أحضان المجتمع، فالأسرة بإمكانياتها المحدودة، وبتعليماتها غير المتقبلة، في أكثرها لن تستطيع أن تواجه هذا العملاق «المجتمع» معززا بوسائل التواصل الاجتماعي، في تحييد أبنائها عن السقوط في كثير في إخفاقاته السلوكية، وفي الحد من تأثيراته السلبية على البناء التربوي الذي تعمل على تقويته الأسرة، محافظة على هذا الفرد، لكي يغدو صالحا مخلصا صادقا أمينا.
نُظرَ إلى المسجد وهو أحد محاضن التربية المهمة لدوره الكبير في تعزيز دور سلطة (الأسرة/ المدرسة) ولكن حتى هذا المحضن على أهميته لم يكن حاضرا بالصورة المأمولة، حيث تزاحم دوره المتوقع بعض الإشكالية الإجرائية، ولذلك ستبقى الأسرة هي البطل الذي يكافح وينافح، ولا خيار عن ذلك.