غابات بانغي تحتضن آلاف النازحين

في إحدى غابات بانغي، تتحصن آلاف العائلات التي فرت من بانغاسو عقب الهجوم الذي نفذه متمردون في الثالث من يناير على المدينة التي كان يسكنها نحو 30 ألف نسمة وباتت مدينة أشباح.
وحضرت محافظة مبومو بييريت بينغير التي لم تغادر منذ شهر قاعدة قوات حفظ السلام التابعة لقوة الأمم المتحدة في جمهورية إفريقيا الوسطى، بمواكبة عربات مدرّعة إلى هذه الغابة المحيطة ببانغاسو في محاولة لطمأنة النازحين.
فر هؤلاء النازحون من المدينة عندما دخل المتمردون إليها في الثالث من يناير على غرار أكثر من 200 ألفا من سكان جمهورية إفريقيا الوسطى منذ هجوم شنه المتمردون قبل شهرين قبيل الانتخابات الرئاسية، وثلث سكان البلاد جراء الحرب الأهلية المستمرة من سبع سنوات.
في منتصف ديسمبر، شنت ست من الجماعات المسلحة الأربع عشرة التي احتلت ثلثي جمهورية إفريقيا الوسطى منذ اندلاع الحرب الأهلية العام 2013، هجوما ضد نظام الرئيس فوستان أركانج تواديرا.
إلا أن هذا الامر لم يحل دون إعادة انتخابه بعد أسبوع، لكن في انتخابات مثير للجدل. فأقل من ناخب من كل ناخبَين تمكّن من التصويت بسبب انعدام الأمن.

أشباه السلطات
الوضع في بانغاسو شبيه بذاك السائد في الكثير من مدن البلاد منذ سبع سنوات. تسيطر الجماعات المسلحة على معظم أرجاء البلد الشاسع القليل السكان الذي تنتشر فيه الغابات والأدغال.
وتحاول الدولة الحفاظ على جيوب فيها وجود خفيف للسلطات الإدارية والأمنية والقضائية، وذلك بفضل حفنة من المسؤولين الذين يتعين عليهم التعايش مع المتمردين والعمل معهم، واللجوء إلى بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لإحلال الاستقرار في مالي (مينوسما) عند أدنى مشكلة.
في الثالث من يناير، هاجم مئات عدة من الرجال المدججين بالسلاح في بانغاسو، مواقع جنود جمهورية إفريقيا الوسطى وحلفائهم من القوات شبه العسكرية التابعة لشركة الأمن الروسية الخاصة «فاغنر» الداعمة لحكومة تواديرا والتي تلقت تعزيزات كبيرة أرسلتها موسكو في ديسمبر من أجل إنقاذ جيش وطني غير مجهّز ويفتقر إلى التدريب.
وبعد ساعات من الاشتباكات، هرع أفراد من «مينوسما» لمساعدتهم ونقلوا الجرحى والأصحاء وجميع سلطات المدينة وتوجهوا إلى قاعدتهم حيث كانت المحافظة قد لجأت قبل أسبوع.
وقالت بييريت بينغير أمام النازحين الذين تجمعوا حولها «نحن في خضم معركة ولن تتخلى مينوسما عنا. سواء أرادوا ذلك أم لا، سيغادر المتمردون المنطقة في نهاية المطاف».
ومع أنها غادرت المدينة في 15 يناير بعد تحذير من مينوسما، لا تزال الجماعات المسلحة موجودة حولها، في الأدغال والقرى، كما أنها تسيطر على الطرق الرئيسية.
ويوجّه محمد صالح الذي نصّب نفسه قائدا للمتمردين، تحركات فرقة تضم عشرات المقاتلين في قرية نياكاري المهجورة كسائر البلدات المجاورة منذ وصول المسلحين إلى المنطقة.

مدارس مغلقة
وخلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في نهاية يناير، قال صالح فيما يحيط به رجال مسلحون «لسنا هنا لمهاجمة السكان»، مضيفا «لقد هاجمنا بانغاسو لأن الرئيس تواديرا باع جمهورية إفريقيا الوسطى». أما هدفهم فهو «استقالة تواديرا».
في نياكاري والقرى المجاورة، أغلقت كل المحلات التجارية والمدارس وتوقفت المراكز الصحية عن العمل.
وقالت المحافظة بأسف «إذا لم يغادروا هذه المناطق، فسيكون من الصعب استئناف الدراسة، وإذا بقي الأولاد في المنازل، فسيصبحون متمردي الغد».
اختارت فيكتوار نغوكبو الانتقال مع أسرتها إلى الضفة الأخرى من نهر مبومو في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
استأجرت هذه الطبيبة النفسية التي تعمل في مستشفى بانغاسو، غرفة في منزل طيني أصبح أخيرا محاطا بمخيم للاجئين. وقالت «بعض زملائي في المستشفى يعيشون مكدسين في ملاجئ مصنوعة من مشمعات بلاستيكية».
وكل صباح، تتوجه فيكتوار إلى عملها على متن قارب.
وعلى الجانب الآخر، تركب دراجة نارية تحت أنظار جنود حفظ السلام المغاربة الذين يحرسون مدخل البلاد.
وفي المستشفى الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود، يمتلئ مكتبها بالنازحين الذين أتوا لطلب الحماية. وقالت الطبيبة النفسية «لقد فقد كثر ممتلكاتهم وذويهم. وحتى أن البعض لا يتحمّل سماع صوت طقطقة الأسلحة».
أنهت بينغير زيارتها بعد توديع النازحين وغادرت المكان. وهي تود أن ترى المتمردين يرحلون أيضا، لكنّ كثرا منهم من المنطقة…
وهنا تكمن المشكلة. ففي الأيام العشرة الأخيرة دأبت الحكومة على تعداد البلدات التي «استعادتها» بفضل «حلفائها» الروس والروانديين، لكن في بانغاسو، كما الحال في مدن أخرى، لن تعود الحياة إلى طبيعتها ما دامت الدولة لم تفرض سلطتها من جديد. فالمتمردون في كل مكان، وهم مسلحون في الأدغال أو مختبئون في قراهم.

اليكسيس هوغي
أ ف ب