أصيل: عندما تكون ملحنا يعني أنك مبتكر .. والنقابة الفنية مطلب ضروري لتجويد الساحة الفنية

ملحن عماني يسطع نجمه في سماء الخليج

حوار – عامر بن عبدالله الأنصاري

بعد مسيرة في مجال التلحين.. قريبا أغنيتان بصوت الفنان أصيل
إلى جانب التلحين يعتبر الفنان أصيل شاعرا غنائيا تقترن كلماته بألحانه
الأغاني الجديدة أغلبها لا تخرج من عباءة 4 إلى 5 مقامات يفضلها الجمهور
أصيل معاتبًا بعض الإذاعات: قدمت لها أعمالًا حصريةً ولم أتلق الرد!

ملحنٌ عمانيٌ شابٌ ذاع صيته في الوسط الفني، انطلق من السلطنة من ولاية الرستاق من قرية ريفية إلى دول الخليج، تأسست عنده الأذن الموسيقية منذ الطفولة، فقد ابتكر طريقة لحفظ الأبيات الشعرية المقررة في المواد الدراسية عن طريق ترديدها وفق لحن معين، تُرى هل كان يعلم حينها أن تلك الطريقة تسمى “تلحين”، وهل كان يعلم أنه في طريقه نحو تأسيس نفسه كملحن في المستقبل الذي أصبح واقعًا اليوم؟!
الملحن العماني أحمد البلوشي، اختار لنفسه اسمًا فنيًا وهو “أصيل” هذا الاسم الذي اشتهر به على مستوى الخليج العربي كملحن شاب بارع تأسر ألحانه الألباب وتُشنف الآذان، وإلى جانب تأليفه للألحان فهو كذلك شاعر متمكن، فقدَّم لأسماء فنية ألحانًا وكلمات من وحي إبداعه.

يعتبر الفنان أصيل من أسرة فنية فكوَّن لنفسه مهارات فنية متعددة صقلها بالتعليم الأكاديمي، إذ درس البكالوريوس في دولة الكويت الشقيقة بالمعهد العالي للفنون الموسيقية، واختلط بفنانيها ومدارسها الفنية وتعمق بتاريخها الفني حتى اكتسب خبرة سينقلها إلى بلده عمان بلمسة من إبداعه الشخصي.
ذات لقاء تلفزيوني سريع، قدم الفنان أصيل مقطوعةً غنائيةً بصوته، فأدهش الإعلامي وادهش المستمعين بروعة صوته وعذوبة بوحه وفيض إحساسه، فلماذا لم يظهر كمغنٍ واكتفى بالظهور كملحن!
وهل هناك جديد للفنان أصيل بصوته؟!
ويطل الفنان أصيل على متابعيه بصفحته على منصة الانستجرام @9el0213 -أحيانًا ومن غير موعد سابق- ببث مباشر، يغدق على متابعيه بعذب الصوت وقمة الإحساس، لتكون له شهادة كبيرة من الجمهور بحسن صوته الآسر.
شارك في ما لا يقل عن 17 عملًا فنيًا خليجيًا، أولها في عام 2014 مع الفنان العماني نصر السليمي بعنوان “ما جا خبر”، وبعدها على سبيل المثال لا الحصر “من خارج الصندوق” للفنان صلاح الزدجالي، و”جزى الله خير” للفنان السعودي عايض يوسف، و”ضاعت أيامي” للفنان الكويتي جاسم محمد، و”إنسان ثاني” للفنانة المعروفة بـ(الأنين)، وغيرها من العناوين.
إضافة إلى ذلك قدم الفنان أصيل عدة أعمال وطنية آخرها مع الفنان صلاح الزدجالي بعنوان “لعمان”، وعمل مع الفنانة الأنين بعنوان “آمنا بعمان”، وفي كلا العملين كان أصيل ملحنًا ومؤلفًا للكلمات، وكذلك قدم لحنًا للفنان محمد الوهيبي لعمل بعنوان “ترانيم الأمل”، وغيرها من الأعمال، وكانت أعمالًا ذات صدى كبير.
أصيل كان ضيفنا على جريدة “عمان”، فماذا دار بيننا من حديث ودي على مائدة قهوة في شرفة مرتفعة مطلة على البحر!

لماذا “أصيل”

بداية تحدث عن اختيار اسم أصيل قائلًا: “ربما حدث هناك توهان عند الناس، فحدث هناك خلط بيني وبين الفنان أصيل أبو بكر، والفنانة أصيل هميم، ولكن اختيار اسم أصيل جاء حينها لظرف ما، واليوم أصبح الاسم هوية فنية لي، وحقيقة نبهني أخي وزميلي الفنان فيصل اليامي على نقطة الخلط بيني وبين أصيل أبو بكر، ولكن جاء الظرف هكذا، وكلما واصلت بهذا الاسم فإن الناس ستفرق بيني وبين غيري”.

النقد

وتحدث أصيل عن النقد، قائلا: “فضاء التواصل الاجتماعي أصبح واسعًا، وأصبح لكل شخص الحق في إبداء رأيه سواء بالإشادة أو بالنقد، أواجه أحيانًا النقد، ولكني أسأل ما الهدف من النقد؟ وإذا كان بناءً أخذت به بطبيعة الحال، وإن كان النقد هدامًا فإنني لا أعيره اهتمامًا، خاصة أن النقد له أسس علمية، فأنا أكاديمي لا تنطلي عليَّ الاجتهادات الخاطئة، ولكن تلك الاجتهادات قد تؤثر سلبًا على غيري من المجتهدين، لذلك يجب أن يكون النقد بناء دائمًا، أما في الوسط الفني فإذا ما واجهت نقدًا فأحاول الاستفادة منه أو تصحيح المفاهيم إن كانت خاطئة، بالتالي النقد موجود في شتى الميادين وهو أمر إيجابي إذا كان هدفه التطوير وتلافي الأخطاء”.

بين التلحين والغناء

وحول اختيار مجال التلحين عن الغناء قال: “في البادية كان التوجه أن أكون مطربًا، ولكن مع الممارسة والتعمق في المجال رأيت أن مجال التلحين أجمل؛ لأن التلحين عملية ابتكار وتجديد، ولكن لا يمنع أن يكون الملحن مطربًا إذا ما كان يملك خامة صوتية جميلة، والمطربون المحلنون كُثر، منهم الفنانون أصيل أبو بكر الذي لحن لنفسه ولفنانين آخرين، ووليد الشامي وعبدالمجيد عبدالله وغيرهم الكثير، بل أغلب مغنيي الصف الأول هم ملحنون”.
وتابع: “لا أستطيع القول من أتى أولا بالنسبة لي، التلحين أم الغناء، بل حتى اكتشاف ذاتي بأني ملحن لم يأتِ بصورة مباشرة، إلا بعد مرحلة زمنية من الممارسة، للتفريق بين أن اللحن ابتكار فريد، أو أنه جاء نتيجة لتداخل الكثير من الألحان التي مرّت عليَّ”.
وفي السياق ذاته قال: “وليس بالضرورة أن يكون الملحن صاحب صوت جميل، فكثير من الملحنين لا يملكون الصوت الجميل رغم أنهم ملحنون كبار ومبدعون في المجال، منهم الملحن الكبير بليغ حمدي، الذي يعتبر من أبرز المبتكرين وأقواهم ويمتلك فكرا فريدا، الصوت الجميل قد يكون ميزة إضافية للملحن، ومن امتلكه يستطيع توصيل اللحن بصورة أفضل ويتقمص دور المغني، إلا أن ذلك الأمر يكتنفه نوع من السلبية، فإذا كانت إمكانيات صوت الملحن أفضل من المغني فإن الأمر سيكون مزعجًا للملحن وسيشعر بأن لحنه لم يُقدم بالصورة الصحيحة، وهنا قد يوّلد صراعا نفسيا في داخل الملحن، وقد يتحسر على ابتكاره الذي لم يخرج بصورة متقنة، وكذلك بالنسبة للمطرب نفسه، قد يعجب باللحن حين سماعه من الملحن ولكنه لا يستطيع التأدية بذات الصورة”.

متى يغني أصيل؟

وفيما يتعلق باللقاء التلفزيوني المشار إليه بالمقدمة، قال أصيل: “بالنسبة لي الكلمات والألحان ليستا عائقا، كلاهما متوفر، فأنا ملحن وكاتب، ولدي معارفي الكُتَّاب، الموضوع يقف على أمر يتسبب في وقف الكثير من الفنانين عن الإنتاج، وهي الجهة الإنتاجية والتوزيع الفني، فهذه كانت الحجة التي عرقلتني، ولكني حاليًا أسير وفق خطة ستخرج بعملين غنائيين بصوتي، أحدهما من كلماتي وألحاني، والعمل الآخر من كلمات وألحان الفنان محمد عبدالله، والعملان فرديان (سنجل) من توزيع وليد عبدالواحد، كما أن الجانب المادي له دور في التأخير، وحقيقة أقول لا أريد أن أقدم عملا هزيلا، يجب أن أقدم عملا بصورة متكاملة ترضي ذوقي أولا حتى ترضي الجمهور، الأمر بالنسبة لتسجيل الأغنية بسيط، ولكني أريد أن أسوِّق، وأريد أن أقدم الأغنية في مواقع كبيرة، أريد أن أصور العمل بشكل احترافي، كل ذلك يعتبر أمرا مكلفا”.

علاقة اللحن والمقامات

وتطرق الحديث إلى بعض الألحان الجديدة، التي قد يبدو للمستمع بأنها ألحان مألوفة، وأوضح أصيل ذلك بقوله: “يمكن تفسير هذا الأمر ببساطة، حيث إن كل لحن ينتمي إلى مقام غنائي، وفي الفترة الحالية اقتصرت الألحان على مقامات معينة أصبح الجمهور العام يميل لها ويفضلها، لذلك قلَّ موضوع تنويع المقامات، وفي الفترة الحالية اتجه أغلب الملحنين إلى 4 أو 5 مقامات، وهو (البيات، والحجاز، والكرد، النهاوند، والصبا)”.

أثر التواصل الاجتماعي

وفتح النقاش الودي الباب على عالم التواصل الاجتماعي، الذي صنع من أسماء كثيرة نجومية قد تكون زائفة في مجال من المجالات أمام جمهور لا يعرف أسس ذلك المجال، وكان المثال على جانب الغناء، وتحدث أصيل عن هذه النقطة قائلا: “السوشل ميديا بحر واسع له من الإيجابيات والسلبيات، وهذا لا يختلف عليه أحد، لذلك أصبح من الوارد الصعود إلى عتبة الشهرة، إبراز المواهب وتقديمها للجمهور، كما أصبح من السهل أن يسمي الشخص نفسه فنانًا أو شاعرًا أو ممثلًا وغيرها من الألقاب سواء من كان يملك هذه المهارات أم لا، وهذا أمر فيه من الإيجابية والسلبية، من إيجابياته إبراز المواهب الحقيقية، ومن سلبياته إبراز المواهب الزائفة، لذلك أرى أن الألقاب الفنية لا يجب أن تكون اعتباطية وتبنى على الأهواء، إنما لقب يتم منحه بناء على معايير، وهذا أمر نفتقده، ولو كانت عندنا نقابة فنية لساعد ذلك في ضبط المسألة”.
وأضاف: “حقيقة للتو بدأت بالظهور الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي؛ لأننا في عصر السوشل ميديا التي أتاحت للناس التسويق لمواهبهم، اليوم فنانون عالميون لديهم حسابات، فالأمر مهم بالنسبة لأي فنان”.

نقابة فنية

وحول النقابة الفنية التي يفتقدها أصيل والفنانين في السلطنة، قال أصيل: “وجود النقابة الفنية أمر ضروري جدًا، وعلى سبيل المثال جمهورية مصر العربية لديها نقابة فنية في بلد يضم أكثر من 90 مليون نسمة، قد يهرب البعض من النقابة الفنية ويقدم أعمالا دون المستوى بحكم عدد السكان وفضاء التواصل الاجتماعي، ولكن بالنهاية النقابة لديها دور الرقيب والحسيب على تلك الأعمال حتى ولو كانت بعد العرض، لذلك لو كنا نمتلك نقابة فنية في السلطنة لضبطت المسألة كثيرًا، وتم تحديد من يستحق لقب فنان ومن لا يستحق، اليوم لا يمكن أن ألوم شخصًا وضع قبل اسمه لقب فنان أو أي لقب فني آخر ما لم تكن هناك جهة تمنح هذه الألقاب وفق أسس معينة، وحقيقة ما نفتقده بالسلطنة ليس فقط النقابة، بل كذلك الأسماء التي يمكن أن تقود هذه النقابة، الأمر يحتاج إلى حياد وكفاءة عالية وإنصاف، فلا نريد تأسيس نقابة متسلطة كذلك، نريد نقابة تُنَقي الساحة وتدعم الأفكار الجديدة، اليوم أنا كفنان أو من صنع لنفسه اسم فنان يمثل بلده خاصة إذا ما بلغ صداه دول أخرى، بالنهاية سيقول الجمهور الخارجي هذا الفنان العماني، اليوم نحن نمثل البلد، لذلك يجب أن نمثل بلدنا خير تمثيل، كما قيل الثقافة والفن ينميان الشعوب، لذلك تجويد الساحة أمر مهم”.

الأعمال القادمة

وحدثنا أصيل عن أعماله القادمة، فإضافة إلى العملين الغنائيين، يعمل أصيل حاليًا مع الفنان نصر السليمي والفنان صلاح الزدجالي، وفي هذا السياق تحدث أصيل عن صلاح الزدجالي قائلا: “كلمة حق تقال، أنا سعيد جدًا بالتعاون مع الفنان صلاح الزدجالي، فصلاح من الأسماء التي يعد التعامل معها تعاملًا مثمرًا، ودائمًا أقول لصلاح الزدجالي أنك قدوة، فقد بنى نفسه بنفسه دون انتظار الجهات الأخرى من دعم حكومي أو إعلامي، لذلك هو قدوة، وحقيقة أقول أن الدعم يعتبر شيئًا ثانويًا، الأساس هو الملكة والموهبة”.

الدعم

وحول فكرة الدعم قال: “يجب على المرء إذا ما كان يملك موهبة أن يثبت نفسه بها، وأن يعمل دون انتظار أي دعم، الدعم مطلوب بطبيعة الحال، ولكنه -كما ذكرت- شيء ثانوي، لا يجب أن أجلس في البيت ثم اطلب من الجهات دعمي أو أطلب من الإعلام التحدث عني، يجب على المرء أن يسعى إلى إثبات فنه، في الحصول على الدعم، في إبراز نفسه إعلاميًا، أما التواكل فهذا أمر سلبي”.

أحلام

في لقاء مع الفنانة الإماراتية أحلام حينما غنت في دار الأوبرا السلطانية، ذكرت حينها أنها تخطط للتعاون مع ملحن عماني شاب، غاب اسمه عن بالها، فهل كانت تعني الملحن أصيل؟
وحول هذا السؤال قال أصيل: “يشرفني العمل مع الفنانة الإماراتية أحلام، حقيقة لم يكن هناك تواصل شخصي بيني وبين الفنانة أحلام، وفي تصريحها لا أعلم يقينا إن كانت تقصدني، ولكن ما حدث أن هناك من الوسط الفني من طرف الفنانة أحلام حدثني عن فكرة التعاون معها، ولكن الموضوع لم يرَ النور”.

الإعلام

وعن الإعلام قال: “لا أضع باللائمة على تقصير الإعلام مع الفنانين العمانيين، أو معي شخصيًا، السعي يجب أن يكون من الطرفين، كما حدث وجلسنا اليوم في هذه الدردشة، ولكن عتبي على جهات إذاعية، فقد قدمت لهم أعمالًا فنيةً حصريةً لبثها عبر الأثير ولكن للأسف لم أتلقَ أي رد، ولم يكن الموضوع بمقابل مادي، إنما كان الهدف الدعم الإعلامي بهدف الانتشار”.
وتابع: “أتمنى من الإعلام أن يأخذ بيد الفنان العماني وأصحاب المواهب، وأن يبادروا بالتواصل معهم والأخذ بيدهم، هناك من يستحق الظهور، هناك من يعمل ويطور نفسه وهناك من يقدم عملا حقيقيا، كما على الفنان الذي يسعى للظهور أن يتقدم نفسه ويسعى للتواصل مع الجهات الإعلامية”.

إبداعات شبابية

وتحدث أصيل عن الإبداعات الشبابية قائلا: “هناك شركات إنتاج عمانية في قمة الروعة، شباب بدأوا من الصفر واليوم يقدمون أعملًا فنيةً رائعةً، مثل شركة (35 فيلم) التي قدمتُ معها أعمالًا وطنيةً متعددةً لصالح شركة عمانتل، وكذلك من شركات الإنتاج شركة (ثواني)، وشركة (عمق)، وشركة (أوان) جميعها شركات تعتمد على الإبداعات الشبابية العمانية التي اطلعت على تجارب عالمية وتعلمت الكثير وتطورت، ويمكن التعاون معها لتصوير أعمالي الفنية، ولكن هاجسي يكمن في أنني قدمت أعمالًا فنيةً لاقت القبول مع فنانين من السلطنة والخليج، لذلك عندما أظهر بصوتي كمطرب أخشى أن أقدم عملًا دون مستوى الأعمال التي قدمتها كملحن، وأتمنى أن أقدم عملا لائقا”.

خاتمة

انتهى الحوار مع الفنان الجميل أصيل، الذي كشف عن فكر واسع ومشروع فنان خليجي وعربي واعد، إذ الطريق أمامه، فهو شاب في مقتبل العمر، لا يحب أن يقترن اسمه بأعمال هزيلة، حماسه الكبير سيفجر إبداعات متواصلة لا تتوقف، وبركان كلماته مفعم بالاحساس، وعذب صوته مركبة نحو السماء العالية، أصيل، ابن الخامسة والعشرين، انطلق على بركة المولى، الطريق سالك أمامك.