لا شواهد لذكرياتنا «1»

سعيد الريامي

في أول فصل من رواية «بين القصرين» تقف «أمينة» حرم أحمد عبدالجواد في قفص مشربية البيت تنتظر عودة زوجها من سهرته المعتادة، فتراقب من خلال ثقوبها الطريقَ الذي يلتقي فيه شارعا النحاسين وبين القصرين، تتأمل نوافذ ومشربيات البيوت المطلّة على الشارعين، والعربات والمقاهي والحوانيت والمتاجر الكبيرة المنتشرة على جانبيهما، ثم تلمح في الأفق المآذن التي تلوح للناظر من بعيد كأنها «أطياف من المردة ساهرة تحت ضوء النجوم» -كما يقول نجيب محفوظ، الذي يقول أيضًا إن ذلك منظر ألفته عيون «أمينة» قرابة ربع قرن، ولكنها لم تسأمه.
وفي الفصل الرابع من الرواية نفسها يخرج أحمد عبدالجواد من البيت مُتجهًا إلى دكانه، فيمر -كما يفعل كل يوم منذ زمن طويل- من أمام محل عم حسنين الحلاق، ويسلم على الحاج درويش بائع الفول، والفولي اللبان، وبيومي الشربتلي.
وفي الفصل السابع والعشرين، عندما تتجرّأ أمينة وتخرج من البيت لزيارة جامع الحسين، تطلب من ابنها الصغير كمال -الذي يجلس بجوارها داخل الحنطور- أن يصف لها ما يرى، فيشير كمال إلى قبو قرمز «الذي يجب -قبل الدخول فيه- تلاوة الفاتحة وقايةً من العفاريت التي تسكنه»، ثم ميدان بيت القاضي، فقسم الجمالية، ومدرسة خان جعفر الأولية، ودكان عم صادق بائع الحلوى. ويواصل كمال وصف مشاهداته لأمه حتى يصلا إلى جامع الحسين بشبابيكه المزخرفة وشرفاته المتراصة.
تذكرت هذه المشاهد من الرواية وأنا أفكر في الأزمة التي أعتقد أننا نعيشها نحن أبناء الجيل الذي يتوسط الأجيال القديمة والحديثة في عُمان -إن صح التعبير.
هذا الجيل الذي اختزنت ذاكرته مشاهد لأناس وأماكن وطقوس سرعان ما تلاشى وجودها المادي من عالمه بعدما اقتضت اشتراطات المرحلة التي بدأت في عام 1970 أن تُستبدل سريعًا تلك المشاهد القديمة والراكدة بأخرى حديثة ومتجددة.
تلاحقني مشاهد الرواية كذلك أثناء الرحلات المتكررة التي أقوم بها في صُحار بحثًا عن شواهد ذكرياتي. هذه الرحلات التي لا أرى أنه يمكنني التوقف عنها مختارًا، مثلما لا يمكنني مقاومة الشعور بالغيرة -وربما الحسد- تجاه سكان المدن القديمة التي قاومت رياح التغيير واحتفظت لأبنائها بشواهد ذكرياتهم، كما تفعل القاهرة مع أمينة وزوجها في ثلاثية نجيب محفوظ.
فمنذ أن انتقلتُ -وأنا في الثانية عشرة من عمري- من صُحار- مدينتي التي وُلدت وأمضيت سنوات طفولتي فيها، وانتقلت إلى مدرسة داخلية في مسقط، ثم أكملت بعدها دراستي الجامعية وواصلت حياتي العملية والأسرية فيها -أجدني- كلما عدت إلى صحار لقضاء إجازة قصيرة في بيت العائلة -أركب سيارتي كل ليلة وأبدأ رحلة أمر خلالها بالدروب والطرقات والأزقة التي ألفتُها في طفولتي. أحاول تبيّن المشاهد والمعالم التي شكلت ذاكرتي خلال تلك الفترة من عمري.
أقود سيارتي في الطريق الذي كنت أسلكه ماشيًا مع مجموعة من صبية الحي إلى مدرسة أحمد بن سعيد الابتدائية المسائية في الهمبار(1)، مرورًا بحارة البرج وحصنها المتهشم الذي كنا نتحاشى الاقتراب منه، فقد كانت تسكنه الجن والأرواح، والذي أخبرني أبي يومًا بأنه كان فيما مضى موصولًا عبر سرداب واسع تحت الأرض ببرج «مويلح» (2) الذي يبعد عنه قرابة خمسة كيلومترات إلى الغرب، وكان السرداب من السعة والعلوّ بحيث يتسع للفارس على حصانه، لا وجود للحصن الآن، ولا لأي أثر له، فقد سُوّي بالأرض وقامت على البقعة نفسها بيوتٌ ومسجد ومجلس عام ودكاكين.
أصِلُ بعد ذلك إلى «المزرعة»، وهي مركز الإرشاد الزراعي الذي تأسس في بداية السبعينيات، والتحق بالعمل فيه عدد كبير من سكان صحار، بعدما هجروا مزارعهم أو ودّعوا العمل في مزارع غيرهم. لم يكن أحد منهم يعرف «مركز الإرشاد الزراعي»، فكنتَ عندما تسأل الواحدَ منهم عن مكان عمله، يجيبك: المزرعة. أما نحن الصغار الذين كان شطرٌ كبير من طريقنا -من وإلى المدرسة- يمر بمحاذاة «المزرعة»، فلم نكن نعرف منها سوى أشجار «الصبَار» التي كانت تتدلى ثمارها خارج السياج خلال فصل الربيع، فكنا نتسلق إلى أعلى السياج ونجمع ما تطاله سواعدنا الصغيرة منها، لسبب أجهله هُجرت «المزرعة» وماتت أشجارها، واختفت ثمار الصبار، وتهاوى السياج.
وقريبًا من باب «المزرعة» كان يقف بيتٌ لرجل مختلف، شخص كان يعيش خارج ذلك الزمان، أو هكذا أصنفه الآن وأنا أستعيد ذكريات تلك السنوات.
عنده وقعت عيناي لأول مرة في حياتي على العود. ذلك الصندوق العجيب والساحر بما يخرجه من أصوات منغمة. كان الرجل يجلس – في الصباح أحيانًا، وفي المساء أحيانًا أخرى – أمام مدخل بيته محتضنًا العود – الذي لم يكن به عادةً أكثر من وترين أو ربما ثلاثة – يدندن ويغني: «فيوز القلب محروقة.. في جسمي ضربني ماس.. حتى الأكل ما ذوقه.. من أفعال الهوى يا ناس». هي هي الأغنية ذاتها كل يوم، بنفس النغمة الرتيبة والصوت الأجش. كنا -ونحن في طريق عودتنا من المدرسة- نتحلق حوله أحيانا، نستمع إلى عزفه وغنائه، ونتفحص العود وأوتاره من بعيد. أما هو، فلا أذكر أنه التفت نحونا يومًا أبدًا.
أحيانًا أنعطف بسيارتي بعد «المزرعة» إلى اليسار فأدخل حارة «البوش» أو «حارة أم البوش» (3) حيث كان يقع دكان «العبيداني». هنا كنا نبدد نصف مصروفنا اليومي -الذي لم يزد يومًا عن مائة بيسة أو مائتين- في شراء الحلويات التي كان العبيداني يغرينا بشرائها.
العبيداني هذا صار في أواخر أيامه المؤذن في مسجد الحارة، والمسحراتي في ليالي رمضان، يخترق نداؤه سكون الليل: «سحووووور.. سحووووور». لم تتغير كثيرًا هذه الحارة. فبالرغم من تجدد البناء في كثير من بيوتها، إلا أنها لا تزال تحتفظ بنفس حجمها وربما بعدد بيوتها المتراصة، التي لا يسمح لها بالتمدد موقعُها بين المزارع.
أحيانًا أخرى انعطف يمينا نحو «بيت عامر» الذي كنا نعبره بهدوء وترقب، خوفًا من الكلبة المتربصة بالمارين هناك. لم نكن دائمًا نفلح في اجتياز تلك المنطقة دون أن نأخذ نصيبًا وافرًا من الفزع الذي يسببه لنا نباح تلك الكلبة المتوحشة. تمتد الأرض بعد بيت عامر وتتسع. لا وجود هنا للبيوت، فقط أشجار الغاف تنتشر على مساحة شاسعة تمتد حتى «وادي حسون» القريب من المدرسة.
هذه البقعة المستوية من الأرض أخبرتني أمي ذات يوم أنها كانت في السابق مزارع بر وشعير. أما اليوم فهي منطقة سكنية وتجارية مزدانة ببيوتها وبناياتها.
أمام المدرسة -التي تغيرت معالمها تمامًا- بعدما أعيد بناؤها أكثر من مرّة، وأطلق عليها أكثر من اسم، ولا أدري ما اسمها الآن، اختفى دكان حسن (أبو يونس) ودُكّانا حميد النوبي وعلى بن سعيد، وحلت محلها بنايات ضخمة بعدة طوابق، يسكن في شققها موظفون هنود ويبيع في دكاكينها عمال وتجار من بنجلاديش، واختفت كذلك الحارة التي كانت خلف تلك الدكاكين وتحولت المنطقة كلها إلى سوق ضخم يضم أكبر تجمع بنجالي في صحار. وحدها الغافة الكبيرة التي كنّا نستظل بظلها أمام بوابة المدرسة لا تزال صامدة. أما الغاف الذي كان يملأ ساحة المدرسة فقد اختفى هو الآخر. (يتبع)

1ـ المنطقة السكنية والتجارية المجاورة لمستشفى صحار القديم.
2 ـ منطقة كانت صحراوية قاحلة، بها برج يسمى باسمها، وهي حاليًا منطقة سكنية مزدهرة يقع على أطرافها مستشفى صحار الجديد.
3ـ حارة صغيرة في منطقة الوقيبة.