زكريا شليل.. إعلامي من الرّعيل الأول

زاهر بن حارث المحروقي

خلال عملي في الإعلام لأربعة عقود تعاملتُ مع ثلاث فئات من الخبرات العربية التي تم التعاقد معها للعمل في الإعلام العماني وخاصة في الإذاعة التي هي مجال عملي؛ الفئة الأولى هي التي لم تكتف بإنجاز عملها فقط، بل تولت تدريب كوادر عمانية حلت فيما بعد محل تلك الخبرات، أما الفئة الثانية فهي فئة متمكنة في مجال اختصاصها وأنجزت عملها بإتقان دون أن تترك أثرًا في الشباب العماني، أما الفئة الثالثة فهي التي لم تُضف شيئًا في مجال العمل ولم تترك أثرًا في جيل الشباب، بمعنى أنها لم تدرب أحدًا. والفئة الثالثة هي الأسوأ بين الفئات الثلاث، إذ ما الداعي للتعاقد مع أناس من خارج السلطنة ليقوموا بأعمال يستطيع أن يقوم بها العمانيون.
والإعلامي زكريا شليل الذي رحل عن دنيانا يوم الأحد السابع من فبراير 2021، هو من الفئة الأولى بما أعطاه من خبرات سواء في مجال عمله أو في تدريب الشباب العماني، إذ كان زميلا وأستاذا لنا في بدايات عملنا في الإذاعة العمانية. ومن تعامل مع زكريا من الصعب جدًا أن ينساه، فما بالك إذا كان هذا التعامل استمر مدة أربع سنوات بشكلٍ يومي، ثم استمر بعد ذلك سنواتٍ طويلة عبر الاتصالات. فتعاملي مع الأستاذ زكريا بدأ عام 1982، وأنا أخطو خطواتي الأولى في عالم الإعلام، واستمر حتى عام 1986، وهي الفترة التي تعاقدَت فيها الإذاعة العمانية مع زكريا معدًا ومقدمًا للبرامج الثقافية.
يُعدّ زكريا شليل، أحد رواد إذاعة صوت العرب المصرية، قبل أن يعمل في الإذاعة العمانية. وعندما عاد إلى بلده مصر عُيّن مديرًا لإذاعة مطروح، ثم مديرًا لإذاعة الوادي الجديد، فمديرًا لإذاعة فلسطين، قبل أن يُنهي مشوار عمله الرسمي، نائبًا لرئيس شبكة الإقليميات بالإذاعة المصرية.

كانت السنوات التي قضاها في عُمان حافلة بالنشاط والحيوية، من خلال البرامج التي قام بإعدادها وتقديمها، ويأتي في مقدمة تلك البرامج برنامج «ملامح عمانية»، الذي تناول فيه الكثير من الملامح التي تميّز بها المجتمع العماني، وهو البرنامج الذي استمر لمدة سنتين وثلاثة أشهر بشكل يومي لمدة خمس دقائق، واعتُبر حينها من ملامح الإذاعة العمانية « حسب تسميتها وقتئذ » وتناوب على تقديمه العديد من الزملاء كنتُ أحدَهم.
لم يكن برنامج «ملامح عمانية» هو البرنامج الوحيد الذي اشتركتُ فيه مع الأستاذ زكريا، فقد قدّمتُ برنامجين آخرين من إعداده؛ هما برنامج «كتاب من عُمان»، الذي كان يستعرض فيه كتابًا عمانيًّا، وكذلك برنامج «حصاد ندوة الدراسات العمانية»، والذي غاص فيه زكريا إلى أعماق تلك الدراسات ليُقدّم للمستمع لآلئ وأصداف تلك الندوة، من خلال أسلوب مركز ومبسط، اعتمد فيه على تقديم المعلومة للمتلقي بأسلوب إذاعي مميّز دون الإخلال بالمادة الأساسية لمخرجات الندوة.

ولكن تعاملي المباشر مع الأستاذ زكريا كان من خلال برنامجين آخرين، هما برنامج «ضيف الأسبوع»، وبرنامج «البث المباشر»، إذ من خلالهما كنتُ ذلك التلميذ الملتصق بأستاذه في كلِّ خطواته. فمن خلال برنامج «ضيف الأسبوع» تعلمتُ منه فنّ إجراء الحوارات، وهو من أصعب الفنون الإذاعية – إن لم يكن أصعبها على الإطلاق -، فكنتُ أذهب معه إلى الفعاليات والندوات التي تقام، ونُجري لقاءاتٍ مع ضيوف عُمان، فكان في البداية هو الذي يجري اللقاء بحضوري كمستمع فقط، ثم أحضر عملية المونتاج، قبل أن أبدأ في إجراء الحوارات بنفسي بحضوره هو. وأذكر أنّ أول خطوة في استقلالي عنه، أنه طلب مني في البداية أن أجري اتصالاتي لاختيار الضيف وفي إعداد الأسئلة، فكان في بعض الأحيان يختار سؤالا واحدًا فقط من أسئلتي ويطرحه للضيف، وكنت أفرح بذلك الاختيار، وفيما بعد أصبحت أدير الحوار بحضوره. وكم كنتُ أمتعظ من توجيهاته لي أمام الضيوف، خاصةً أنه كان في بعض الأحيان يوقف التسجيل فيعدّل من السؤال أو يلغيه، فكنتُ أحس بإحراج شديد وكأنّه انتقاصٌ من قيمتي أمام الضيف، وأقول لنفسي لماذا لا يلغي السؤال أثناء المونتاج مثلا بدلا من إحراجي؟! قد يرى البعض أنّ هذا الأسلوب الجاف فيه نوع من الديكتاتورية، إلا أني أنظر إليه الآن – وبأثر رجعي – نظرة إيجابية له كمدرب ولي كتلميذ حيث كنت وجيلي من الإعلاميين الصغار وقتها، لدينا الاستعداد للتعلم ونؤمن أنه لا ينبغي التعالي على الأساتذة، وأظن أنّ ذلك التدريب آتى فوائده لنا.
أثبت الأستاذ زكريا أنه فعلا يريد أن يترك أثرًا في الإذاعة العمانية، ليس من خلال البرامج التي أعدّها فقط، وإنّما من خلال تدريب الكوادر العمانية للاستمرار في النهج نفسه، من خلال الإعداد والتقديم، لذا لم يبخل بما كان عنده، وأستطيع أن أقول إنّ حالي مع أستاذي زكريا، كان أقرب إلى حال المُريد مع شيخه، إذ تشترط الصوفية أن يكون المريدُ مستسلمًا منقادًا لشيخه، و»أن يكون بين يديه كالميّت بين يدَي غاسله، لا يخالفه في شيء مطلقا»، وهو أمرٌ في الواقع يصعب تطبيقه، وربما أنه من الأمور التي أبعدتني عن التصوف، رغم عشقي له.

والأستاذ زكريا من ذلك الجيل العملاق، ففي حواراته كان يركز على قيمة المعلومة التي يقدّمها الضيف، فلم يكن يقاطع ضيفه طالما أنه يقدّم معلومات ذات قيمة، ولم يكن يستعرض معلوماته، كما يحصل من مذيعي الحوارات الآن في القنوات الفضائية العربية التي كثرت، لأنّ المهم هو ما يقوله الضيف؛ وقد استفدتُ منه كثيرًا في هذا الجانب خاصة عند إدارتي للحوارات الإذاعية، بعدما استلمتُ برنامج «ضيف الأسبوع» منه، وكذلك في الحوارات التي كنتُ أجريها حتى مع متصلي برنامج «البث المباشر».

ومن البرامج التي أعدّها الأستاذ زكريا شليل، برنامج «مسيرة البناء» وهو البرنامج الذي تناول فيه الإنجازات التي تحققت في عُمان منذ عام 1970 وحتى وقت إذاعة البرنامج، والتي نقلت عُمان من العصور الوسطى إلى العصر الحديث. وتنبع قيمة البرنامج أنه كان يعايش الحدث أولا بأول، فلم يكن مجرّد كلمات إنشائية تتكرر مع كلِّ مناسبة، والبرنامجُ كان يمثل أسلوب زكريا شليل في الإعداد، إذ لا داعي لحرف أو لكلمة زيادة، فقد كان يطبق القول «ما قل ودلّ»، وهو أسلوبه حتى في الحديث العادي. وفي هذا المجال كانت له تعليقات لاذعة مختصرة ومفيدة، وكم كنتُ أحيانًا أحس ببعض الإحراج أمام الضيوف بسبب تلك التعليقات اللاذعة؛ ويبقى أن أقول إنّ أسلوب زكريا شليل في الإعداد والتقديم واختيار كلماته وألفاظه إنما كان يشرح في الواقع قول الصوفي الكبير محمد عبد الجبار النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».
من الأمور التي كان يركز عليها كثيرًا زكريا شليل، هي احترام الوقت والحق الأدبي للمعد والمخرج، فكثيرًا ما شدّد علينا أنه إذا جرى قطع أيِّ برنامج أثناء بثه، فلا بد من التنويه أنّ البرنامج من إعداد فلان وإخراج فلان، وكذلك عند تقديم الأغنيات فيتحتم علينا أن نذكر المؤلف والملحن، وهذا ما التزمت به قدر المستطاع طوال فترة عملي كمذيع.
ظلّ الراحل زكريا شليل محبًا لعُمان ووفيّا لها؛ فردّد لكلّ من زاره أنّ هذا من فضل عُمان الشقيقة، وكان مستعدًا للعطاء، ورغم سفره عن عُمان منذ عام 1986 إلا أنه أسهم في إذاعة القرآن الكريم بعد افتتاحها ببرنامج «أنبياء الرحمن في آيات القرآن» تناول فيه قصص ومواقف الأنبياء مع أقوامهم بأسلوب حواري، مستدلاً بآيات من الذكر الحكيم، كما أني تواصلت معه يوم الثالث عشر من أكتوبر 1988 وأعدّ للإذاعة تقريرًا جميلا عن أصداء فوز الروائي نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب.
رحل الأستاذ زكريا شليل وبقيت إنجازاتُه وأعماله تتحدّث عنه، ورغم الفترة القصيرة التي عاشها في عُمان إلا أنّه ترك أثرًا طيبًا، وأمثالُه من المخلصين قليلون.