الانضباط الاجتماعي.. قناعات متفاوتة

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

يأتي «الانضباط الاجتماعي» كأحد الوسائل المصيرية لمواجهة الكثير من التداعيات التي من شأنها أن تحل في ظل وجود جوائح الأمراض، أو الكوارث الطبيعية والمناخية، ولذلك ينظر إلى «الانضباط الاجتماعي» على أنه الجدار الأول أو الحاجز الذي يحول دون استفحال التأثيرات السلبية على أبناء المجتمع، وهذا الانضباط يتبناه المجموع، وليس الفرد الواحد، ومن هنا يراهن على أهميته، وتأثيراته الإيجابية، مع ما يواجه صاحب القرار من تحديات غير منكورة في إيصال رسائله التوعوية؛ كمرحلة أولى، قبل الذهاب إلى سن التشريعات الملزمة بقوة القانون؛ لاستيعاب «الانضباط الاجتماعي» وأهميته الكبيرة، متوازيا بذلك مع مجموعة من الاحترازات والآليات، والإجراءات الذاهبة كلها إلى التقليل من الأضرار، وتحقيق الأمن الاجتماعي لكافة السكان.
يتعلق «الانضباط الاجتماعي» بأمرين مهمين؛ الأول: هو مستوى القناعات التي يؤمن بها الفرد تجاه قضية ما من القضايا المطروحة والتي تستلزم أن يكون في تنظيمها انضباطا اجتماعيا معينا، والثاني: هو مجموعة الأوامر والنواهي المصاحبة لتحقيق هذا الانضباط، وهي الصادرة عن الجهة المخولة لذات القضية، ومتبناة من السلطة الرسمية ككل، وهي القضية التي تصل إلى أن تكون في مستوى القضايا الوطنية المهمة، والتي تتجاوز في الإعداد لها عبر برنامج محدود الإمكانيات، ومحدد بفترة زمنية معينة، أو بمحدد جغرافي ما، وإنما تدخل ضمن إطار واسع يصل إلى مستوى «خطة وطنية» شاملة، تسخر من خلالها مجموعة من القوى الفاعلة للحد من انتشار المشكلة، أو القوى الفاعلة للترويج لها وانتشارها، كما يحدث اليوم في ظل جائحة (كورونا – كوفيد19) وكما حدث في منتصف تسعينيات القرن العشرين الماضي، عندما تبنت وزارة الصحة برنامج «المباعدة بين الولادات».
هناك تفاوت مجتمعي غير منكور في مسألة الوعي بأهمية «الانضباط الاجتماعي» وهذا التفاوت يعيده البعض – خاصة في مثل ظروف معينة، كجائحة «كوفيد19» إلى حالة المجتمع الترفيهية، فإن كان مجتمعا ترفيهيا بامتياز، فإن تموضع «الانضباط الاجتماعي» سيمكث طويلا حتى يجد طريقه نحو التطبيق، وإن كان مجتمعا فقيرا من هذه الترفيهية، فإن لتفعيل «الانضباط الاجتماعي» أثره الكبير والسريع، ومن هنا نرى اليوم؛ على سبيل المثال؛ أن مجتمعات المثال الأول، ليس فقط لا تتقيد بمجموعة الاحترازات المطلوبة للحد من انتشار الفيروس، بل خرجت إلى الشوارع للمطالبة، وللضغط على الحكومة بأن ترفع مجموعة القيود التي تحد من حركة الناس، في مختلف زوايا الحياة اليومية، لأن المكوث في المنازل؛ بهدف التقليل من التواصل الاجتماعي، معناه الحكم عليهم بالمؤبد، حيث لم يعتد الناس أن يمكثوا في منازلهم لأكثر من (10) ساعات على أكثر تقدير، أما البقية الباقية من اليوم فموزعة بين الأعمال، وبين الأوقات الترفيهية، ومن هنا؛ وقعت التعليمات؛ كالمصيبة؛ على رؤوسهم، ولم يستوعبوا حجم الضرر المتوقع في حالة استمرارهم على ما اعتادوا عليه في حياتهم السابقة، ومن هنا أيضا جاءت الانفلاتات للحالات النفسية، وخروجها عن طورها المعتاد، من حيث زيادة حالات الطلاق، وحالات الأمراض النفسية، وحالات التشنج العصبي بين مختلف الأفراد في الحياة العامة.
يعود التفاوت في مستويات الوعي بأهمية «الانضباط الاجتماعي» بين مختلف الشعوب إلى أن كل فرد يرى «الانضباط الاجتماعي» من زاويته الخاصة، قبل أن يفكر في المجموع، لأن «الانضباط» له شروطه، وله استحقاقاته، وليس يسيرا قبوله هكذا بعلاته، أو بخيراته، دون أن يخضع لتحليل نفسي، تقبله النفس وتؤمن به، أو ترفضه جملة وتفصيلا، ومن هنا يبدأ الـ «صراع» إن تجوز التسمية؛ بين قناعات النفس، أو ما اعتادت عليه من قبل في حياتها العامة والخاصة، وبين الأمر الجديد الذاهب؛ إلى الحد من كثير من الممارسات التي كانت من قبل «عادية» إلى الانتقال إلى ممارسات خاضعة لمنهج معين، والمشكلة هنا أكثر هي الـ «فجائية» بأمر الضرورة التي تتطلب أن يتحول الناس من مستوى معين من الممارسات في حياتهم اليومية، إلى مستوى آخر لم يعتادوا إليه، وهو؛ ربما؛ قد يتصادم مع كثير من القيم التي اعتاد عليها الناس وألفوها طوال سنوات حياتهم، ويبدو أن مرد ضعف الاستجابة للتعليمات والتوجيهات التي تدفع بها الجهات المعنية في الحكومة لهذا الجمهور العريض إلى؛ عدم الاقتناع بالفكرة ذاتها من قبل جمهور عريض في المجتمع، أو انعكاسا لضعف الرسالة وضبابية الأهداف التي تسعى الرسالة إلى تحقيقها، أو أن الموضوع يتناقض مع شيء خاص، ومهم في حياة أبناء المجتمع، أو يخضع لاعتبارات سيكولوجية، أو قيمية، فعلى سبيل المثال: عندما أعلن عن التحذيرات من خطورة المصافحة أو التلامس الجسدي بين أفراد المجتمع لمواجهة انتشار جائحة (كورونا – كوفيد19) هناك من رأى هذا الإجراء على أنه نوع من المبالغة في حجم الانتشار، كما نظر البعض إليه بنوع من الاستخفاف، معللا: «كيف لا تتم المصافحة، وفي الوقت نفسه يجمع هؤلاء الأفراد مجلس واحد، وصحن واحد يتناولون منه وجبة غذائية معينة؟» وهناك الكثيرون لم يتوقفوا عن مصافحة الآخرين، وعن بعض الممارسات التي تتلامس من خلالها الأجساد، بين الغرباء عن الأسرة الواحدة.
يبدو أن هناك شبه تناقض بين حالتي الثقافة (الشعبية/ النخبة) فالأولى؛ وببساطتها المتناهية؛ لا تخرج كثيرا عما هو معتاد، وتمارس سلوكياتها من وحي الفطرة، أو التلقائية المباشرة، دون رتوش، وهذه ليس في مواجهة تنظيمها وتهذيبها مشكلة كبيرة، أو معقدة، لأنها تتحرك على السطح بوضوح، وليس فيها تدليس أو مغايرة للواقع، فهنا وجه واحد، وإن كان في هذا الوجه الكثير من الفوضوية، واللامبالاة الناتجة عن الجهل والتعنت، ومع ذلك ففي السبيل إلى انضباطها يظل الأمر يسيرا، لكن المشكلة في الثانية «ثقافة النخبة» فهذه من أعقد الثقافات، لاستخدامها وسائل التمويه، وتمارس غواياتها بعيدا عن الأعين، وبالتالي فمعالجاتها ليست يسيرة، لأنها تدرك حقيقة أهمية «الانضباط الاجتماعي» في الحد من كثير من ممارساتها الخاصة التي لا ترى عنها بديلا، ولو لزمن قصير، وبالتالي فهي لا تتقيد بمجموعة الاحترازات المرسومة للحد من انتشار المشكلة محل البحث، مع أنها تظهر في الحياة العامة أنها على قدر كبير من الوعي والالتزام، وبذلك تعطي إذنا غير مباشر لبقية الفئات في المجتمع بالسير على نفس هذه السلوكيات، وفي ذلك تغذية غير منكورة لبقاء على مختلف السلوكيات والممارسات غير المقبولة في ظل بقاء المشكلة.
كيف تتأثر الحريات العامة في الظروف الاستثنائية، وإلى أي مدى يمكن النظر في مبررات مختلف الأطراف المعنية بتقليص هذه الحريات أو البقاء عليها مثل ما كان الأمر قبل هذه الظروف أو تلك؟ فمما هو معروف أن الظروف الاستثنائية لا تخضع كثيرا لمبررات فئات المجتمع في مسألة الحريات الشخصية لما في ذلك من ضرر على أبناء المجتمع، فلو ترك كل فرد يعيش حريته الخاصة، وهذه الحرية الخاصة تتصادم مع التوجهات الذاهبة للحد من استفحال مشكلة ما؛ عندها يكون في حكم الواجب الحد من هذه الحريات الشخصية الخاصة، وهذا ما يحدث اليوم في ظل انتشار جائحة «كورونا» حيث إن جل الناس يريدون أن يعيشوا ممارسات حيواتهم الخاصة التي كانت قبل حلول هذه الجائحة، ولكن في ذلك ضرر كبير عليهم وعلى الآخرين من حولهم، حيث يكون هناك هدف يجب الوصول إليه بغض النظر عن مستوى القناعات الذي تكون عليه فئات المجتمع، والتي غالبا ما تنصر لذواتها الخاص، وهذا ما لا يمكن أن يكون في ظل مواجهة مشكلة عامة تحتاج إلى تكاتف جميع أفراد المجتمع لمواجهتها.
يمكن النظر أيضا؛ إلى أهمية نظرية الـ «مؤامرة» كأحد المعوقات الرئيسية للتصدي لـ «الانضباط الاجتماعي» لأن الارتكان إلى الإيمان بحقيقة هذه النظرية يؤدي إلى عدم استحضار الخطر الحقيقي للمشكلة، وعلى اعتبار أن المشكلة مجرد أوهام لا أثر لها على واقع الناس، والمشكلة أن من يروج لهذه النظرية لا تكون عنده الحقيقة واضحة، فقط لمجرد الشك، أو تقليد الآخرين، أو السماع من مصادر غير موثوقة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي اليوم الدور الأكبر في الترويج لنظريات المؤامرة في كثير من قضايا الساعة.