(صالة أورفانيللي).. عندما يُباع كل شيء في المزاد ويُشترى حتى البشر

القاهرة، “رويترز”: على سطح مرآة براقة آسرة، يعكس الروائي المصري أشرف العشماوي تغيرات المجتمع المصري اقتصاديا وسياسيا خلال فترة الانتقال من الملكية إلى الجمهورية عبر صالة مزاد بوسط القاهرة يُباع فيها كل شيء ويُشترى.. حتى البشر. (صالة أورفانيللي) هي الرواية التاسعة في رصيد العشماوي الذي يعمل بسلك القضاء، إضافة إلى كتاب وثائقي عن سرقة الآثار المصرية وتهريبها. وقد صدرت عن الدار المصرية اللبنانية في 423 صفحة من القطع المتوسط. تنطلق الرواية من حقبة ثلاثينيات القرن العشرين حيث يعمل الصديقان منصور التركي وأورفانيللي إستيفان ألفيزي في وزارة التجارة لكن أوضاعهما المالية كانت متعثرة. يستغل منصور كل ما ورثه صديقه اليهودي عن أبيه في شراء غرفة نوم قديمة ثم يبيعها في المزاد بمبلغ كبير باعتبارها من أثاث الخديوي عباس حلمي ليحقق العائد المالي من العملية حلم كل منهما. يتزوج أورفانيللي من حبيبته ليلى بينما يشترى منصور صالة مزاد في وسط البلد ويدخل معه أورفانيللي شريكا بالثلث لتحمل الصالة اسم الاثنين معا (صالة أورفانيللي ومنصور). استطاع منصور بقوة شخصيته إقناع صديقه بإبقاء شراكتهما بعيدة عن الأوراق الرسمية لأن أورفانيللي لا يزال موظفا في وزارة التجارة وهو الموقع الذي استفادا منه حتى أصبحا يمتلكان أكبر صالة مزاد في مصر. لم ترضَ ليلى يوما عن منصور أو طريقة الشراكة السرية التي فرضها على زوجها وزاد من غضبها إصرار أورفانيللي على تسمية ابنهما الوحيد اسما مركبا يعكس الصداقة المتينة بينه وبين شريكه فأطلق عليه أورفانيللي منصور. ورغم تحسن أوضاع الزوجين المالية وانتقالهما إلى مسكن جديد وشراء سيارة لم تشعر ليلى بالأمان، فحثت زوجها المنشغل طوال الوقت بعمله في الوزارة على الدفع بالابن الصغير للاشتغال بصالة المزاد في أوقات العطلات. لكن مع إظهار الطفل براعة وذكاء أصبحت الصالة هي كل حياته. وبمرور الوقت ذاع صيت صالة المزاد وتردد عليها كبار الشخصيات إلى أن زارها ذات يوم الملك الشاب فاروق الأول، وهو ما حاول منصور استثماره فأقنع ليلى، القلقة على حقوق زوجها وابنها في الصالة، بالذهاب للقصر لعرض بعض المقتنيات الثمينة على “مولانا”. في اليوم ذاته مات أورفانيللي وتحولت ليلى إلى نزيلة بمستشفى بهمان للأمراض النفسية، ليصبح ابنهما وحيدا في كنف منصور التركي الذي رعاه وعلمه أسرار العمل وإن ظل متوجسا منه. يلقنه منصور دروس الحياة “كل حاجة حوالينا عدت على مزاد قبل ما تجيلنا، الكهربا اللي بتنور بيتك الشركة الإنجليزي كسبتها بالمزاد، المية اللي بنشربها من الكوبانية رسيت عليها بالمزايد، الخضار والسمك والفاكهة اللي بتاكلها، كلها من تجار اشتروها في مزاد.. العربية المستعملة اللي بنركبها، الخواتم والمجوهرات وعفش البيوت والسجاد واللوحات، كل حاجة تقريبا بنستعملها، المزاد حياة موازية.. أنت نفسك معروض في مزاد.. بس منتظر دورك”. وبعد سنوات تغتال رصاصات من مجهول منصور التركي أثناء مزاد كبير لتبدأ رحلة صراع جديدة على ملكية الصالة ويخوض أورفانيللي الابن رحلة طويلة تقوده إلى فرنسا ثم القاهرة بحثا عن استعادة حق والديه. وبينما تزخر الرواية بتفاصيل شيقة ومعلومات متخصصة عن عالم المزادات وتركز في أحداثها على الصراع الدامي لامتلاك الصالة، يمد المؤلف خيوط الأحداث بين الواقع والخيال فيستحضر شخصيات عامة ورجالا عاشوا حول الملك ليدفع بهم في طريق أبطاله ويمزج مصائرهم معا حتى يذوب الخيط الفاصل بين الخاص والعام وبين الفرد والوطن. كما تتطرق الرواية بشكل سلس وغير مباشر لأوضاع اليهود في مصر قبل ثورة 1952 وبعدها من خلال نماذج تنتمي لمستويات اجتماعية وفكرية مختلفة، لا سيما البطل الرئيسي.. أورفانيللي الابن. أما في تناولها لفترة ما بعد ثورة 1952 تثير الرواية موضوعات شائكة تضاربت فيها الحكايات، منها مآل ممتلكات أسرة محمد علي التي صودرت وبيع الكثير منها في المزاد ومزاعم استيلاء بعض رجال الثورة عليها وتربحهم منها. ويبقى أكثر ما يميز الرواية أسلوب سردها الذي أسنده المؤلف إلى ثلاثة أشخاص هم أورفانيللي إستيفان ألفيزي ومنصور التركي وأورفانيللي منصور، فلا يكاد أحدهم ينتهي من سرد ما رآه وعايشه حتى يأتي التالي ليكشف ملابسات وتفاصيل أخرى تعيد صياغة الأحداث برؤية مختلفة فتبدو الرواية في نهايتها وكأنها عمل ثلاثي الأبعاد.