«الجنائية» تؤرق إسرائيل

يرى المحامي الفلسطيني محمد دحلة، الخبير بالقانون الدولي، أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن «الحالة في فلسطين»، أحدث ما يشبه «هزة أرضية» داخل الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل. وقال «دحلة» الذي يترافع أيضا بالمحاكم الإسرائيلية دفاعا عن فلسطينيين، في حديث لوكالة الأناضول: «الوصول إلى وضع يُحاكم فيه إسرائيليون، سواء سياسيين أو عسكريين، على قضايا تتعلق بجرائم حرب ضد الفلسطينيين فهذا بالنسبة لهم بمثابة هزة أرضية».
وأضاف: «أن يُعتقل إسرائيلي أو يُتهم أو تُقدم ضده لائحة في المحكمة الجنائية الدولية، فهو تطور يتناقض مع كل المفاهيم الأساسية الإسرائيلية، وهو بالنسبة للإسرائيليين مُصاب جَلَل».
والجمعة الماضية، أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية (مقرها لاهاي)، قرارا يقضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية).
وأعرب مسؤولون إسرائيليون عن خشيتهم من أن يكون هذا القرار مُقدمة لإطلاق تحقيق في جرائم الحرب الناتجة عن الأعمال العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ولا تحقق المحكمة مع دول، وإنما مسؤولون سياسيون وأمنيون وعسكريون، مرتبطون بقرارات أدت إلى انتهاك القانون الدولي، ما سيعني إصدار مذكرات توقيف وحتى محاكمة مسؤولين عن هذه القرارات أو الذين شاركوا فيها، بحسب دحلة.
وقال دحلة، الخبير أيضا بالقانون الإسرائيلي: «إصدار مذكرات اعتقال ومحاكمة في محكمة دولية يتناقض مع كل ما يغذون (الإسرائيليون) أنفسهم به من أنهم يتعاملون بشكل أخلاقي وقانوني، وأنهم لا يمارسون الاحتلال، وغيرها من الأكاذيب التي يكذبون بها على أنفسهم وعلى العالم، ويصدقونها، ويحاولون جعل العالم يصدقها».
وأضاف: «موضوع أن تجري مقاضاتهم بعد كل ذلك يعتبر بالنسبة لهم تقويض لكل المفاهيم التي نشؤوا عليها وسيربون أجيالهم عليها ويحاولون، وينجحون جزئيا، بإقناع العالم بها».
ولفت إلى أن ما يجعل أيضا القرار صعبا على إسرائيل، هو أن وجود المحكمة الجنائية الدولية مرتبط بما جرى بالمحرقة النازية ضد اليهود «الهولوكوست».
وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية «الكابينت» قال يوم الأحد الماضي: «شُكلت المحكمة الجنائية الدولية من أجل منع وقوع فظائع مثل تلك التي ارتكبها النازيون بحق الشعب اليهودي، وخلافًا لذلك، تلاحق المحكمة دولة الشعب اليهودي».
وفي هذا الصدد، قال دحلة: «موضوع المحكمة الجنائية الدولية يرتبط بالنسبة للإسرائيليين بالمحاكم التي جرت ما بعد المحرقة (الهولوكوست) لمحاربة النازيين».
وأضاف: «لذا فإن يوضعوا بالموقع نفسه الذي جرت فيه محاكمة المجرمين النازيين على جرائمهم ضد اليهود، فإن هذا بالنسبة لهم يهز كل مشاعر المجتمع الإسرائيلي ما عدا فئة قليلة جدا في أقصى اليسار الإسرائيلي المتفهمين لدور العدالة الدولية».
وكانت إسرائيل قد أعلنت عن رفضها لقرار المحكمة بداعي أن «إسرائيل ليست عضوًا في المحكمة وأن السلطة الفلسطينية لا تتمتع بمكانة دولة».
وتابع المحامي: «بالنسبة للإسرائيليين فإن هذا القرار مصيري وخطير، وسيحاولون أن يفعلوا كل ما في وسعهم من أجل منع مشهد وجود سياسي أو عسكري إسرائيلي معتقل، أو متهم في قاعة المحكمة».
وأضاف: «لا أبالغ إذا ما قلت أن هكذا مشهد هو أصعب على الرأي العام الإسرائيلي من مشهد رئيس حكومة إسرائيل وهو ماثل في محكمة إسرائيلية، بعد اتهامه بقضايا فساد ورشوة».

طريق طويل جدا
وحتى الآن لم تقرر المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا، موعد إطلاق مكتبها تحقيقا رسميا بالحالة في فلسطين.
واستدرك موضحًا: «القرار مهم، ولكن حتى نرى إسرائيليا مدانا بالمحكمة فإن الطريق طويل وطويل جدا، وأيضا مليء بالعراقيل مثل الضغوطات السياسية والمالية والتهديدات ضد المحكمة».
وأضاف: «حتى بعد كل التهديدات والضغوطات من أجل تعطيل عمل المحكمة، فإنه حتى وأن أصبحت من خلفنا فإن هناك عقبات كبيرة من الناحية القانونية، فإن إسرائيل لديها جيش كبير من القانونيين محليا ودوليا، الذين سيحتشدون للدفاع عنها، كما فعلوا حتى الآن».
وبهذا الصدد، يوضح: «أرى أنه حتى لو بدأت عجلات التحقيق، فإنه بسبب الجيوش الكبيرة من القانونيين المدافعين عن إسرائيل، فإن مهمة الوصول إلى لوائح اتهام واعتقال إسرائيليين أو متهمين أمام المحكمة، ستكون صعبة للغاية».
وأكمل مبينًا: «هذه المحكمة ليست كغيرها من المحاكم، فهي تنتقي القضايا ولا تنظر في جميع القضايا التي تصلها، كما يحصل بالمحاكم العادية».
وأضاف: «من أجل أن تقبل هذه المحكمة النظر في قضية ما، فإن هناك شروط يجب أن يجري استيفاؤها، ومنها أن يكون هناك ما يشير إلى اقتراف جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية».
وتابع: «عندما تتحدث عن جرائم حرب، بالمنظور الدولي، فأنت تتحدث عن مخالفات جسيمة، فليست كل مصادرة أرض تعتبر جريمة وليس كل قتل لفلسطيني سيعتبر جريمة حرب».
وأكمل: «إن الموضوع معقد جدا، فأنت بحاجة لما يكفي من الأدلة لإقناع المحكمة الجنائية الدولية التدخل وفتح ملف تحقيق في هذه القضايا».
وكانت دولة فلسطين قد طلبت من المحكمة التحقيق في 3 ملفات أساسية، وهي الاستيطان الإسرائيلي بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والعدوان على غزة، ومعاملة الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.

الاستيطان «أقوى الملفات»
ولكن دحلة لفت إلى أن أقوى القضايا المطروحة أمام المحكمة هي الاستيطان الإسرائيلي. وقال: «هناك بعض القضايا التي اعتقد أنه إذا ما جرى التركيز عليها فلسطينيا سيكون لها دور كبير جدا، وأخص بذلك موضوع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية خاصة في القدس الشرقية والضفة الغربية، والمعروف على أنه جريمة حرب بموجب ميثاق روما».
وتفيد تقديرات إسرائيلية وفلسطينية بوجود نحو 650 ألف مستوطن في مستوطنات الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، يسكنون في 164 مستوطنة وعشرات البؤر الاستيطانية.
وتعتبر الأمم المتحدة المستوطنات غير قانونية، بموجب القانون الدولي، وإحدى العقبات الرئيسية أمام السلام وحل الدولتين.
وكان مجلس الأمن قد أصدر في 23 ديسمبر 2016، القرار رقم 2334، الذي يطالب بـ«وقف فوري لكل الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة».
وأضاف دحلة: «أعتقد أنه إذا ما رُكز على هذا الملف، فإنه سيحدث اختراقا كبير جدا».
ورأى المحامي الذي يتولى الدفاع عن فلسطينيين في عدد من القضايا أمام المحاكم الإسرائيلية، أن قرار المحكمة الأخير سيكون له حتما تأثير في القرارات الإسرائيلية بعد الآن.
وقال: «نعم سيؤثر، لقد أثر في الماضي، فأنا كنت عضوا في الوفد الفلسطيني إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي عندما نظرت في قضية جدار الفصل الذي تقيمه إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة (عام 2004)».
ولفت دحلة إلى أنه «في حينه، فإن مجرد المداولات أمام المحكمة الدولية في لاهاي، كان له تأثير كبير على مجريات نظر محاكم إسرائيلية، بما فيها المحكمة الإسرائيلية العليا، في قضايا كنا تقدمنا بها إليها في موضوع الجدار».
وقال: «قبل بدء محكمة العدل الدولية في لاهاي النظر في قضية الجدار، كانت المحكمة العليا الإسرائيلية ترد جميع الالتماسات التي قدمت ضد الجدار من قبل المواطنين الفلسطينيين».
وأضاف: «وبعد أن شرعت محكمة العدل الدولية ببحث القضية، رأينا أن المحكمة العليا الإسرائيلية استجابت لالتماسات كانت مقدمة لها في حينه، وأعتقد أن هذا حدث تحت تأثير بحث القضية في لاهاي، وخوفا من صدور قرار في لاهاي ضد إسرائيل».

عبدالرؤوف أرناؤوط – الأناضول