«صناعة الإبداع في الفن التشكيلي» على طاولة نقاش النادي الثقافي

تغطية – بشاير السليمية –

أقام النادي الثقافي مساء الثلاثاء جلسة حوارية افتراضية ناقش فيها «صناعة الإبداع في الفن التشكيلي»، حيث حاورت الدكتورة فخرية اليحيائية كلًا من الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة المصري الأسبق وأستاذ علم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون، والدكتور ياسر منجي فنان وناقد مصري أكاديمي باحث في مجالات الفنون التشكيلية ودراسات التراث والمتاحف، الدكتور محمد العامري أستاذ الفن والتربية رئيس قسم المناهج والتدريس بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس.

تحدث الدكتور شاكر في البدء عن مفهوم ومصطلح الصناعات الإبداعية، وعن دخول عدد من المفاهيم في الصناعات الإبداعية والثقافية منذ الظهور الأول لهذا المفهوم، معرّجا إلى تاريخ مفهوم صناعة الإبداع والعوامل التي ساهمت في إبراز هذا المفهوم. وأشار الدكتور عبدالحميد إلى عدة تطورات مهمة حدثت في القرن التاسع عشر وأدت إلى ظهور مصطلح صناعة الثقافة من بينها اختراع التلغراف، الذي اخترعه الفنان التشكيلي صمويل مورس، الذي أنشأ أكاديمية للفنون في نيويورك، وباختراعه للتلغراف أسهم ومهّد لثورة الاتصالات والمعلومات الموجودة الآن.

وأضاف الدكتور عبدالحميد: كذلك الرسام لويس داجير الذي اخترع التصوير الفوتوغرافي عام ١٩٣٩ وهو رسام في الأصل، محدثا باختراعه ثورة في مجال الطباعة والإعلانات والطب وفي ظهور مدارس فنية كرد فعل، مؤكدًا أن الفنانين قاموا بإسهامات مباشرة وغير مباشرة في ظهور مجال صناعة الثقافة المنسوب لمدرسة فرانكفورت على أيدي أديرنو وهروكوهايمر وهابرماس.

أما في الثمانينيات فيشير الدكتور عبدالحميد إلى أن تغييرا جذريا قد حدث عندما تبنت اليونيسكو هذا المصطلح ونشرته على مستوى العالم وأصبح هناك ما يسمى بالصناعات الثقافية ثم تحولت بعد ذلك إلى الصناعات الثقافية والإبداعية عندما دخلت بريطانيا إلى هذا المجال في ٢٠٠٠ بعد أن أرادت أن تحل الكساد الحاصل من خلال الاهتمام بالفن والثقافة كسلعة وربطها بالاقتصاد، مشيرًا إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية هي الصناعات التي تركز وتهتم بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك للسلع الثقافية والإبداعية بداية بالفنون التشكيلية والرسم والتصوير وفنون الأداء والإعلام والبرمجيات والحرف الشعبية والتصميم وغيرها.

مفهوما النفعي والجمالي للصناعات الإبداعية

وفي الحديث عن كيفية تحديد الفوارق والتداخلات بين مفهومي النفعي والجمالي لهذه الصناعات الإبداعية منذ ظهورها الأول على مدار التاريخ يشير الدكتور ياسر منجي إلى أن العلاقة بين مفهوم النفعي، والجمالي كانت على امتداد التاريخ علاقة فيها الكثير من القمم والوهاد حسب تعبيره، وأوضح أنها تصير حميمية في بعض الأطوار الحضارية وفي ظروف حضارية أخرى يحدث الانفصال نتيجة ظروف اجتماعية سياسية اقتصادية ضاغطة، مشيرًا إلى أنه تسود في بعض الأحيان فلسفة معينة تفصل بين ما هو نفعي وما هو جمالي فيقام هذا الجدار الكبير ونتوهم بأن الفن للفن وأن الاستمتاع الجمالي ممارسة خالصة وحالمة، وأن كل ما هو نفعي هو بالضروري يومي واعتيادي واستعمالي محض.
وأشار إلى بعض المحطات التي توضح ذلك وقال: إنه في الحضارات القديمة سنجد أن الفاصل يكاد لا يذكر بين ما هو نفعي وما هو جمالي في الكثير جدا من خلال الشواهد الأثرية التي إذا ما استقرأنا اللقى الأثرية سنجد أنه من الصعب جدًا الفصل بين ما هو استعمالي، وما هو جمالي والجميل لا ينفصل عن المفيد والاستعمالي لا ينفصل عن الرفيع.
وأضاف: إن هذا التصور والوهم هو وليد فلسفات جديدة على البشرية، وضرب مثالا على الحضارة الإسلامية التي لو استقرأنا مجمل ما تركته لنا سنجد أن الصانع المسلم والفنان المسلم كان مدركًا لهذه اللحمة الوثيقة بين الجمالي والاستعمالي لنجد في أي متحف جناحًا للفن الإسلامي كالنسيج والزجاج والأدوات اليومية مقدما في غلاف من الفن الرفيع.
وأشار إلى أن الفن الإسلامي كان سبّاقًا إلى كسر حاجز لم ينتبه له الغرب إلا بعد نضوج عصر النهضة، وخلص الدكتور ياسر إلى أن بين ما هو نفعي محض وبين ما هو جمالي صرف حاجزًا وهميًا فقط.

دور المؤسسات في اكتشاف الموهوبين

وفي السؤال حول كيف يمكن أن تلعب المؤسسات التربوية دورا في رعاية واكتشاف الموهوبين وأهمية تربية الإبداع كوننا نؤمن بأن الفنون هي المحرّك للصناعات الإبداعية والثقافية، عرج الدكتور محمد العامري إلى منظورنا للإبداع بحد ذاته وقال: «منظورنا للإبداع نفسه هو الذي يحدد الغايات الأخرى للتربية. البعض يقول: إذا كانت التربية للجميع فالإبداع للبعض باعتباره غاية كبيرة تسعى إليها المؤسسات التربوية بشكل أو بآخر». وأضاف: «هناك مغالطات في تعريف الإبداع أو ربطه بالذكاء، وليس بالضرورة أن كل مبدع ذكي والعكس صحيح»، مشيرًا إلى أنه عندما نربط المعرفة بالذكاء فقط فإن هناك مستوى آخر للإبداع، وقد يكون الخيال أهم بكثير من المعرفة معللًا ذلك في كون المعرفة محددة بإطار معين وقد لا تتعدى المستقبل لكن الخيال يتعدى يرتبط بالحاضر والمستقبل.

وعن أهمية الإبداع كمركز للمؤسسات التربوية والتعليمية أشار إلى أنه عندما يصبح الإبداع غاية ووسيلة ومحركًا للعملية التعليمية والتعلمية ويكون هاجسا ستكون هناك توجهات وإعادة تفكير للممارسات التقليدية التي نمارسها، مؤكدا على أهمية اكتشاف المبدعين الصغار من منطلق أن كل إنسان يمكن أن يكون مبدعًا إذا ما تمت تنشئته تنشئة علمية صحيحة منذ البداية وإيجاد البيئة التربوية والإبداعية المناسبة التي تمكّن الشخص من الإبداع.

وناقشت الجلسة علاقة الفن والثقافة بالصناعة في قالبها التجاري، وإمكانية توفير الصناعات والمنتجات الإبداعية فرصة للإبداع الفني، وكيفية الاستفادة من تجارب بعض الدول في هذا القطاع في عمان، وتأثير الوسط السياسي والثقافي والاجتماعي على دور الصناعات الإبداعية والمبدع، ومصطلح صناعة الفنان المثقف وما يشير إليه من تدعيم لدور المنتج الثقافي الإبداعي وسعي الدول العربية إلى صناعة فنان مثقف مساهم في التنمية.