الكاتب السعودي خلف سرحان: التحدي الذي يواجه مبدع القصة القصيرة جدا هو قصرها وضيق مساحتها ليلعب فيها بفنه وفق قوانين اللعبة الصارمة!

حوار – بشاير السليمية –


يقول الكاتب السعودي خلف القرشي: إن الكتابة الإبداعية أيا كان جنسها ونوعها تقتات على التأمل والخيال، وأنه منذ نعومة أظفاره فتحت له الصحراء التي قضى فيها وقتًا طويلًا ووحيدًا أحيانًا أبوابًا كثيرة من التأمل والتدبر والخيال، وعندما أصبح الهدوء والتأمل وإمعان النظر صفات مرتبطة بشخصيته، وجد نفسه مغرما بالسرد القصصي والحكائي قراءة وكتابة.

صدرت له مجموعة قصصية قصيرة جدا بعنوان «خراج سحب عابرة»، وترجم المجموعات قصصية من الإنجليزية إلى العربية منها: «الطريق التعب» و«قال نسوة»، وله كتب قيد الطباعة منها رواية قصيرة وسيرة ذاتية.

كتب في إحدى قصصه القصيرة جدا: «حسده زملاؤه العلماء عندما اختارته وكالة الفضاء الوطنية من بينهم ليرود الفضاء في مركبة، ويجري أبحاثًا، ويجمع معلومات عن كوكب المريخ، كان من المقرر أن تستمر رحلته تلك عامًا كاملًا، لكن نظام الحكم في البلد تغير، وسيطر العسكر على مقاليد الأمور، كانت عودة الرائد تقتضي أموالًا لم تعد متوفرة لدى الوكالة، راح شتاء، وأعقبته شتاءات أخرى، وما زال الرائد يسبح في الفضاء».

استضافه مجلس إشراقات مؤخرًا ليعاين القصة القصيرة جدًا مفهومًا وشكلًا ومعيارًا، وفيما يتعلق بهذا النوع الأدبي كان هذا الحوار.

***

* نواجه لبسا في مفهوم القصة القصيرة جدا من الكتاب من جهة ومن القراء من جهة أخرى، ما يجعلنا أمام إصدارات تصنّف بأنها قصة قصيرة جدًا ولكنها ليست كذلك، كيف يمكن فلترة ذلك؟

– القصّة القصيرة جدا رغم أنها جنس أو لون أدبي حديث، ألا أنَّ هناك حاليا شبه إجماع على عدة معايير وسمات وخصائص يعرفها النقاد والبارعون في هذا الفن، ومن خلالها يمكن فلترة / تصنيف أي عمل يوسم بأنه (قصَّة قصيرة جدا)، بمعنى أنه متى ما توفرت في العمل تلك المعايير والسمات والخصائص فهو قصَّة قصيرة جدا، والعكس بالعكس.
ومن هذه المعايير والسمات والخصائص القصر والتكثيف والمفارقة والوحدة والحدث والثيمة، وقد نظم الأستاذ نبيل المجلي في «القصّة القصيرة جدًّا» أرجوزة على غرار منظومات النحو والتجويد والفقه والحديث التراثية، فحصر أهم مكوناتها في خمسة عناصر أساسيَّة ألَّا وهي: الحكائية، والتكثيف، والوحدة، والمفارقة، وفعليَّة الجملة، فقال:
«ســـردٌ قصيرٌ متناهٍ في القصر
كالسهم، بل كالشهب تطلق الشرر
كتبـــــها الأوائل الكبـــــــــــار
وليس يدرى من هو المغــــــــوار
قد ميزتـــها خمسة الأركــــان
حكايةٌ غنيـَّـة المعــــــــــــــــــــاني
وبعدهــــا يلزمها التكثــــــيف
ووحـــــدةٌ يحفظــــــــــــها حصيفٌ
واشترط النـــاس لها المفارقة
وأن تكـــون للحدود فارقـــــــــــــةٌ
وجملة فعليــَّـــــةٌ بها كمـــــــل
بنـــــاؤها وحقَّه أن يكتمـــــــــــــــل»

* هل ترى أن القصة القصيرة جدا نوع راسخ ومعترف بها بين الأنواع السردية؟

– نعم. بالتأكيد. وليس أدل على ذلك من أنَّ (مجموعات قصصية قصيرة جدا) تصدر باستمرار في مختلف بلدان العالم وبمختلف اللغات، ناهيك عن ندوات ومحاضرات وملتقيات وحلقات عمل متخصصة في هذا اللون تقام هنا وهناك، بالإضافة إلى كتب نقدية تتعاطى مع هذا اللون تنظيريًا وقراءة وتمحيصًا، وثمة مسابقات تعطى جوائز في كثير من الدول للقصة القصيرة جدا.

* ما هي الاشتراطات التي تجعل من نص ما متميزا عن النصوص الأخرى في إطار هذا النوع؟

– الاشتراطات نفسها التي تجعل من قصيدة شعرية ما متميزة عن قصائد شعرية أخرى، والأمر ذاته الذي تبرز به رواية ما، أو تفوق من خلاله قصَّة قصيرة عادية، أقرانها.
الإبداع والحرفية، والتمكن من الأدوات، وفرادة الفكرة وجدَّتها، وحسن معالجتها، وقوة المفارقة، وعمق الرسالة، واللغة المختلفة…. هي الفرق -الذي يصنع الفرق كما يقال- بين عمل وآخر.

* ما مدى تأثير بروز الرواية واحتمالية تغطيتها على مثل هذا النوع؟

– عبر تاريخ الإنسانية، ومنذ فجر الأدب، يندر أن يصادر أو يغطي جنس أو لون أدبي جنسًا أو لونًا أدبيًا آخر. فالمسرح أبو الفنون ما زال يزاول ويمارس كلون فني وأدبي رغم أنه بدأ منذ عصر الإغريق واليونان ويمكن قبل ذلك، صحيح لكل عصر مقتضياته، فلم يعد ثمة هناك مسرحيات يستغرق عرضها ثلاثة أيام بليالها كما كان عند الإغريق واليونانيين، ولكن بقي الجوهر رغم اختلاف الشكل، ومن هنا استبعد أن تمحو الرواية القصّة القصيرة أو القصّة القصيرة جدا، أو تنهي القصيدة الشعرية. والقصة القصيرة جدا بسمتها الرئيسة (القِصَرْ) متماشية ومتماهية مع إيقاع هذا العصر، وسرعته وتشتت إنسانه، وكثرة مشاغله واهتماماته وملهياته، ولهذا ففرص بقائها وديمومتها بل وازدهارها أكثر من فرص غيرها من الألوان الأدبية الأخرى، والكلُّ باقٍ.

* ما سبب غياب المحاولات النقدية الجادة لهذا النوع الأدبي في رأيك؟

– النقاد في عالمنا العربي تحديدا يولدون من رحم المؤسسات الأكاديمية كالمعاهد والجامعات، وهم قلة إذا ما قورنوا بعدد ونتاجات المبدعين في الأجناس الأدبية المختلفة، وهذه الفجوة جعلت كثيرا من النصوص الإبداعية غير متناولة نقديًا وليس فقط (القصّة القصيرة جدا)، وزاد الطين بلة كما يقال إن هذا الجنس جديد نسبيًا، ولدى بعض النقاد قناعة -أحسبها خاطئة وقاصرة- بأنه جنس لم تتضح هويته ولم تتكشف معالمه وتعرف قواعده بعد، وبالتالي فهو غير حفي بدراسات نقدية جادة من وجهة نظر كثير منهم، مع أن هناك دراسات أكاديمية ونقدية جادة تناولته تنظيرًا وقراءة وتوجيهًا وتقييمًا، ولكنها قليلة، وأتوقع وآمل أن تزداد مستقبلا.

* ما سبب فشل الكثير من القصّة القصيرة جدا في رأيك؟

– الاستسهال ومظنَّة البعض أن قِصَر (القصّة القصيرة جدا) مدعاةٌ لممارستها، وما علم أولئك بأن كتابة رسالة قصيرة مختصرة تقتضي وقتًا ومجهودًا أكثر من كتابة رسالة مطولة كما يروى عن العقاد (رحمه الله).
هذا والكلام هنا -إن صحت الرواية- عن رسالة عادية، فما بالنا ونحن إزاء نص إبداعي لا يتجاوز بضعة أسطر يجب أن يضمن جميع سمات ومكونات القصّة القصيرة جدًا المشار إليها في الإجابة عن السؤال الأول.
يقول الإنجليز (Less is More القليل كثيرٌ)، وهذا أحسبه ينطبق بجلاء على القصّة القصيرة جدا، وعليه فالتحدي الذي يواجهه مبدع القصّة القصيرة جدا هو قصر وضيق ومحدودية المساحة المتاحة له ليلعب فيها بفنه وفق قوانين اللعبة الصارمة! يا إلهي… كم من المهارات لا بد أن يتقن، والحالة هذه! هذا إن جاز لنا وصف الإبداع باللعب!

* كيف يمكن التوصل إلى (مفارقة جيدة) وإلى غيرها من سمات القصة القصيرة جدا بشكل جيد؟

– بالتدرب والمران وكثرة الممارسة الكتابية لهذا اللون، مع كثرة التنقيح، وإعادة التحرير مرات تعقبها مرات، وعرض العمل على قراء نخبويين أو نقاد مهتمين قبل نشره للعموم، والإفادة من مرئياتهم وملاحظاتهم، وقبل هذا وذاك بالقراءة المكثفة لتجارب ناضجة لمؤلفين بارعين في هذا الفن.

* كيف ترى مستقبل القصة القصيرة جدا؟

– مستقبلٌ واعدٌ، وشاهدي على ذلك كونها وفيَّةٌ لعصرها كما وصفها ذات مثال الدكتور حسن النعمي أحد كتَّابها البارعين، ونقّادها المتميزين، بالإضافة لكثرة الإصدارات والندوات والحراك الأدبي المتصل بها والمتعلق بقضاياها المختلفة.