استبانات الرأي.. ضرورة علمية تتأرجح بين الأهمية و المصداقية

من عيوبها إعطاء بيانات غير صحيحة وعدم تمثيل العينة للدراسة والدقة في تسجيل ردود الفعل –
تحقيق: خلود الفزارية –
بين الفينة والأخرى تردنا في الهواتف أو في البريد الإلكتروني، ويتم تداولها بين الأصدقاء أو في مؤسسات العمل، استبانات لطلاب الجامعة، أو مؤسسات بحثية، أو حتى شركات خاصة لتقييم رضى الزبائن، ونقوم بتعبئة هذه الاستفتاءات، والإجابة على أسئلتها. وعادة ما تكون هذه الاستبانات لطلاب الدراسات العليا ليدعموا بحوثهم بمسح عددي أو نوعي لظاهرة ما أو لمعرفة مدى توفر أو غياب خاصية معينة في المجتمع، لتتم دراسة البحث وإيجاد الحلول للقضية المطروحة. وبالرغم من أهميتها واستخدامها المستمر بين الباحثين، ودورها في حل القضايا المجتمعية وإدراجها في الدراسات العلمية، ربما يجيب البعض على هذه الأسئلة بصراحة، ولكن ما مدى مصداقية إجابة الجميع؟ وهل يمكن اعتبارها حقائق تنبني على ضوئها حلول، وما هي أنواع هذه الاستبانات؟ لا يخفى دور هذه الاستبانات من استقاء المعلومات بشفافية وبشكل مباشر من الأشخاص المستهدفين، كونهم يجيبون على هذه الأسئلة واعين بأهميتها، إلا أن البعض قد يقومون بذلك تأدية للواجب أو لمجرد المشاركة، وقد لا يعطون تلك الدراسة الأهمية التي تستحق، مما يؤثر في الحقائق والنتائج وطرق علاج المشكلات إن وجدت.. في هذا التحقيق نتوقف مع عدد من الطلاب والأكاديميين لتعريفنا بدور الاستبانات وأهميتها ومدى فاعليتها لتخريج الدراسات العلمية واعتمادها من قبل الجهات المعنية… أحمد السناني طالب في التاريخ تناول في بحثه استبانة لمعرفة مدى معرفة فئات المجتمع بتراث مناطقهم وأشهر الأماكن الأثرية، ومدى ثقافة السياحة الداخلية، موضحا:” أحببت أن أصل في بحثي إلى نقطة ارتباط المجتمع بتاريخه ومدى تواصله مع ذلك التاريخ وتفاعله المستمر”، ويضيف: “قدمت الاستمارة وأرسلتها إلى بعض الشركات، وكانت نسبة فاقت 80 بالمائة من المشاركين ممن يحبون التواصل مع تراثهم ويتمسكون بعاداتهم”، مبينا أنه ترك خانة الاسم مفتوحة لمن يحب أن يذكر اسمه وليست إجبارية وتلقى تجاوبا من جميع من قدم لهم الاستبيان. تقديم الحلول فاطمة الراشدية تقول إن الاستبانات في البحوث العلمية تساعد الباحث للتأكد من المعلومات النظرية التي يجمعها من المصادر، ويمكن قياسها بآراء الفئة المستهدفة بشكل سلس، بمجرد تقديم عدد من الأسئلة ويتم الرد عليها، ثم تحليل الإجابات وصياغتها بالأرقام النسبية المتواجدة في الدراسة وإدراجها في البحث لتقديم دليل ملموس من خلال الإجابات لتقديم الحلول فيما بعد على ضوء تلك الآراء. نقل المقترحات أمل الحوسنية تقول إنها لم تقدم استبانة في تخصصها لأنها لم تكن بحاجة لجمع الآراء، إلا أنها شاركت في استبانات كثيرة من خلال الجامعة أو العمل، وتشير: أشارك دائما في حملات الاستفتاء حتى في المراكز التجارية حين يطلب مني تقييم الخدمات أقوم بتعبئتها بكل سرور، لأني أرى أهمية هذه الاستبانات لنقل مدى رضى المشترك عن الخدمة ونقل مقترحاتنا، فهي وسيلة تقرب بين صاحب الخدمة وبين المستفيدين. كشف الحقائق والبيانات وللرد العلمي على أهمية التحقق من مدى فاعلية الاستبانات ودقتها وأهميتها نتوجه لعدد من الأكاديميين، فمن جانبه يشير الدكتور عبدالله بن سيف التوبي أستاذ مشارك بمناهج وطرق تدريس العلوم أنه من المعروف أن الاستبيان من أهم أدوات البحث العلمي للحصول على البيانات ذات الصلة بموضوع البحث العلمي، من خلال إعداد استمارة تتضمن مجموعة من الأسئلة التي ينبغي على أفراد عينة الدراسة الإجابة عليها، وتستخدم هذه الأداة بشكلٍ رئيس في مجال الدراسات التي تهدف إلى استكشاف حقائق وبيانات عن الممارسات الحالية واستطلاعات الرأي العام وميول واتجاهات الأفراد، وهذه الأداة تمكن الباحث من الوصول إلى عينة البحث في أماكن متباعدة بوقت مناسب وبتكاليف معقولة. كما تعد هذه الأداة طريقة جيدة للحصول على بيانات لا توفِّرها مصادر أخرى، كما تعطي المستجيبين حرية الإجابة للمعلومات المتوفرة لديهم، مبينا أنه من المعلوم أن للاستبانات أنواعا وهي: الاستبيان المفتوح، والاستبيان المقفول، والاستبيان المفتوح – المقفول. عيوب الاستبانات ومعالجتها وعلى الرغم من أهميتها ومميزاتها للباحثين وطلاب الدراسات العليا، والتي تجعلها من أهم أدوات جمع البيانات، إلا أنها تتعرض إلى نقد من المهتمِّين بأساليب البحث العلميِّ، غالبية هذه الانتقادات تدور حول مدى دقَّة وصحَّة البيانات والمعلومات التي يتم الحصول عليها بهذه الأداة، فعلى سبيل المثال: يقوم المستجيبون بإعطاء بيانات غير صحيحة، عدم تمثيل العينة لأفراد مجتمع البحث، عدم إمكانية الباحثين من ملاحظة وتسجيل ردود فعل عينة الدراسة لا سيما إذا كانت هذه الردود والانفعالات مهمة للبحث، عدم اهتمام بعض أفراد عينة الدراسة بالإجابة الموضوعية على أسئلة الاستبيان. ويوضح التوبي أنه وللحد من هذه العيوب وغيرها، يجب على الباحثين اتباع العديد من الخطوات والإجراءات منها على سبيل المثال: التأكد من أن الاستبيان هو الوسيلة الأفضل لجمع المعلومات اللازمة لموضوع الدراسة المراد بحثها، وتحديد نوع المعلومات المطلوبة في ضوء أهداف البحث وأسئلته، وتحديد العينة المناسبة التي تمثل مجتمع الدراسة، اتخاذ الإجراءات العلمية السليمة لبناء الاستبيان وتحكيمه وتجريبه قبل تطبيقه بشكل نهائي. وفي حالة وجود متعاونين مع الباحث يجب الالتقاء بهم لتوضيح الغرض من الاستبانة، واختيار الوقت المناسب لتوزيع الاستبانات مع أهمية أن تكون العينة ممثلة لمجتمع الدراسة، واتخاذ الإجراءات الضرورية لحث عينة الدراسة للإجابة على جميع أسئلة الاستبيان وبموضوعية تامة، مع أهمية إعطاء أفراد العينة مساحةً حرَّة في نهاية الاستبيان لكتابة ما يراه من إضافات تكون مهمة للبحث، ومراجعة الاستبانات بعد الحصول على الإجابة عليها والتأكد من عمليات التفريغ من أجل الحصول على بيانات أكثر دقة. أداة للقياس في حين يوضح الأستاذ الدكتور سامر جميل رضوان تخصص علم النفس الإكلينيكي أن البحث العلمي عموما هو طريقة منظمة لحل مشكلات يواجهها الإنسان في حياته أو للإجابة عن أسئلة محددة. ومن أجل إيجاد إجابة عن هذه الأسئلة يحتاج الباحث إلى أدوات “للقياس” يستطيع من خلالها التوصل لإجابات عن تلك الأسئلة المطروحة. ومن هذه الأدوات المقاييس النفسية أو الاستبيانات أو الاختبارات والتي هي عبارة عن أدوات؛ هو أدَاة عِلْمِية لفحص صفة معينة وتقدير درجة وجودها مقارنة بأشخاص آخرين. مبينا أن ما يتم قياسه في العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية هو خصائص أو صفات أو سمات كامنة غير ظاهرة ومن ثم فإننا لا نستطيع قياسها بشكل مباشر بل بشكل مباشر. ومن هنا فإن المقاييس النفسية بغض النظر عن تسميتها يفترض لها أن تعكس لنا هذه الصفات أو السمات (مهارات، قدرات، تحصيل، آراء، اتجاهات، تصرفات في مواقف محددة بَيَانَات تاريخ الحياة والبَيَانَات الاقتصادية والمَدْرَسِية والطبية والنَفسية وغيرها، وذلك من خلال ما تطرحه على الشخص من مهمات ((أسئلة)) يستطيع الباحث من خلالها استخلاص بعض الحقائق حول الكيفية التي يتصرف بها الإنسان في المواقف الواقعية عندما تواجهه متطلبات محددة. ومن أجل الاعتماد على هذه الأدوات يشير رضوان إلى أنه لابد بداية من أن يكون الباحث على معرفة عميقة ودقيقة بما يرغب قياسه وأن يراعي عددا من الشروط تطلق عليها نوعية الاختبار كالموضوعية والصدق والثبات. المقاييس النفسية أو الاستبيانات لا تقيس السلوك كله وإنما جزءا منه أو عينة منه. كما أنه من الصعب أن يتنبأ الاستبيان بالسلوك الفعلي للشخص، ولكننا نستطيع في أفضل الأحوال استنتاج الاستعدادات، أي ما يمكن أن يفكر أو يشعر أو يتصرف به الشخص في موقف معين. معايير علمية ويوضح رضوان أنه ومن أجل التوصل إلى استنتاج علمي من خلال الاستبيانات لابد من توفر شرط أساسي في التفسير المسؤول والموضوعي وغير المتحيز للنتائج، والذي يتم وفق معايير علمية تطلق عليها الموضوعية والصدق والثبات كما أشرنا أعلاه. فمن أجل التوصل إلى نتائج موضوعية قابلة للتقييم لابد إذاً من أن تتم صياغة الاستبيانات بطريقة دقيقة وبناء على المعرفة العميقة للباحث بموضوع تخصصه. وللأسف فإن كثيرا من الباحثين لا يولي لأدوات القياس هذه أهمية كبيرة و لا يكون ملماً بالأسس التي يقوم عليها إعداد الأدوات ومن ثم فإنهم يتوصلون إلى نتائج غير صحيحة وغير قابلة للتعميم والتطبيق، ومن ثم لا يمكن الاستفادة منها. فمقدار دقة الأداة في قياس ما، يفترض لها أنها تقيسه يقود إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها والوثوق بها. وغالباً ما يشكك البعض بالاستبانات وبأهميتها وصحة النتائج المستخلصة منها أو يمتلك أحكاما مسبقة، وقد وجهت في الماضي للاستبانات الكثير من الانتقادات، كون احتمالات الخطأ فيها قد تكون كبيرة، بدءا من مرحلة الإعداد وانتهاء بتحليل النتائج واستخلاصها، إلا أنها وعلى الرغم من ذلك تظل واحدة من الوسائل المهمة التي يصعب الاستغناء عنها في البحوث النفسية والتربوية. والخلل إن وجد فهو يرجع للباحث بالدرجة الأولى الذي يهمل في مراعاة الشروط المتعلقة بإعداد وصياغة الاستبيانات وتطبيقها واستخلاص النتائج وتحليلها. وبشكل عام، فإن النتائج التي يمكن أن تسفر عنها أدوات البحث العلمي في العلوم الإنسانية عموما، هي مؤشرات تساعد على تبيان اتجاه ظاهرة ما ولا تعد حقائق علمية مطلقة أو نتائج نهائية قاطعة، ومن ثم فإن الأمر متعلق بهذا الخصوص بالتفسير وليس بالأداة نفسها.