مرفأ قراءة.. صلاح فضل وتكثيف «مناهج النقد المعاصر»

إيهاب الملاح

(1)
في العام 1996 وضمن إصدارات مكتبة الأسرة صدر كتاب صغير الحجم (120 صفحة تقريبًا من الحجم الأقل من المتوسط) بعنوان «مناهج النقد المعاصر» للناقد الدكتور صلاح فضل؛ ولأنني كنت مهووسًا بالنقد ومذاهبه وتياراته آنذاك، وأتطلع إلى الانخراط في دراسته بشغف مجنون، بل أستعد فعليا للالتحاق بالكلية التي تيسر هذه الدراسة (كلية الآداب) فقد اشتريت الكتاب فورا وشرعت في قراءته.
كنت في المرحلة الثانوية، ولم أكن تمرست بعد بالمفاهيم والمصطلحات التي تواجهني في الكتاب؛ واستشعرت بعض الصعوبة (بل كثيرًا منها) وأنني في حاجة إلى بذل مزيد من الجهد في قراءة الكتاب واستخلاص أفكاره.
وظلّ الكتاب يرافقني طيلة السنوات التالية، أقرأه وأعاود قراءته وأستعين بقوائم الكتب وترشيحات القراءة الملحقة بنهاية كل فصل للاستزادة والفهم، وفك طلاسم المناهج والتيارات الحداثية وما بعدها (عانيتُ في البداية معاناة شديدة جدا جدا في فهم مبادئ وأصول البنيوية، والتفكيك، والأسلوبية، والسيميولوجيا… إلخ) منظومة تلك المناهج الحداثية.
وكانت فكرةُ أنْ تعودَ إلى الجذور الفلسفية والمعرفية التي أنتجتها هذه البيئات في أوروبا، كانت من الصعوبة بمكان في ظلِّ ثقافة لا تُبدي أي احترام من أي نوع للفكر الفلسفي، وتزدري العقل والعقلانية، وتخاصم أي معرفة مختلفة خارج السياق التراثي النقلي التقليدي.

(2)
من هنا بدأت معايشتي للكتاب والتعامل معه باعتباره مرجعًا شارحًا موجزا يمكنني من الانطلاق إلى مساحات أبعد وآفاق أرحب في الفهم والإلمام بأبعاد وجوانب هذه التيارات.. (مع كتابين آخرين يقومان بالمهمة نفسها؛ وهما «معرفة الآخر ـ مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة»، وكتاب شكري عزيز الماضي «في نظرية الأدب» الذي كان وربما ما زال من أفضل الكتب التعليمية “التبسيطية” في تيسير المعرفة النقدية بالمناهج والتيارات الغربية الحديثة).
ولا أنكر على د.صلاح فضل أبدًا قدراته الشارحة البارعة، ولا صياغاته اللغوية الأنيقة اللافتة المثيرة للإعجاب، وتشبيهاته المبتكرة وإيقاع جملته الأخاذ. ولم يطغ ذلك أبدًا على روح الانضباط العلمي والصرامة المنهجية فيما عالجه من مناهج ونظريات؛ كان يتوسع بحساب، ويحدد مادته بتخطيط ويركز الأفكار، بحيث يمكن استعادتها في تراتبها النسقي والإطاري دون تعثر أو انزلاق.
أما قدراته على التكثيف والتركيز وضرب الأمثلة فحدث ولا حرج، وهذه سمة مهمة أعتبرها معيارا حاسما في كفاءة الأستاذ والمعلم الجامعي، والناقد المتخصص، فأنا ممن يؤمنون بأن “الفاهم يفهِّم” (كما يقول دائمًا صديقي الناقد المبدع محمد عبد الباسط عيد) والمستوعب لدقائق الظواهر وتفاصيلها المتشعبة قادر دون شك على إعادة هذه المعرفة، بل إنتاج أشكال جديدة منها في كل مرة يقوم فيها باستدعائها وترديدها على مسامع طلابه ومريديه.
لكن مزايا الكتاب الكبيرة في ظني هي تلك القدرة على تأطير الأفكار الأساسية التي يعرض لها وفق مخطط صارم يبدأ من التعريف بذلك المنهج أو ذاك ثم الانخراط مباشرة في عرض أبرز مفاهيمه الاصطلاحية وأفكاره التأسيسية التي تمايز بينه وبين ما سبقه في النظر إلى مفهوم الأدب ولغته وحدود النوع أو الجنس الأدبي وآليات التحليل وأهم ما أنتجه هذا التيار أو ذاك من كتب تمثل أفكاره ومنطلقاته المنهجية والنظرية أبلغ تمثيل.

(3)
وبعد ربع القرن تقريبًا من ظهور هذه الطبعة، تعيد منشورات الربيع العربي إصدار طبعة جديدة منقحة من هذا الكتاب الشارح الممتاز؛ الذي يقسمه مؤلفه إلى قسمين متكاملين؛ وتحت كل قسم عددٌ من المناهج النقدية التي تنضوي تحت هذه المنظومة أو تلك:
القسم الأول؛ منظومة المناهج التاريخية الاجتماعية (وتضم المنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي الأنثروبولوجي)؛ وهي التي تجلت في نقدنا العربي تحت مظلة النقد الاجتماعي الواقعي؛ الماركسي حينًا‏،‏ والوجودي حينًا آخر‏،‏ والاشتراكي القومي في معظم الحالات، وحيث ترتكز على مفهوم “الالتزام” ومنطق “التطور التاريخي”‏،‏ ويُعنى بتوجيه الأدب لنقد الحياة والإسهام في صياغة المستقبل الواعد الطامح لثقافة منتشية بانتصارها بقدر ما أصبحت موجوعة بانكساراتها‏،‏ ويمارسه نقاد محترفون لأول مرة‏،‏ بل يكتبون الأعمال الابداعية‏،‏ من أمثال محمد مندور، ولويس عوض، ومحمود أمين العالم، وحسين مروة، وعلي الراعي، وغيرهم.
ويُعد المنهج التاريخي أول المناهج النقدية ظهورا ورسوخا في العصر الحديث، وذلك لأنه يرتبط بالتطور الأساسي للفكر الإنساني، وانتقاله من مرحلة العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وهذا التطور الذي تمثَّل على وجه التحديد في بروز الوعي التاريخي، وهذا الوعى التاريخي هو الذي يمثل السمة الأساسية الفارقة بين العصر الحديث والعصور القديمة.

(4)
أما القسم الثاني؛ فيضم منظومة المناهج اللسانية الحداثية (وما بعدها)؛ التي تعالج المناهج الآتية:
المنهج البنيوي، المنهج الأسلوبي، المنهج السيميولوجي (السيميوطيقا)، التفكيكية، نظريات التلقي والقراءة والتأويل، وأخيرا علم النص.
وهو يتحدث عنها في سياق ما يعرض له من مناهج نقدية “اليوم”؛ وكلمة “اليوم” هنا يعني بها المسافة الزمنية الواقعة في الربع الأخير من القرن العشرين‏ والربع الأول من القرن الواحد والعشرين،‏ هذا الفضاء الذي انبثقت فيه حركات النقد الحداثي العربية وأثارت من التداعيات وموجات الإعجاب والاستنكار ما حرك مياه الفكر الأدبي المعاصر‏،‏ وغير وجه البحوث والدراسات في الجامعات العربية‏،‏ وتسرب بمشقة إلى لغة الصحافة الأدبية‏،‏ لكنه تركز في المقام الأول في إنجاز كوكبة من النقاد العرب‏،‏ أصبحت لهم لغتهم المتميزة‏،‏ ورؤاهم الشاملة‏،‏ وفاعليتهم اللافتة.
لكن في الوقت ذاته، يعترف الدكتور صلاح فضل نفسه بهذه الصعوبة الظاهرة في التعامل مع منظومة المناهج الحداثية وما بعدها؛ نراه يقول، مثلا، إنَّ:
“حداثة المصطلحات البنيوية الجديدة‏،‏ وكثافة مفاهيمها واعتمادها على ركائز علمية في اللسانيات، والأنثروبولوجيا، والفلسفة الظاهراتية، لم تكن مألوفة في الخطاب العربي، وتعدد الاجتهادات العربية في المصطلحات بترجمتها و تبيِئتها بين المشرق العربي الذي كان يحتكر إنتاج المعرفة النقدية والمغرب الذي تقدم ليحتل موقعه في الخارطة الثقافية في العقود الأخيرة”.
وكذلك فإن “النظام الذي شرعت البنيوية في تطبيقه بصرامة على التيارات الأيديولوجية المهيمنة على التفكير العربي‏،‏ مما أحدث قطيعة قسرية مع الماضي القريب، لم يستسغها غالبية أبناء الجيل السابق. ولم يطيقوا نتائجها لأنها تمثل فصمًا لعلاقة الأدب بالمجتمع على مستوى التحضير المباشر لتصنع علاقة أخرى أكثر تعقيدًا في تثوير الفكر الأدبي على ذاته وتجديد خلاياه”..

(5)
ويختتم الكتاب بما يطلق عليه المؤلف “القرن الذهبي للنقد الأدبي”؛ يعالج فيه الموضوعات التالية: جيل الأساتذة، نقاد الأدب، نقاد الحداثة.
وهو يقصد بجيل الأساتذة؛ جيل الرواد الكبار الذين ولدوا حول العقد الأخير من القرن الماضي، حيث شهد عام 1889م على وجه التحديد مطلع معظمهم: طه حسين، عباس محمود العقاد، ميخائيل نعيمة. وقبلهم بقليل ولد عبد الرحمن شكري، وأحمد أمين، ومن بعدهم جاء إبراهيم عبد القادر المازني، وزكي مبارك، وأمين الخولي..
أما نقاد الأدب؛ فهي التسمية التي ارتضاها صلاح فضل لأبناء الجيل الوسيط، الذي يدور تاريخ ميلاد معظم أبنائه في نهاية العقد الأول وطوال العقد الثاني من هذا القرن، بحيث يصلون إلى نضجهم الفكري في الخمسينيات والستينيات.
وهو يعتبر محمد مندور (1907-1965) حامل لواء هذا الجيل الذي يشمل أيضاً لويس عوض، وحسين مروة، وأنور المعداوي، وعلي الراعي، ويتضمن عدداً من أبرز الأساتذة المشتغلين بتاريخ الأدب والنقد؛ أمثال شوقي ضيف، وسهير القلماوي، وإحسان عباس، ومحمد يوسف نجم، ورشاد رشدي، ومحمد غنيمي هلال، وعبد القادر القط، وشكري عياد، وعدد كبير من الأساتذة الآخرين.
وأخيرا نقاد الحداثة؛ ويقصد بهم هذا الجيل الثالث من نقاد القرن العشرين، وقد ولد معظمهم حول الأربعينيات، وبدأ عطاؤهم في السبعينيات، حتى بلغوا ذروة نضجهم المنهجي الآن عند ملتقى القرنين، وربما كان معظمهم من نقاد البنيوية وما بعدها، بتجلياتها المختلفة من توليدية، وشكلانية، وأسلوبية، وتفكيك، وسيميولوجيا، وقراءة تأويل، بالإضافة إلى عددٍ من النقاد والأساتذة الذين يقعون على الحواف الواصلة بين الجيلين من ناحية، والمازجة بين الاتجاهات الحداثية وما قبلها من ناحية أخرى.
لا أتردد في اعتبار هذا الكتاب من أحسن المداخل للتعرف على المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة لمن يبحث عنها.