كتاب “انقلاب المسلمين..” يقدم مراجعة جريئة للفكر الإسلامي

بالتعاون ما بين مؤسسة أونيكس للتواصل الفكري في بريطانيا، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان وبيروت، صدر مؤخراً كتاب “انقلاب المسلمين على رسالة خاتم النبيين” للمجدد الشيخ النيل أبو قرون من السودان، ويقيم في بريطانيا.
ينشغل هذا الكتاب كما جاء في كلمة الغلاف بقضيّة مركزية في الإسلام لم يتناولها الكثيرون بالتمحيص والانتباه، وهي الانقلاب الذي حصل بعد انتقال النبيّ العظيم للرفيق الأعلى، وكيف تحوّل الدين من دعوة إلى الأخلاق وحريّة المعتقد، موجهة للعالم بأسره، إلى خلافة سياسية ودولة تسلطيّة تسعى لاخضاع الآخرين لها عبر الحروب “باسم الله”، وهو انقلاب بدأ في “السقيفة” ولم تنته آثاره إلى يومنا هذا، ويرى المؤلف أن الله تعالى قد تحدث عن هذا الانقلاب في القرآن الكريم، بقوله ” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ”، ويناقش الشيخ المجدّد النيّل أبو قرون في كتابه هذا موضوعات كثيرة تصبّ في هذه التبدّلات المحورية، ومن ذلك التمييز بين العرب والأعراب، وتبدّلات الأهلة التي قادت إلى تغيير مواقيت العبادات، ومفهوم “الصحبة”، و”الجهاد في سبيل الله”، ومسائل إشكالية أخرى كثيرة.

ومثل كتبه السابقة يبدو هذا الكتاب صادماً للرؤية التقليدية عند الكثيرين للنص القرآني وما وصلنا عبر النقل من التفاسير والموروث، لكن الباحث والشيخ أبو قرون يواصل مشروعه بهدوء ومثابرة ودون تردّد، والذي عبّر عنه بالتفصيل في كتبه السابقة ومنها: بنو إسرائيل في أرض كوش، مراجعات في الفكر الإسلامي، نبيّ من بلاد السودان، الإيمان بمحمّد، شفاء الذمم، الإسلام والدولة، جوهر الحياة،.. وغيرها.

يقول المؤلف في مفتتح كتابه: “لقد تناولت في كتابي هذا مجموعة من الموضوعات، بدأتها بالتفريق بين “الأعراب والعرب”، وكيف أن النبيّ العظيم صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله لا يمكن أن يكون أعرابياً لأنّ الله أشار إلى الأعراب في غير موضع من كتابه بالتقريع والقدح، وأنّهم أشدّ كفراً ونفاقاً، وهم أكثر من سبب الأذى لنبيّه، كما أوضحت في موضوع آخر “إساءات المفسّرين وأهواء المتأولين”، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، عبر ما وصلنا من كوارث الموروث، كما بيّنت أهمية “تدبّر القرآن” وهذا يكون بالترتيل للآيات المتشابهة عبر جمعها معاً في رتل واحد لفهم معانيها، أما فصل “القلوب التي تعقل” فقد أشرت من خلاله إلى الارهاب العلمي اليوم الذي يمارس على من يفهم كلام الله الصريح، ومن ذلك أنّ القلوب التي في الصدور هي التي تعقل، وقد يكون لها أقفال أيضاً عن الفهم والتدبّر، وفي “العلم بالمستقبل” أظهرت أنّه لا يدخل في الغيب، فإنّ غيب الزمان الماضي والحاضر والمستقبل قد يكون متاحاً لمن يفتح الله عليه من البشر، أو أوتي حظاً من العلوم الحديثة، وهو ليس “الغيب” المقصود في القرآن وغير المتاح للبشر.
كما رصدت في “الصحبة وأحوالها” المعاني التي وردت في القرآن عن “الصاحب”، وأنّه قد يكون كافراً، وأنّ من الأصحاب من هو مؤمن ومن هو منافق، فلا ينبغي التعميم بصلاح الأصحاب جميعاً، وهذا وارد في النص القرآني والأحاديث النبوية، أما موضوع “الرسل والقتال” فقد بدا واضحاً من التفاصيل الكثيرة الفرق الهائل بين حكم الأمير أو الملك وحكم النبيّ أي شريعته، وهي التي لا يكون فيها إكراه للآخرين، وليست سلطة دينية أو مدنية على الناس، بعكس سلطة الحاكم التي تحتاج إلى قوّة وجند لفرضها، وفي هذا الفصل أمثلة جليّة مما جرى في الإسلام بعد رحيل النبيّ صلى الله وبارك عليه ووالديه وآله، وقد أشرت إليها بالتفصيل في موضوعين آخرين في الكتاب هما “الحكم عند المرسلين” و “لا إسلام لمكره”. إنّ “حرية الإنسان وأمنه” وسلامة نفسه هي الرسالة الخاصّة لكلّ بني البشر، وهي مفروضة عليهم، فمن لم يجد ذلك في وطنه الجغرافي المحدود، فعليه أن يهاجر لأنّ أرض الله واسعة.

إن الكثير من المسلمين اليوم يفهمون “الجهاد في سبيل الله” فهماً خاطئاً، أي بمعنى قتال الآخرين من غير المسلمين، وهذا مفهوم غير صحيح، وقد جرّ الويلات على المسلمين وعلى غيرهم من الأمم بسبب ذلك، وقد خصّصت مبحثاً في هذا الكتاب الذي بين أيديكم لتصويب هذا الفهم، كما ختمته بموضوع إشكالي وخطير هو “تبدلات الأهلة ” وذلك في العهد العمري حين تمّ ربط الأشهر القمرية بالشمسية دون مراعاة النسيء، وذلك بجعل الأهلة هي الأشهر، وهذا ما قاد بالتالي إلى زحف الأشهر القمرية عن مواعيدها السنوية الثابتة، ومواسمها التي عرفت بها بحيث أصبحت تدور على مدار العام، وهذا ما أدّى بالتالي إلى دوران شهر الصيام والحج أيضاً، وساهم في تشتيت الأمّة عن أوقات عبادتها الحقيقية، وهو موضوع شائك وخطير كما أسلفت بحاجة إلى تصحيح”. يقع الكتاب في 136 صفحة من القطع المتوسط.