كيف للاقتصاد السلوكي أن يخلق حلولا مبتكرة وغير مكلفة؟

د. منذر البوسعيدي:
– تركز دائرة الاقتصاد السلوكي على إعادة صياغة السياسات بأساليب تحث الأفراد على التطبيق وتحقيق مصالحهم
– وجود فريق يطبق مبادئ هذا الاقتصاد في كل منشأة سيساهم في خلق الكثير من الوفورات المادية
– نطمح لوجود قاعدة بيانات محدثة وشاملة تساعدنا والجهات البحثية على ابتكار حلول للتحديات التي تواجه المجتمع.

حوار – رحمة الكلبانية
مع انتشار وتوفر جميع المعلومات والحقائق على بعد نقرة أصبع بات من السهل على الأفراد معرفة مضار السجائر على الصحة، إلا أن ذلك لم يمنع الكثيرين منهم على مواصلة التدخين، وذلك كون تغيير السلوكيات البشرية ليس بالسهولة التي نعتقدها، فحتى مع توفر جميع الأسباب المنطقية لاتخاذ قرار معين يصب في صالحنا فإننا لأسباب غير واضحة في بعض الأحيان نقوم باتخاذ قرارات خاطئة. وهذا ما يحاول مفهوم الاقتصاد السلوكي تفسيره ومعالجته من خلال تطبيقات بسيطة وغير مكلفة تحث الأفراد على تغيير سلوكهم للأفضل، وقد يكون ذلك ببساطة من خلال وضع صورة لرئة تالفة نتيجة التدخين على علبة السجائر.
وفي حين يتوقع الاقتصاد بمفهومه التقليدي أن يختار الناس البديل الذي يصب في مصلحتهم دون الاهتمام بمدى تأثر قراراتهم بالعواطف أو المؤثرات الخارجية، يقوم “الاقتصاد السلوكي” بمزج الرؤى النفسية والاقتصادية، ويقوم بدراسة لماذا يتخذ الناس القرارات التي تعمل ضد مصلحتهم الذاتية، ومدى تأثر سلوكياتهم بالتحيزات العاطفية والمعرفية والاجتماعية.

ويمتد مفهوم الاقتصاد السلوكي ليشمل تكييف السياسات الحكومية لإيصال رسائلها بالصورة الأفضل للمجتمع، وبأساليب تضمن تطبيق الأفراد للسلوك المرجو منهم بطريقة فاعلة كصياغة رسائل فاعلة تحث على الالتزام بأساليب الوقاية من انتشار فيروس كورونا، أو عدم تجاوز السيارات من اليمين عند توقف الشارع بسبب الزحام، وغيرها. وقد أدركت السلطنة أهمية ذلك وقامت بإنشاء دائرة مختصة بالاقتصاد السلوكي تتبع وزارة الاقتصاد كأحد مخرجات رؤية عمان 2040 وبالتعاون مع فريق التبصر السلوكي البريطاني.

وأوضح السيد الدكتور منذر بن هلال البوسعيدي مدير الدائرة في حوار لـ”عمان” بإن إنشاء وحدة أو دائرة مختصة بالاقتصاد السلوكي جاء كحاجة ملحة لفهم سلوكيات أفراد المجتمع، من ثم اقتراح أفكار ومبادرات خلاقة وغير مكلفة ماديًا لمحاولة توجيههم للسلوك الأمثل الذي يعود عليهم وعلى الجميع بالنفع خاصة في ظل المتغيرات الاقتصادية التي يشهدها العالم في الآونة الأخيرة. وأجاب البوسعيدي خلال الحوار على الكثير من اشارات الاستفهام الواقفة على مصطلح “الاقتصاد السلوكي”.

أين تكمن أهمية الاقتصاد السلوكي.. وما أهم تطبيقاته؟

عندما تخطط المنظومات الحكومية لتغيير سلوك الأفراد نحو اتجاهات معينة، كالالتزام بلبس الكمامات كما هو الحال في جائحة كورونا، فإنها عادة ماتنظر للأمور بطريقة تقليدية من خلال سن قوانين وفرض عقوبات، وهي إجراءات فاعلة في بعض الأحيان ولكنها لاتنجح في أحيان أخرى، وذلك لأسباب اجتماعية ونفسية لايُنظر إليها في المدارس التقليدية ويركز عليها الاقتصاد السلوكي.
ولفهم الفرق الذي من الممكن أن يخلقه تطبيق مبادئ هذا النوع من الاقتصاد، سنذكر تجربة أحد المشافي في حث الكادر الطبي على غسل وتعقيم أيديهم باستمرار، حيث إنها لم تلجأ للطرق التقليدية من خلال توزيع المنشورات أو المراقبة بل من خلال نشر رائحة معقم قوية في أحد الممرات الرئيسية التي يتردد عليها الأطباء والممرضون بكثرة مما ذكرهم بالتعقيم، وقد شهدت التجربة نجاحًا كبيرًا. وهذا فقط أحد الأمثلة البسيطة.
ويضع الاقتصاد السلوكي تأثر الأفراد بالمجتمع والبيئة المحيطة عين الأعتبار ويحاول اقتراح حلول بناءًا على ذلك. فبالرغم من معرفتنا بمخاطر عدوى كوفيد 19 إلا أننا عندما ندخل إلى قاعة مليئة بأشخاص لايرتدون الأقنعة الواقية فإننا قد نتأثر بذلك لأحساسنا بإنه أصبح تصرفًا مقبولا، وكذلك الحال مع مخالفة قوانين المرور التي نشعر فيها بذنب أقل عندما نقترفها بشكل جماعي.
وينظر الاقتصاد السلوكي لتأثر الأفراد بالمجتمع المحيط كنقطة قوة يمكن الاستفادة منها لتغيير السلوك، ففي أمريكا على سبيل المثال عندما أرادت إحدى شركات الكهرباء حث المستهلكين على خفض استهلاكهم، قامت بإدارج رسوم بيانية توضح استهلاك الوحدات السكنية الأخرى في نفس الحي، وعملية المقارنة هذه قد حققت بالفعل النتائج المرجوة وبأسلوب بسيط وغير مكلف.
وكما يلتفت هذا النوع من الاقتصاد إلى تأثير الشعارات والصور وحتى الألوان من حولنا، وكيف يمكن لنا أن نوظف ذلك في دفع الأفراد للقيام بسلوكيات ايجابية. وهنا نذكر تجربة جامعة بريطانية قامت بوضع صور مختلفة على صندوق التبرعات، ولاحظت بأن المساهمات كانت تزداد عند وضع صورة لـ “عين” والتي يترجمها عقل الإنسان كجهة مراقبة، في حين انخفضت عند وضع صور أخرى كالزهور.

كيف تعمل دائرة الاقتصاد السلوكي؟ ومن تستهدف؟

يتركز هدف الدائرة في الآونة الحالية في تفعيل مفهوم الاقتصاد السلوكي في عملية صياغة القرارات، والعمل جنبًا إلى جنب مع صناع القرار، بهدف أن نضع جرعات من تطبيقات هذا الاقتصاد للمساهمة في حث الأفراد على الالتزام بالسلوكيات المرجوة منهم، كسياسات رفع الدعم الكهرباء مثالا، حيث نهدف أن نكون إلى جانب صناع هذا القرار منذ البداية ومساعدتهم في صياغة الرسائل والسياسات بطريقة تدفع الأفراد إلى ترشيد الكهرباء بشكل فاعل، من ثم متابعة تطبيقهم للقرارات والتعديل عليها إن وجب.
وتقوم الدائرة بعد صياغة السياسات بقياس مدى فاعلية التجربة أو التطبيق من خلال التجارب السلوكية، أي أن تقوم بتطبيق تلك السياسات أو القرارات العامة على مجموعة من الأفراد لقياس أثرها ومدى فاعليتها قبل تعميمها على قطاعات وشرائح أوسع.

ولنشر هذا المفهوم بشكل أوسع، تقوم الدائرة بعقد دورات ومحاضرات في مختلف المؤسسات والوزارات، كما ستعقد ورشة تستهدف صناع القرار في القطاع الحكومي منتصف العام الجاري، وذلك لمساعدتهم في توظيف مبادئ الاقتصاد السلوكي دون الحاجة للرجوع إلى الدائرة خاصة وأن امكانياتها لا تكفي للعمل مع جميع المؤسسات في الوقت الراهن.
ولقد بدأت أعمال الوحدة في فبراير من العام المنصرم من خلال ورشة تعريفية بالتعاون مع أقدم وحدة للاقتصاد السلوكي في العالم وهي الوحدة البريطانية، أو ما يسمى بفريق التبصر السلوكي، والتي ساهمت بدورها أيضا في تأسيس الوحدة داخليًا من خلال وضع الاستراتيجات وتزويدنا بالمهارات اللازمة بالإضافة إلى تحديد المشاريع التي يمكن تطبيقها خلال المرحلة القادمة بحيث تتناسب مع رؤية عمان 2040، وأن تكون ذات نتائج شبه مضمونة.
وقد قمنا خلال العام المنصرم بتركيز جهودنا لبناء الدائرة داخليًا من خلال تدريب الموظفين وتأهيلهم في هذا القطاع من خلال مدهم بالمهارات الأساسية ومن أهمها أساسيات علم السلوك، والقدرة على التحليل، والقيام بالتجارب السلوكية. كما عملنا على وضع الاستراتيجية الأنسب للدائرة وآليات اختيار المشاريع وفق التحديات التي يواجهها المجتمع.

ما أهم التطبيقات التي تعملون على تبنيها في المرحلة القادمة؟

وضعت الدائرة حتى الآن أربعة أوراق سياسات عمل ركزت على أهم التحديات الموجودة في مجالات ترشيد الكهرباء، وسوق العمل، والتعليم، وورقة حول إمكانية استخدام علم الاقتصاد السلوكي للمساهمة في تقليل انتشار عدوى كوفيد 19 وتعزيز التزام الأفراد، وقد تم رفعها إلى لصناع القرار.
كما تعمل الدائرة في الوقت الراهن مع بعض الجهات للوقوف على بعض التحديات التي تواجهها، وأخذ استشارات في طريقة التعامل معها بشكل فاعل من خلال تطبيقات الاقتصاد السلوكي، ومن هذه الجهات هيئة البيئة التي نعمل معها في مجال صياغة الرسائل التوعوية المتعلقة بالحفاظ على النظافة، واستبدال الأكياس البلاستيكية بطريقة مقنعة وتحث على تغيير سلوكيات الأفراد بشكل فاعل.

ماذا سيحدث لو تبنت جميع المؤسسات هذا المفهوم؟

لو أن كل منشأة حكومية كانت أم خاصة قامت بتطبيق مبادئ الاقتصاد السلوكي، وأوجدت له فريقًا خاصًا فإنها بلاشك ستحقق الكثير من الوفورات، حيث إن هذا المفهوم يقوم على خلق حلول مبتكرة وبسيطة وغير مكلفة في الكثير من الأحيان.
ونذكر هنا تجربة قامت بها إحدى الجامعات حين ارتفع الطلب على أوراق الطباعة وبات الأمر مكلفا، قامت بتغيير إعدادات الطباعة لتقوم بالطباعة على الوجهين. هذه عملية غير مكلفة على الإطلاق ولكنها ساهمت في توفير 55 مليون ورقة وأنقذت ما يقارب 4000 شجرة. وهناك الكثير من التحديات التي يمكن حلها بمثل هذه الطرق في مؤسساتنا.

كيف تضمن الدائرة الالتزام بالمعايير الأخلاقية عند التطبيق؟

قد يتبادر إلى أذهان البعض أن الهدف من الاقتصاد السلوكي هو التحكم بالأفراد وهو أمر غير صحيح، ففي الدائرة تتمثل رؤيتنا في إعادة صياغة وتنفيذ السياسات بهدف تحقيق رفاهية المجتمع. ولضمان عدم الإخلال بالمعايير الاخلاقية أثناء ذلك اقترحت الدائرة تأسيس مجلس استشاري يضم في عضوية ممثلين من القطاعين الحكومي والخاص ومستشارين دوليين وممثلي دوائر الاقتصاد السلوكي في الدول الأخرى وأكاديميين من جامعة السلطان قابوس لاستشارتهم في المشاريع التي نطبقها وتبادل المعرفة والتجارب بشكل عام.

ماذا نحتاج لتعزيز فوائد وثمار هذا الاقتصاد؟

إن تطبيق مفهوم الاقتصاد السلوكي ونشره والاستفادة منه بالطريقة الأمثل يتطلب تعاون الجميع، كما يعتمد بشكل رئيسي على توفر البيانات الدقيقة والمحدثة، وهذا ما نتمنى أن تعاوننا المؤسسات المختلفه فيه، وأن تتفهم بأن تطبيق أي سياسة استنادًا إلى بيانات خاطئة قد يؤدي إلى نتائج غير محمودة. كما نطمح لوجود قاعدة بيانات محدثة وشاملة وذات جودة عالية تساعدنا والجهات البحثية الأخرى على ابتكار حلول للتحديات التي تواجه المجتمع.
ولتعزيز الجانب البحثي وإيجاد كوادر مؤهلة في هذا المجال، نطمح لأن تكون هناك شبكة تواصل فاعلة مع الجهات الأكاديمية في السلطنة، كما أن تقوم الجامعات بفتح برامج تعليمية تعطي الجرعة الأساسية لمفهوم الاقتصاد السلوكي وامكانيات تطبيقه.