رجال ريا وسكينة

أمل السعيدية

أتذكر مشاهد غير واضحة من مسرحية ريا وسكينة، التي كانت تبث فترة الأعياد، النسخة التي شاهدناها وعرضت على الشاشات العربية هي تلك التي أنتجت عام ١٩٨٠م بطولة سهير البابلي وشادية وعبدالمنعم المدبولي، إلا أنني لا أنسى أن ريا وسكينة سترتكبان جريمة ستسعيان لإخفائها عبر الارتباط برجال لهم نفوذ. لكن حالما وقع نظري على كتاب صلاح عيسى “رجال ريا وسكينة – سيرة اجتماعية وسياسية) حتى أثارت القصة اهتمامي، فعادة ما نقرأ الأحداث التاريخية متجزئة من سياقها الذي وقعت فيه، مما يغيب علينا التفسيرات الممكنة للظروف التي نشأت فيها هذه الأحداث.
يقع الكتاب في قرابة ١٠٠٠ صفحة، مزودة بالصور، لاشك أنها كانت مغامرة شاقة، خصوصاً وأن الموضوع الذي أقرأ عنه هو سلسلة جرائم ارتكبت بدم بارد وبإصرار لم يكن يجابهه أي تردد! فما الحكاية؟ ما هي الظروف الإنسانية التي تخلقت فيها هذه الشخصيات القادرة على الإقدام على جريمة بشعة كهذه؟ وهل يمكن للإنسان أن يتحول ليكون قاتلاً ببساطة؟ ثم ما هي مساهمة المكان في الدفع بهذه الظروف إلى هذا المحك؟ وكيف استقبل الناس هذا الحدث الذي كتبه التاريخ؟ وبالفعل يعدنا صلاح عيسى في الفصل الأول من الكتاب، بمتابعة الحدث التاريخي بدأب، والبحث عن القصص التي لم تسرد عنه، وأن يقدم لنا القصة كاملة، وكان قد تطرق للسرديات التي تناولت “أسطورة ريا وسكينة” في الأعمال الفنية والأدبية، التي ساهمت في انتزاعها من سياقها التاريخي، وغَرّبتها عنه، كما كان أبطال هذا التاريخ مهمشين على الدوام. وبهذا فإننا لن نقرأ قصة ريا وسكينة فقط، بل تاريخ مدينة الإسكندرية، والشوارع الخلفية البائسة لهذه المدينة، فترة الانتداب البريطاني، في عشرينيات القرن العشرين.
اذن يُعد هذا الكتاب بمثابة أرشيف للواقع الاجتماعي والسياسي الذي ظهرت فيه حادثة ريا وسكينة الشهيرة، لكن أول مفاجأة بالنسبة لي، كانت أن الرجال هم من ارتكبوا هذه الجرائم بشكل مباشر، وأن ريا وسكينة ما هنَّ إلا عضوتان في مجموعة مكونة من خمسة رجال. وتبدأ القصة من رحيل أفراد عائلة آل همام وتغريبتهم من الجنوب المصري (الصعيد) نحو الإسكندرية بسبب ضيق العيش، الأمر الذي كان ينتشر بكثرة في تلك الفترة، ولأن الحياة في مدينة الإسكندرية صعبة، تتجه كثير من النساء للعمل في بيوت البغاء المصرح لها بمزاولة العمل من قبل الحكومة، إلا أن الشروط التي تضعها هذه الأخيرة، بداية من الضرائب و الفحوصات الطبية الدورية للعاملات في هذه الدور، تدفع الكثير من النساء لمزاولة المهنة بالسر فيما سيعرف ببيوت البغاء السري “الكرخانة”. وفي هذه الحقبة الزمنية نفسها، كان العالم يطحن برحى الحرب العالمية الأولى، التي وجدت السلطات الإنجليزية بعد مضي وقت قصير عليها، ضرورة إلزام مشاركة المصريين في أعمال جانبية تتعلق بالحرب، أو حتى الدفع بهم في مواجهتها مباشرة. وبالإضافة لتسخير المصريين القادمين من الصعيد خصوصاً في أعمال هذه الحرب، كانت الخسائر الاقتصادية في العالم وفي مدينة الإسكندرية هائلة، تسببت بكساد أثقل على سكان المدينة وزاد من جحيم أيامهم.
ومع متابعة قراءة هذه السيرة سرعان ما نكتشف أن الرجال الذين شاركوا في جرائم قتل ١٧ امرأة ودفن النساء تحت أرضية الغرف التي يأكلون وينامون ويعيشون فيها فيما سيعرف بـ “جريمة ريا وسكينة” كانوا جميعاً قد شاركوا في الأعمال المرتبطة بالحرب العالمية الأولى مع الجيش الإنجليزي، فيكتب صلاح عيسى عن أثر ذلك على استعدادهم النفسي الكبير بالإضافة لفقرهم الشديد للإقدام على هذه الجريمة البشعة دون تراجع.
نلاحظ أن البلاغات التي كانت تُقدم من قبل أسر الضحايا يتم تجاهلها باستمرار، بينما تحدث الجريمة بجانب قسم شرطة اللبان، دون أن يكون هنالك أي شكوك تحوم حول مرتكبي هذه الجريمة. ربما لأن الضحايا نساء، وقد تعود البوليس آنذاك على تجاهل قضايا اختفائهن، ظناً أنهن هجرن أسرهن للعمل في بيوت البغاء أو بصحبة رجل ما! حتى تتفجر كل القضية مع الضحية السابعة عشرة فردوس! والتي سيصدم معها العالم بتفاصيل هذه الحادثة.
يقدم لنا صلاح عيسى فصلاً كاملاً عن تفاعل الصحف والأعمال الفنية والأدبية مع الحادثة في الوقت الذي وقعت فيه، وميزة هذا الكاتب أنه يحتوي على صور وثائق وقصاصات جرائد بالإضافة لصور المتهمين في الجرائم وصور بعض الضحايا، وصور مؤلمة للغاية لبقايا رفاتهن التي حصل عليها البوليس أثناء التحقيق في الجريمة. هذا كتاب مهم، وينبغي أن نقرأه بيقظة، وأن نفهم دروسه، ونناقش استنتاجاته.