قراءة الفن الصخري.. محاولات لفهم حديث الصخور

حوار – بشاير السليمية –

كان غيَّاث العبري ينظر للصخور على أنها صمّاء معدومة الحياة لكنه حين بدأ يبحث فيها عن آثار حياة الإنسان القديم الذي عاش قبل آلاف السنوات تغيرت نظرته كلياً، وحين وجد تلك الآثار ورآها بأم عينيه وحاول فهمها، بدأ يسمع «حديث الصخور» وخطابها حسب تعبيره، إلى أن صارت بالنسبة له مفعمة بالحياة ومليئة بالأسرار، فأصبح وقته مع الصخور ممتعاً على الرغم من قسوة التضاريس والمشقة التي تواجهه أثناء صعود الجبال أو المشي لمسافات طويلة في الأودية. وهذا ما دفعه لأن ينشئ حساباً على الإنستجرام (rockspeech@) يشارك فيه الناس رحلات القراءة الصخرية، ويطلعهم على ما يراه من هذا الفن الصخري القديم.
ويعرّف علم الآثار الفن الصخري على أنه معالم من صنع الإنسان، مصنوعة على الحجر الطبيعي؛ حيث عُثر عليه في عدة مناطق متنوعة ثقافياً حول العالم. وعادة ما تنقسم هذه الأعمال الفنية إلى ثلاثة أشكال: نقوش ما قبل التاريخ، والتي تم حفرها على سطح الأحجار، الرسوم الصورية، والتي تم رسمها على السطح، والشخصيات الأرضية، والتي تم تشكيلها على سطح الأرض. تعود أقدم أعمال الفن الحجري إلى العصر الحجري القديم العلوي، والتي عُثر عليها في أوروبا، أستراليا، آسيا وإفريقيا.
وفي الحديث عن البدايات، سألته عن بداياته مع الفن الصخري وعلاقته بالصخور، فقال: البداية كانت حين أثار فضولي أحد الأصدقاء بشأن أبجدية عُمانية اكتشفها المهندس حارث بن سيف الخروصي وأسماها بـ «خط السحتن» نسبة لوادي السحتن حيث موقع تلك الأبجدية على جدار صخري مليء بالنقوش والرسومات الصخرية، وقد تزامن ذلك مع الإعلان عن مسابقة للأفلام الوثائقية القصيرة خاصة بمحور التراث المادي لسلطنة عُمان، ومن هنا بدأت الرحلة، حيث قررنا أنا وثلاثة أصدقاء أن نتخذ هذه الأبجدية القديمة موضوعاً للفيلم الوثائقي الأخير وقد أنتجناه بعنوان «الأثر الباقي- فن الإنسان القديم الصخري» وفي رحلة الإعداد قمت بالبحث ومقابلة عدد من الأشخاص المهتمين بهذا المجال وتعرفت على جوانب مثيرة محلياً وإقليمياً وعالمياً عن الفن الصخري مما جعلني استمر في البحث المعرفي والميداني عن هذه التدوينات البشرية الضاربة في عمق التاريخ والتي دوَّنها الإنسان القديم على الصخور لتبقى حتى يومنا هذا.
وعمن يستعين بهم في رحلات القراءة الصخرية أجاب: أغلب الأشخاص الذين تعرفت عليهم في هذا المجال هم ليسوا متخصصين، وإنما باحثين ومهتمين بالتاريخ ومنها مجال النقوش والرسومات الصخرية والذين قطعوا شوطاً أطول مما فعلت أنا في هذا المجال وهم بالتأكيد مرجع أستعين به من أمثال الأستاذ أحمد بن حمد العامري والمهندس حارث بن سيف الخروصي والأستاذ حميد الراجحي «متخصص في علم الآثار» وغيرهم من الأساتذة الذين يتكرمون بإبداء آرائهم عبر حسابي الخاص بهذا المجال في منصة إنستجرام.
وحول فكرة جمع رحلات قراءة الصخور في كتاب، أكد على أن الفكرة حاضرة، وتابع: من المهم جداً توثيق هذه الشواهد التاريخية بالأخص حين نعرف أن كثيراً منها قد تمت إزالته بفعل التوسع العمراني، بالرغم من الجهود التي تبذلها الجهات ذات الاختصاص في هذا المجال إلا أني أعتقد بأن كثير من النقوش والرسومات الصخرية غير مسجلة رسمياً وبالتالي فإنها معرضة لعوامل كثيرة تهدد بقائها.
وفي سؤالنا له حول ما إذا كان يجد أن هذا الجانب من التراث/ الفن مهملا في عُمان وكيف يمكن التشجيع فيها له وتوثيقه، قال: لا يمكن أن نقول أنه مهمل بشكل مطلق لأن هناك وزارة قائمة على هذا القطاع المهم وهناك جهود بذلت وتبذل للحفاظ عليه، لكن لا يوجد جهد يصل لدرجة الكمال، ومن خلال مشاهداتي في عدة مواقع فإن الجهود تحتاج إلى تعزيز وفاعلية، فمثلاً حصاة بن صلت على أهميتها العالية إلا أنها لا تزال تعاني من ظروف كثيرة تهدد بقائها، أولها عوامل التعرية الطبيعية، وأكثر تلك الظروف تأثيراً في الوقت الحاضر هي الممارسات البشرية غير الواعية والتي تسببت سابقاً بتشويهها وما زالت مستمرة.
وتابع: كما أني رصدت وجود حيازات غير قانونية بإنشاء أماكن لتربية الماشية والمناحل على بعد أمتار قليلة منها دون أي مراعاة لأهميتها التاريخية، فحصاة بن صلت ليست هي المعلم التاريخي في تلك المنطقة بل المنطقة المحيطة بها والتي أظن أنها لم تبح بكل أسرارها بعد، هذا الوضع يتكرر مع مواقع أخرى في ولاية الحمراء وبالأخص مع ما يمكن أن يكون أقدم مستوطنة بشرية فيها ومواقع أخرى في ولاية نزوى وولاية بهلا وولاية بدبد وأماكن أخرى، لذا فإنه من الأهمية إيلاء هذه المأثورات اهتماماً خاصاً لحفظها للأجيال القادمة ودراستها بشكل أكثر تنظيماً وعُمقاً وبالتالي استثمارها معرفياً وسياحياً، فما المانع من تنظيم المدارس مثلا لزيارات طلابية لهذه المواقع وتعريفهم على هذا الجانب المهم من التاريخ في أرض عُمان العظيمة فالتاريخ ليس فقط القلاع والحصون، بل أن القلاع والحصون هي الجزء الأحدث من التاريخ مقارنة بهذه النقوش والكتابات.