صدور كتاب مَفهوم المُواطَنة أو صورة السيتزنية في المُستقَر الإيمَاني

صدر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، كتاب مفهوم المواطنة أو صورة السيتزنيَّة في المستقرِّ الإيمانيّ. يحاول مضر رياض الدبس في هذا الكتاب وضع تصورٍ جديد في فهم معنى «المواطنة»، واستخداماتها، ودلالاتها، وتأثيرها، في مستوياتٍ متعددة. ويعدُّ الكتاب الأول من نوعه، من حيث المنهجية التي استخدمها المؤلف في مقاربته للمفهوم، حيث لم يُسلِّم لافتراض تكافؤ معنى كلمة «مواطنة» العربية، وكلمة «Citizenship» أو مرادفاتها في اللغات الأوروبية؛ ورأى أن استيراد المصطلح لا يؤدي بالضرورة إلى استيراد معناه، بل يؤدي إلى تشكيل صورة له في المجتمع المستقبل تتأثر بالضرورة بذهنية الناقل وطبيعة فهمه لنفسه وللآخر الذي ينقل منه؛ الأمر الذي يعني أن فهم «المواطنة» انطلاقًا من المفهوم الغربي فهمٌ غير كافٍ ولا يعطي صورة دقيقة، ولذلك لجأ المؤلف عوضًا عن ذلك إلى تحليل مفهوم المواطنة إلى ما يسميه «عوامل أولية»، تشكل بمجملها فهمًا مقاربًا له، استند إليه لوضع تصورٍ نظري للانتقال من الرعوية إلى السيتزنية (ترجمة حرفية لكلمة «Citizenship» على غرار الديمقراطية) بوساطة آلية يسميها المؤلف «العلاج بالأدلوجة»، ويستند في طرحها إلى غلبة النهاجية الإيمانية في المجتمع المستقبل الفاهم والمُترجِم.
وفي سياق هذا التحليل، يقدم الكتاب إلى قارئه مجموعةً من المصطلحات الجديدة التي تدل على عوامل المواطنة الأولية وهي: المُمادرة (تشارك المَدَر)، والمُمادرة الإسلامية، والمُناهجة (تشارك النهج النبوي)؛ لتشكل إضافةً إلى الرعوية والسيتزنية عوامل المواطنة الأولية بعد التحليل. ويتناول الكتاب هذا العوامل كل على حدة وصولًا إلى توصيف المشكل البارادايمي في مقاربة المواطنة، وهو المشكل الذي يؤدي إلى «مرض المصطلح ومن ثم إنهاكه دلاليًا بما ينوء بحمله». ويقترح الكتاب «بارادايم المواطنة البديل»؛ فيقدمه بوصفه منقذًا لكلمة المواطنة من الانفلات الدلالي.
وتطرق الكتاب إلى علاقة السيتزنية بالإسلام، ووضع لذلك آلية جديدة لفهم أكثر دقةٍ لهذه العلاقة من خلال أنموذج منهجي يسميه المؤلف «حلقتي التغذية الراجعة سلبًا وإيجابًا»، وصولًا إلى فكرة الاعتدال في النسق الباراديمي. واستند الكتاب بمجمله إلى مفهومٍ مركزي هو مفهوم الأخلاق، وجعل منه مفهومًا استناديًا ومفتاحيًا لمفهومات أخرى كوّنت البنية الأساسية لطروحاته جميعها، ومرد ذلك إلى قناعة المؤلف أن الأخلاق لا يمكن أن تنفصل عن الفكر والسياسة، وخصوصًا في هذه المرحلة من التاريخ.
يتألف الكتاب من 336 صفحة من القياس الكبير، ويَمتدُ على ثلاثة فصول، يُقدِّم الأول مُقاربات التمهيدية تتضمن تحليلًا لمفهوم «المواطنة» إلى عوامل أولية، من منظورين تاريخيين: غربي (البوليتيا والسيفيتاس)، وعربي وإسلامي (المُمادرة والمُناهجة والرعوية). وفي الفصل الثاني يطوِّر المؤلف أنموذجًا ذهنيًا لفهم السيتزنية فهمًا مطابقًا لواقع الحداثة، وملائمًا للتمهيد للانتقال من الرعوية إلى السيتزنية، ويقارب السيتزنية في حقلها الدلالي والمنهجي، ويدرس علاقتها بالمفهومات المختلفة التي تنتمي إلى هذا الحقل مثل الديمقراطية، والمجتمع المدني، والوطنية، والأخلاق، ورأس المال الاجتماعي الوطني، الذي أولاه المؤلف اهتمامًا خاصًا ناتجًا من أهميته في فهم السيتزنية وممارستها، والأهم في ابتكارها، وصولًا إلى تصورِ فهمٍ أكثر نضجًا يتكوَّن نتيجةَ التربية السيتزنية السليمة والحديثة. وفي نهاية الفصل يتطرق المؤلف إلى تحول هذه السيتزنية الناضجة إلى منهج تفكير ومن أبرز إنتاجاتها السيتزنية البيئية.
وفي الفصل الثالث زبدة الكتاب، وفيه حلولٌ تصب جميعها في تكوين مادة نظرية للانتقال من الرعوية إلى السيتزنية، ومُقترحٌ يدَّعي المؤلف أنَّه ذو طابعٍ علاجي لمرضٍ لازمنا لمدة طويلة، وهو مرض الرعوية. واستند المؤلف في طرحه إلى المدرسة العلاجية التي تداوي الداء بالتي كانت هي الداء، أي العلاج بالأيديولوجيا. وفي هذا الفصل أيضًا مقاربةٌ لعلاقة الإسلام بالسيتزنية، بوساطة تطوير أنموذج مفاهيمي نظري سمّاه المؤلف «المسار الدوراني التأخري»، أو «حلقة التغذية الراجعة سلبًا»، وصولًا إلى تحديد نطاقات مركزية لمفهوم المواطنة، واقتراح نسق بارادايمي يعطي المفهوم صلاحية جديدة، ويجعل منه مفهومًا صالحًا.
مضر رياض الدبس، هو كاتب وسياسي سوري مهتم بقضايا علم الاجتماع السياسي، له العديد من الدراسات والمقالات المنشورة، وصدر له عن المؤسسة العربية للدرسات والنشر، كتاب عقل الجهالة وجهل العقلاء 2014. وإضافة إلى مفهوم المواطنة، يصدر له قريبًا كتابًا آخر بعنوان «في ضوء الألم» وهو تفكيرٌ في بنى الاجتماع السياسي السوري.