إعلامي يمني يلتقط مليون صورة على مدى نصف قرن

صنعاء – «د ب أ»: قبل 65 عامًا ولد المصور اليمني عبدالرحمن الغابري، الذي بات يمثل ذاكرة أرشيفية مهمة لبلاده، بعد أن استطاع التقاط أكثر من مليون صورة على مدى أكثر من نصف قرن، كحالة استثنائية ونادرة في عالم التصوير.
حياة الغابري مرت بتجارب عديدة! ومراحل دراسية وتعليمية وعملية مليئة بالتنوع، وجديرة بالاهتمام.
بدأ الغابري دراسته قبل ستين عاما، في قريته بمحافظة ذمار شمالي اليمن، فيما كان يسمى الكتاتيب، وعمره حينها خمس سنوات، والتحق بعدها بمدرسة الأيتام في صنعاء، ثم أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في المدينة نفسها.
وبعد إكمال الثانوية العامة بعث للدراسة في سوريا بمجال الفنون الإعلامية من تصوير وفرز اللون الطباعي وجمع المقالات والكتب.
درس الغابري أيضًا الموسيقى والتمثيل في معاهد خاصة على نفقته، ثم تخصص في لبنان في الإخراج السينمائي التسجيلي.
الغابري أيضا عضو مؤسس لنقابة الصحفيين اليمنيين منذ عام 1976، إضافة إلى عمله في وقت سابق مخرجا سينمائيا، وعمله في مجال الموسيقى والطرب والتمثيل، مع كتابة العديد من المقالات الأدبية والفنية.

بداية مرحلة التصوير

في عام 1968 دخل غرفة لتحميض وطبع الصور، واستمر فيها أشهرا، يقوم بتحميض وطباعة أفلام الآخرين الصورية، التي كانت من لونين فقط «أسود وأبيض»، وفي نهاية ذلك العام خرج الغابري يصور ميدانيا بشكل محدود، كونه لا يملك سيارة أو حتى دراجة هوائية، حينها حتى الكاميرا أيضًا لم تكن ملكه، بل ملك الحكومة، وحينما امتلك كاميرا بسيطة خرج راجلا وأنتج صورا قام بتحميضها وطبعها.
يقول الغابري لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ): «التصوير بمعناه الفني هو عشق وليس دافعا، فحب الطبيعة الجميلة وحياة الناس البسيطة هو ما ألهمني لتجسيد تلك المشاهد بالصورة… أي حبس اللحظة الرائعة كي تبقى بحوزتي خشية فقدانها مع المتغيرات الزمنية».
يعتقد الغابري أن الصور التي نالت حب الناس وأحدثت أسئلة هي كثيرة، معظمها من لونين أسود وأبيض والأخرى ملونة.
وفيما يتعلق بأجمل الصور التي التقطها يقول «لا أستطيع تفضيل صورة عن أخرى لأن كل صورة لها فكرتها وواقعها في ذاتي وذائقتي، لكن الآخرين قد تعجبهم صورة أو صور، كل بحسب قراءته لها».
ومن تلك الصور التي التقطها وكان لها صدى واسع صورة راقصات مع جنود على ظهر شاحنة، وصورة امرأة كبيرة تتزين بالمشاقر (نوع من الورد) والحلي، وصور عن زلزال ضرب محافظة ذمار شمالي اليمن عام 1982، إضافة إلى صورة رجل يحمل امرأة في الشارع العام وهما مبتسمان رغم حالتهما المعيشية الفقيرة جدا، وكذلك صور كثيرة ملونة منها امرأة مسنة ترتشف الشاي.

تصوير زعماء عدة دول

نجح الغابري في التقاط صور عديدة لمشاهير في السياسة والفن والأدب محليًا وعربيًا ودوليًا، فعلى المستوى المحلي قام بتصوير كل مشاهير الفن والطرب، من موسيقى ومسرح ورقص، مع التقاط صور أشهر الأدباء والكتاب، منهم من قد رحلوا ومنهم أحياء، وكذلك وثق صورًا لرجال ونساء في المجال السياسي.
واستطاع الغابري تصوير جميع رؤساء اليمن شمالا وجنوبا، فقد كان مرافقًا أحيانًا لثلاثة رؤساء راحلين هم إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي وعلي عبدلله صالح، إضافة إلى تصوير رؤساء دولة الجنوب اليمني سابقا قبل الوحدة، مثل الرؤساء عبدالفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد وعلي سالم البيض.
وعلى المستوى العربي قام بتصوير العديد من الرؤساء والزعماء الراحلين ومن بينهم الرئيس المصري محمد حسني مبارك، والملك الأردني الحسين بن طلال، والرئيس العراقي صدام حسين، والرئيس السوري حافظ الأسد، والملك عبدالله بن عبدالعزيز والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والرئيس الليبي معمر القذافي، إضافة إلى زعماء آخرين.
كما التقط الغابري على المستوى الدولي صورًا لرئيسين أمريكيين سابقين هما جورج بوش الأب، وجيمي كارتر، مع تصوير الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران وزعماء آخرين.
وحول عدد الصور التي التقطها على مدى أكثر من نصف قرن أوضح الغابري أنها تفوق مليون صورة، مشيرًا إلى أن التصوير الفوتوغرافي مع التكنولوجيا الحديثة انتشر بشكل كبير وكذلك التصوير الحركي الفيديو، حيث معظم الناس باتوا يلتقطون الصور حتى بالهاتف.
واستدرك قائلا: «لكن ما هي الصورة بمعناها الهادف والتقني الحرفي؟ هنا نستطيع أن نطلق عليها صورة لموهوب واحترافي، ونستطيع حينها فرز المصور الفنان والمصور غير الموهوب أو العابث».

عبء الكاميرا والحرب

فيما يتصل بتأثيرات الحرب عليه وعلى المصورين أفاد الغابري «الحرب والمتحاربون وتجار الحرب دمروا نفسياتنا وقيدوا حرياتنا».
وأضاف: «شخصيا ومعي أبنائي وطاقمي لا نستطيع أن نتحرك بحرية، وإذا طلبت منا أي جهة أن نصور لها فالعراقيل كثيرة جدا، وحمل الكاميرا يسبب لحاملها مشاكل لا حصر لها… إنهم يعبثون بحياتنا بأساليبهم القمعية المتخلفة بشكل مريع ومقرف».
وتابع: «إننا في عزلة ومقيدون تماما، ونستغرق لتلك الإجراءات الأمنية المذعورة الخارجة عن منطق العصر والحياة، ولولا أن لدي أمل بانفراج الأوضاع لمت كمدا وقهرا، أو هاجرت وطلبت اللجوء الإنساني إلى أي بلد يحترم الإنسان والفنان على وجه الخصوص».
وفيما يتصل بطموحاته بعد عمره المديد الحافل بالإنجاز أضاف بنظرة تفاؤلية إيجابية: «لا تتوقف طموحاتي عند العمر المتقدم… ما زلت أطمح كشاب أو فتى الريف والقرية الجميلة التي أحببت الاحتفاظ بصورتها في كياني قبل أن التقطها بالكاميرا وأغني لفتياتها بفرح غامر.. طموحاتي لا حدود لها فكلما تقدم العمر ازددت طموحا». يطمح الغابري أيضًا لأن يستمر في التصوير، وأن ينقذ أرشيفه من المتحاربين المتخلفين الذين يقول إنهم جميعهم يكرهون الفنون بأشكالها.
يتابع الغابري: «أطمح بأن أجد من يساعدني على إنقاذ هذا الأرشيف الذي يحتوي على كل شيء في حياة اليمنيين أرضًا وإنسانا منذ أكثر من نصف قرن».
ولليمن حب كبير في وجدان الغابري الذي يمضي قائلا: «منذ ولدت وأنا أرى بلدي أجمل بلد رغم أنني طفت العالم كله… ليس تحيزًا لأنه بلدي بل يشاطرني هذا الاعتقاد كثير من الأجانب، وخصوصًا أصدقاء اليمن الألمان، وقد سمعت هذا بأذني وقرأت ما كتبه الأحبة الألمان عن اليمن».
وأردف: «المشكلة أن هذا بلدي الرائع ابتلي بحكام لا يحبونه…حكام عصبويون دينًا ومذهبًا وقبيلة».
وشدد على أن اليمن يحتاج إلى مناهج تعليميه عصرية مواكبة لكل ما يحدث في العالم من تطور تكنولوجي ومعرفي… يحتاج إلى أبناء مخلصين لجماله…لثرواته التي تغني المواطن وتخرجه من الفقر المفتعل الذي سببه الحكام المتعصبون دينيًا ومذهبيًا».
واختتم الغابري حديثه لـ(د. ب. أ) موجها رسالته لليمنيين «انبذوا الحرب واصنعوا السلام فبالسلام ستعيشون أحرارًا وأغنياء بثرواتكم إن أحسنتم اختيار منهج تعليمي معاصر».