جرة قلم : حديث الغافة

محمود الرحبي

قرأت من أيام رواية « الشجر إذا هوى» وهي الرواية الثانية لسعيد الهاشمي، وقد تلمست فيها مجهودا لغويا وشكليا واضحا، حيث يمكن القول إن الكاتب تخلص من الدوافع المباشرة للكتابة، وقطع فيها مع كتاباته السابقة المعتمدة على التوثيق والبحث بما في ذلك روايته الأولى «تعويبة الظل» التي لا يصعب ملاحظة أنها رواية مُسيطَر عليها من قوى خارجها، لا سيما صوت الكاتب وثقافته وخلفيته التي انتصر فيها أكثر – «وفي الغالب» عن قصد- إلى الدراسة والتوثيق الذي قطع في التأليف فيه شوطا- أكثر من انشدادها نحو الفن، بأبعاده التخييلية. بينما نراه في روايته الثانية، قد أبحر أكثر في التخيل واللعب الحرّ وعدم الوثوق في إحداثيات الحقيقة والواقع. فكانت بذلك «الشجر إذا هوى» متجهة بكليتها نحو استثمار أوسع في اللغة والشكل الفني، والانفتاح على أنسنة الجمادات والبحث في القاموس الطبيعي والميثولوجي والمحكيات العمانية، لذلك لن يفُوت القارئَ أن يلحظ -إلى جانب المجهود اللغوي الذي بدا ثريا ومتجددا- المجهود «الأنسيكلوبيدي» المتعلّق بجمع مفردات التراث البيئي والأنثروبولجي، ليس فقط في الحياة العمانية القديمة، وإنما كذلك في حياة الأشجار والطبيعية المحلية.
ولكن ما «شتّت» كل ذلك الجهد – حسب وجهة نظري الخاصة- أنه لم يجد الحبكة اللازمة التي تشدّ القارئ من بداية الرواية إلى نهايتها. وقد تُعزّز ذلك التشتّتَ كثرة الشخصيات في رواية صغيرة الحجم (صدرت عن دار سؤال ببيروت، في أقل من 200 صفحة) ما يجعل القارىء مدفوعا بالحيرة وإعادة القراءة، في محاولة منه ربطَ الشخصيات بمصائرها، خاصة أن رواية «الشّجر إذا هوى» تعتمد كثيرا على دقّة الوصف ((وانثيالات)) التأمل. ما يجعل «الحبكة الماسكة بزمام الأوصال» تبهُت وتتشتّت.
وربما هذا الأسلوب يصلح مع ما يسمى بالسرديات الكبرى ، حيث يستلم الوصف زمام السرد، وبذلك «يتعطل أو يبطء» سير الحدث وتقدمه. ولكن هذه السرديات الكبرى تتميز بالغزارة الكبيرة في عدد صفحاتها، مما يجعلها مؤهلة عن جدارة لخوض غمار مغامرة الوصف والتيه والتأمل (وأخذ راحتها) في الوقوف أمام أدق الأمور، فمثلا نرى الكاتب الفرنسي مارسيل بروست في رواية «البحث عن الزمن المفقود» التي جاءت في سبعة مجلدات، يأخذ راحته تماما في وصف حفلة مسائية بأكثر من مائتي صفحة. وهو ما نرى شبيها له حين نقرأ رواية دون سرفانتس الشهيرة، والتي تعتبر أول رواية في العالم، قطعت مع ما كان يسمى بروايات «الرومانس» أو روايات الفروسية بل وسخرت منها. ولكن الروايات صغيرة الحجم – كما هو الشأن في الشجر إذا هوى – لا تحتمل إطلاق العنان للوصف، وتعطيل الحدث لصالح التأملات ورصد كل شيء في الطبعية ونفوس الناس وفقا لـ(وجهة نظر شجرة) ترى من أعلى حياة كاملة متناقضة تتحرك تحتها. فالبعد الإنساني لأي رواية لا يعفي كاتبها من إيجاد حبكة رابطة متماسكة، تشد القارىء من البداية إلى النهاية مما يدفعه بعد كل فصل أن يواصل القراءة متشوقا لمعرفة ما هو موجود في الفصل الموالي، وهكذا إلى ينتهي من قراءة الرواية كاملة، وأحيانا في ظرف زمني قصير. وهو ما يحدث مثلا حين نقرأ رواية «رجال في الشمس» للكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، التي ما زالت حتى الآن تقرأ ويعاد قراءتها. وذلك لأنها لم تكتف بالثيمة الإنسانية العالية فقط، إنما أسلوب الكاتب وطريقة تقديمه لها كان أبرز ما يميزها، فجاءت بذلك خفيفة الروح وقريبة إلى القلوب، ناهيك عن النهاية الموفقة، التي مازال العالم يتذكرها حتى الآن ويستحضرها. وهي رواية ضمنت لكاتبها البروز العالمي، حيث ترجمت إلى مختلف لغات الأرض، وفي العربية مازال يعاد طبعاتها.
ولكن رواية – الشجر إذا هوى- فوق كل ما ذكرت ومن وجهة نظر خاصة- تشكل إضافة مهمة، ومجهودا يستحق الثناء، وحرصا على الجدة والتعدد الشكلي بالبحث في استخلاص بناء لغوي ثريّ. رواية مسكونة بتربتها العمانية الأصلية ووفية لها، ما يؤهّلها لكي تكون انتقالا واعيا في التجربة السردية الفتية لسعيد الهاشمي، الذي ارتحل حديثا إلى الرواية، والذي أظن أن مقامه فيها سيطول، كما كان شأن العشرات من «الكتاب والمبدعين العرب» الذين وفدوا إلى الرواية من مجالات الشعر والصّحافة والبحث العلمي والنقد الأدب.