« تقرير الاستقرار المالي » .. في الأفق بعض الأخبار السارة فيما يتعلق بمسار نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري

إعداد – أمل رجب

– الانتعاش الحالي في تدفقات الاستثمار يتيح خيارات تمويلية أفضل لاقتصادات الأسواق الصاعدة التي تواجه احتياجات تمديد قدر كبير من ديونها خلال 2020
تكتسب أسواق رأس المال أهمية متزايدة كمصدر لتمويل مكافحة تغير المناخ وتحقيق الأهداف الاجتماعية وشهدنا زيادة هائلة في إصدار السندات الاجتماعية في عام 2020 وتوجه المدينون إلى مصادر التمويل المستدام.

– يظل الانفصال مستمرا بين الأسواق المالية والاقتصاد موضع نقاش واسع في الآونة الأخيرة ويرى المستثمرون انه من المتوقع أن تنخفض الفائدة للغاية على مدار السنوات القادمة وسيكون ذلك مبررا لانتعاش أسواق المال.
البنوك تبدي قدرة على الصمود في مواجهة الجائحة غير أن تحديات الربحية في بيئة تسودها أسعار الفائدة المنخفضة تلقي شكوكا حول القدرة على مواصلة الإقراض خلال هذا العام

وفق تقرير الاستقرار العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، هناك في الأفق بعض الأخبار السارة فيما يتعلق بمسار نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري مما يتيح بدء التعافي من آثار الوباء الذي اجتاح العالم منذ بداية العام الماضي والذي يعد من أصعب الأعوام الزاخرة بالتحديات في تاريخ العالم.
ووفق التقرير، فرغم تزايد الإصابات بفيروس كوفيد-19 واستمرار أوجه عدم اليقين التي تخيم على آفاق الاقتصاد إلا أن الموافقة على اللقاحات وبدء توزيعها ساهم في تعزيز التوقعات بحدوث تعافٍ عالمي كما ارتفعت أسعار الأصول ذات المخاطر، مثل الأسهم على سبيل المثال، لكن يظل انتعاش الأسواق والتعافي الاقتصادي مرهونَيْن باستمرار الدعم من السياسة النقدية وسياسة المالية العامة إلى أن تصبح اللقاحات متاحة على نطاق واسع، كما ألمح التقرير إلى أن التوزيع غير المتكافئ للقاحات قد يقود إلى مخاطر تفاقم مواطن الضعف المالي وخاصة في اقتصادات الأسواق الواعدة، واعتبر التقرير أن الانتعاش الحالي في تدفقات الاستثمار يتيح خيارات تمويلية أفضل لاقتصادات الأسواق الصاعدة التي تواجه احتياجات تمديد قدر كبير من ديونها في عام 2021.

وأوضح التقرير أن سياسات التيسير النقدي التي صاحبت تفشي الجائحة أدت إلى تخفيف ضغوط السيولة حتى الآن، إلا أن ضغوط الملاءة المالية قد تعاود الظهور في المستقبل القريب، وخاصة في الأنشطة ذات المخاطر الأكبر في أسواق الائتمان والقطاعات المتضررة بشدة من الجائحة. وقد تُلقي التحديات التي تواجه الربحية في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة بآثارها على قدرة البنوك على الإقراض ومدى رغبتها في ممارسته مستقبلاً، وبناء على ذلك ينبغي أن يستمر صناع السياسات في تقديم الدعم إلى أن تترسخ جذور التعافي المستدام، ذلك أن نقص هذا الدعم قد يهدد تعافي الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فعلى صناع السياسات أن يكونوا مستعدين أيضا لمخاطر حدوث تصحيح في الأسواق في ظل رهان المستثمرين على استمرار الدعم المقدم من السياسات وحالة التراخي السائدة في الأسواق مع زيادة ارتفاع تقييمات الأصول.
ويرى التقرير أن الأخبار التي انتشرت حول تحور الفيروس لم يكن لها تأثير أساسي على الأسواق المالية خلال الفترة الأخيرة، فقد نظرت الأسواق إلى ما هو أبعد من طفرة الإصابات الجديدة بفيروس كوفيد-19على مستوى العالم، وأدت الأخبار المعلنة بخصوص اللقاحات المضادة للفيروس وبداية نشرها إلى تعزيز الآمال في حدوث تعافٍ اقتصادي في عام 2021، ودفعت أسعار الأصول ذات المخاطر إلى الارتفاع، وستعتمد سرعة التعافي اعتمادا أساسيا على إنتاج اللقاحات، وشبكات توزيعها، وفرص الوصول إليها، ويظل استمرار الدعم النقدي والمالي عاملا حيويا في تخفيف أوجه عدم اليقين الباقية، وبناء جسر نحو التعافي، وضمان الاستقرار المالي.

وقد أدت الأخبار التي تم إعلانها في وقت أبكر من المتوقع عن فعالية اللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19 إلى تعزيز المزاج الأكثر تفاؤلا السائد في الأسواق وتمهيد السبيل للتعافي الاقتصادي العالمي. فقد انتعشت صناعات مثل الطيران والضيافة والخدمات الاستهلاكية في أواخر عام 2020 عندما تحول المستثمرون الباحثون عن القيمة إلى هذه القطاعات التي أنهكتها الأزمة واستفادت من ذلك أيضا أسعار أسهم الشركات الصغيرة، بما في ذلك الشركات العاملة في مجال الطاقة النظيفة. وفي الاقتصادات المتقدمة، حدث تقلص حاد في فروق العائد على أسهم الشركات ذات الدرجة الاستثمارية وذات المخاطر العالية – يقارب مستويات ما قبل فبراير 2020 أو حتى يقل عنها – بينما بلغت أسعار الفائدة مستويات منخفضة قياسية، مع استمرار المستثمرين في البحث عن فرص العائد، وتكررت نفس ديناميكية تقلص فروق العائد مع عائدات الدين السيادي في الأسواق الصاعدة.

ولم تكترث الأسواق المالية بتراجع النشاط الاقتصادي في الآونة الأخيرة، ويبدو أن المستثمرين لا يزالون على ثقة من آفاق النمو في عام 2021، حيث يعولون على أن استمرار الدعم الذي تقدمه السياسات من شأنه تعويض أي أوضاع مخيبة للآمال يمكن أن تطرأ على المدى القريب، ويظل الانفصال مستمرا بين الأسواق المالية والاقتصاد – الأسواق تصعد والاقتصاد يتراجع – وهو ما أصبح موضوع نقاش واسع في الآونة الأخيرة، فبالرغم من ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل مؤخرا في الولايات المتحدة، فإن المستثمرين يشيرون إلى التوقعات شديدة الانخفاض لأسعار الفائدة على مدار السنوات القادمة وتوقعات الأرباح باعتبارهما مبررا لانتعاش أسواق المال.

ومن المرجح أن يكون هناك تباين في الحصول على اللقاح وقد يستغرق الأمر وقتا إلى أن يوزع بصورة متكافئة. فقد تم شراء اللقاحات مقدما في كثير من الاقتصادات المتقدمة، مثل كندا وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بما يحقق نسبة مرتفعة من التغطية للسكان. وعلى العكس من ذلك، يلاحظ التأخر الكبير في شراء جرعات اللقاح في الاقتصاديات الصاعدة والاقتصادات النامية عن طريق التفاوض المباشر أو من خلال آلية “كوفاكس” متعددة الأطراف، وهناك حاجة ماسة للحصول على اللقاحات في البلدان التي تسارعت فيها الإصابات مؤخرا أو لا تزال بالغة الارتفاع.

ويرى التقرير أنه من الممكن أن يكون التأخر في الوصول إلى حلول شاملة للرعاية الصحية مفضيا إلى تحقيق تعاف منقوص وتعريض النظام المالي للخطر. فنظرا لأن اقتصادات الأسواق الصاعدة ساهمت بنحو 65% في النمو العالمي (حوالي 40% إذا تم استبعاد الصين) على مدار الفترة من 2017-2019 وقد يكون التأخر في معالجة الجائحة في تلك البلدان نذير سوء للاقتصاد العالمي. ذلك أن الانقطاعات في سلاسل الإمدادات يمكن أن تؤثر على ربحية الشركات حتى في المناطق التي تسيطر على الجائحة، ولأن النمو من المقومات الحيوية للاستقرار المالي فقد يؤدي التعافي الجزئي وغير المتوازن إلى تعريض صحة النظام المالي العالمي للخطر.

وأضاف التقرير أنه بينما تحتاج الأسواق الصاعدة إلى احتياجات تمويلية كبيرة فمن المرجح أن تستمر عجوزات المالية العامة الكبيرة والمزمنة في معظم الاقتصاديات في 2021، وإن كان على نطاق أضيق مما كانت عليه الحال في عام 2020 وحسب سيناريو التوقعات الأساسي في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” الذي يشير إلى استمرار الأوضاع المالية الميسرة، سيظل التمويل السوقي مصدرا أساسيا للتمويل مثلما كان في الشهور الأخيرة، ويمثل استئناف تدفقات الاستثمار عاملا محوريا لتحقيق الاستقرار في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة، ومن ثم فمن الضروري أن تحتفظ هذه الاقتصادات بقدرتها على النفاذ إلى الأسواق، وقد يمثل التعافي الاقتصادي غير المتكافئ بسبب تأخر حلول الرعاية الصحية واللقاحات تحديا هائلا أمام الاقتصادات الصاعدة والواعدة. ونظرا لأن حيز المناورة من خلال السياسات ضيق بالفعل في بعض البلدان، وخاصة تلك التي لم تسترد بعد قدرتها الكاملة على النفاذ إلى أسواق رأس المال، فإن احتمال ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل في الاقتصادات المتقدمة عندما تجد البنوك المركزية أنها بصدد عودة وشيكة إلى سياساتها المعتادة قد يشكل تهديدا لإمكانية تجديد آجال استحقاق الاحتياجات الكبيرة من التمويل الخارجي. وبينما كانت ضغوط الملاءة المالية محدودة حتى الآن ظلت المخاطر قائمة في قطاع الشركات غير المالية، فبفضل الدعم غير المسبوق من السياسات المالية والنقدية تعافت فروق العائد بشكل شبه كامل حتى في قطاع السندات دون المرتبة الاستثمارية وإن ظلت هناك اختلافات بين القطاعات، وظلت معدلات التخلف عن السداد في كبرى الشركات أقل بكثير من معدلات الذروة السابقة كما أن حالات الإفلاس في الشركات الأصغر ظلت منخفضة، بل إنها تراجعت في بعض الحالات، لكن تظل هناك تحديات، فقد زاد العدد المحتمل من الشركات التي انخفضت مرتبتها الائتمانية إلى –BBB مع نظرة مستقبلية سلبية) بمقدار ثلاثة أضعاف منذ بداية الجائحة، وهناك احتمال كبير بأن تحدث تخفيضات أخرى في بعض البلدان مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي الصين، تشير حالات التخلف عن السداد من جانب المؤسسات المملوكة للدولة في آخر ربع من عام 2020 إلى أن معالجة مواطن الضعف المالي لا تزال مسألة ذات أولوية. وفي نهاية المطاف، سيعتمد انتعاش قطاع المؤسسات العالمي اعتمادا جوهريا على تطورات الجائحة ودرجة الدعم المقدم من السياسات ومدة استمراره. وإذا أعاد المستثمرون تقديم احتمالات النمو الاقتصادي والآفاق المتوقعة للسياسة النقدية وسياسة المالية العامة، فقد نشهد عودة لضغوط السيولة ومخاطر تحول هذه الضغوط إلى حالات إعسار.

فيما يتعلق بالقطاع المصرفي العالمي، أوضح التقرير أنه حتى الآن لا تمثل البنوك جزءا من المشكلة فقد واجهت الجائحة بقدر كبير من رأس المال وهوامش السيولة و لا تزال تبدي قدرة على الصمود في مواجهتها، كما ساعد الدعم غير المسبوق من جانب السياسات في الحفاظ على تدفق الائتمان لقطاعي الأسر والشركات، غير أن تحديات الربحية في بيئة تسودها أسعار الفائدة المنخفضة تلقي شكوكا حول قدرة البنوك على مواصلة الإقراض خلال العام الجاري أو رغبتها في القيام بذلك. وقد تكون البنوك قلقة بشأن زيادة الانكشاف لمخاطر الائتمان وتزايد القروض المتعثرة بمجرد انتهاء إجراءات الدعم من خلال السياسات، وخاصة إذا كان من المحتمل أن يتأخر التعافي أو يكون تعافيا منقوصا. وقد تواجه البنوك أيضا تحديات في توليد العائدات بما يتجاوز تكلفة رأس المال في سياق التقلص المستمر لهوامش الفائدة الصافية، وهو تطور بدا واضحا منذ وقت طويل في اليابان وأوروبا، وقد تم تشديد معايير ضمان القروض بالنسـبة للشركات غير المالية في بعض الحالات، واستمر النمو المحدود للقروض المصرفية في كثير من البلدان أو تباطأ معدله في الشهور الأخيرة.

من جانب آخر يشير التقرير أن التدفقات إلى صناديق الاستثمار عاودت تدفقها بعد تحسن المزاج السائد في الأسواق. وكانت ضرورة تشغيل الأموال في بيئة سوقية نشطة دافعا للمستثمرين للبحث عن فرص العائد، وبين شهري مارس ونوفمبر2020، سجلت صناديق الدخل الثابت تدفقات تراكمية تبلغ حوالي 280 مليار دولار أمريكي، منها 230 مليار دولار أمريكي تدفقت إليها منذ بداية سبتمبر، غير أن مواطن الضعف التي تشوب صناديق الاستثمار لا تزال مصدرا للقلق، فتقييمات الأصول المفرطة تعرض صناديق الاستثمار لمخاطر حدوث تصحيح سعري، كما أن عدم اتساق تدفقات السيولة وآجال الاستحقاق لا يزال في معظمه دون علاج.

من جانب آخر، تكتسب أسواق رأس المال أهمية متزايدة كمصدر للتمويل من أجل مكافحة تغير المناخ وتحقيق الأهداف الاجتماعية، ويمكن أن تساهم بدور حاسم في تحضير التعافي، فقد أدت زيادة الوعي بضرورة الإنفاق الاجتماعي، والتي ارتبطت على الأرجح بجهود مكافحة الجائحة، إلى زيادة هائلة في إصدار السندات الاجتماعية في عام 2020، وتوجه المدينون إلى مصادر التمويل المستدام، حتى أنه من المتوقع أن يصل إصدار سندات الدين المستدامة في عام ۲0۲0 إلى أكثر من 650 مليار دولار تقريبا متجاوزا بذلك القيمة القياسية المسجلة في عام 2019.
وأكد التقرير على أنه لا يزال من الضروري استمرار الدعم من السياسات حتى يتحقق تعاف مستدام عميق الجذور يمنع الجائحة من تشكيل خطر على النظام المالي العالمي، وينبغي للمجتمع العالمي أن يسعى جاهدا لتحقيق تعاون متعدد الأطراف في إنتاج اللقاحات وتوفيرها على أساس متكافئ لكل بلدان العالم، بما يكفل تعافيا اقتصاديا متوازنا ومكتملا.