حنين تاركوفسكي

شمعة تاركوفسكي في فيلم نوستالجيا

أمل السعيدية

لا شك أن الـ”نوستالجيا” إحساسٌ غير ملموس، ولا معقول، إذ إنه نوع من الحنين الجارف لواقع ما، وعلى الرغم من كون هذه الرحلة مع الذات مضنية إلى حد كبير، إذ إنها تستهلك قدرة هائلة على التخييل، محملة بشوق مندفع للوصول الى موضوع التخييل هذا، إلا أن هذه الرحلة تسوق الإنسان لإدراك ذاته. كامو يؤمن أن النوستالجيا، هي نوع من التشويش بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نعرفه بالفعل، وفي المحصلة يستنتج أن معرفتنا غير ثابتة على الإطلاق. وقد يكون إيمانه هذا مفهوم عندما نتصورُ إنساناً يحترق بالصورة التي يصنعها في ذلك العالم الموازي، عالم الحلم، أو كما يسميه باشلار عالم “أحلام اليقظة”. لكن هنالك سؤالاً مهماً، قد يغير مجرى النقاش الذي نطرحه حول “النوستالجيا” فهل يحن الإنسان، وفق مسار فرداني؟ أم أن هنالك جانباً للحنين، مشتركا مع الجماعة التي ننتمي إليها، البحوث حول الذاكرة والتي نستمد منها أدوات التخييل والحنين كثيرة، جون سكانلان في كتابه “الذاكرة لقاءات مع الغريب والمألوف” يوضح ذلك التمازج الذي يحدث بين الذاكرة الجمعية والتاريخ، وعلى الرغم من أن هذا الأخير غير حميم أو شخصي، إلا أنه ومن الصعب بما كان أن تتكون ذاكرتنا بمعزل عنه، يقودني هذا للتفكير في أن الحنين وهو أحد اشتغالات الذاكرة، جمعيٌ في قسم كبير منه.
أندريه تاركوفسكي المخرج الروسي الذي سينجز فيلمه “نوستالجيا” خارج روسيا هذه المرة، وفي إيطاليا عام ١٩٨٣م سيعتني جيداً بالحنين في اتجاهه الجمعي، ولن يتجاهل الحنين الشخصي أيضاً، في الفيلم يذهب الشاعر أندريه ليتتبع مسار موسيقي روسي شهير هاجر إلى إيطاليا، وهو سوزنوفيسكي الذي ورغم نجاحه الباهر الذي حققه هناك، يقرر العودة لروسيا في عهدها الاقطاعي كعبد عند سيده، إلى أن يموت انتحاراً. وهو ما يظن تاركوفسكي أنه مصير الروس في تلك الحقبة، إذ إن هذا النوع من الحنين للعودة للبلاد يتربص بأي شخص يفكر مغادرتها، يلتقي الشاعر أندريه بدومينكو وهو معلم سابق حبس أسرته في البيت لمدة سبع سنوات، على أن يخرجهم حتى يصلوا لنهاية العالم. وهنا تجسيد للحنين على مستوى الزمن، يقتنع دومينكو الثائر بأن عليه أن يقطع إحدى البرك الساخنة التي مدينته الإيطالية وهو يحمل شمعة على أن يصل للضفة الأخرى من البركة، لكنه كلما حاول ذلك، ظنه الناس مخبولاً وسارعوا لإخراجه من الماء، يشارك فكرته هاته مع أندريه، الوحيد الذي سينجذب لدومينكو على الرغم من لغته الإيطالية المتواضعة. وسر هذا الانجذاب، هو إدراك أندريه أن دومينكو هو المؤمن الوحيد في هذا المكان، إذ إن العالم بات يخلو من الإيمان، كما أن هذه العلاقة هي إشارة للوشائج التي تجمع الحالمين مهما اختلفت ظروفهم ومرجعياتهم الثقافية. يطلق تاركوفسكي على الحنين في فيلمه وصف “المشاعر الصامتة”، وهو كما يتحدث في لقاءاته عن الفيلم، قد يتحول لنار تحرق صاحبها. وبالفعل نشاهد دومينكو يدعو للثورة بعد خطاب مؤثر يلقيه على الناس، ثم يشعل النار في نفسه، وما تلك إلا ناره الداخلية التي تجسدت بصورة ملموسة الآن، أما بطلنا أندريه الذي يتخيل أنه في المرآة يشبه دومينكو، ويعيش حالة مأزومة تفصله عما حوله، وتغربه عن ذاته، حتى عن المرأة التي ظنت أنه سيحبها! نشاهده في المشاهد الأخيرة من الفيلم حاملاً الشمعة، واضعاً إياها داخل معطفه لكي يصل بها للضفة الأخرى من البركة على خطى دومينكو.
تاركوفسكي في كتابه الهام “النحت في الزمن” والذي تحدث فيه عن سيرته السينمائية وأفكاره عن صناعة السينما، يكتب: “الخلق الفني ليس مجرد وسيلة لصياغة معلومات توجد على نحو موضوعي، وتتطلب فحسب بضع مهارات حرفية” وبهذا فإن العمل لا يقدم لنا هذه القصة دون أسلوب تاركوفسكي الفريد، ولقطاته الحالمة، والمونولوج الشخصي الذي يتملكه الرعب للشخصيات وهي تنظر باتجاه الكاميرا مباشرة وذلك التداخل بين الماضي والحاضر عبر المونتاج البطيء والمنسجم مع حلمية الفيلم. الفيلم الذي يمتد لساعتين، يستطيع أن يوجه لك السؤال أيهما أنت؟ إذا كنت حالما، وإذا لم تكن كذلك، لماذا يتخلى الإنسان عن هذه التجربة الهامة في إثراء حياته على الأرض، وما علاقة السياسة، والثورة بهذه الهزيمة؟