نوافذ : لكنَّ.. لم تعد للاستدراك فقط

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
ينظر -في اللغة- إلى حرف الاستدراك “لكنَّ”على أنه يوثق الحكم اللاحق، أو المخالف للفعل السابق، ومثال ذلك: “ما نجح أحمد لكنَّ عبدالله” هذا في المعنى الاصطلاحي للحرف “لكنَّ”، وفي الواقع أي: في مختلف ممارساتنا وسلوكياتنا، تأخذ “لكنَّ”مكانا متسعا من المفاهيم، وتوظف في كثير من الممارسات التي -ربما- قد تأتي هكذا عفوية التلفظ، ولكنها تأخذ أبعادا عميقة في المعاني، وقد يصل بعض هذه المعاني إلى منحدرات خطيرة من التطرف، وضيق الأفق، ويحدث كل ذلك لأن النظرة الحاضرة تستدرك دائما الصور النمطية المتكونة، عن الأشخاص، عن الأماكن، عن الأزمان، وهذه الصور النمطية (السابقة/ الحاضرة) لها تأثير نفسي على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة على حد سواء، ولذلك يستدعي الانتباه إليها، ومحاولة تجاوز تأثيراتها على المدى البعيد، وإلا سيعيش الفرد بصورة دائمة أسير ماضيه، مكبلا بكثير من الصور النمطية التي يستعيدها في كل مرة بحرف “لكنَّ”.
فعندما يشرع أحدنا في الحديث عن فلان من الناس، يأتي آخر فيضيف: “ذلك صحيح؛ و”لكنَّ…” وعندما يثني أحدنا على عمل قام به فرد، أو مجموعة، أو منجز على مستوى الوطن، يأتي فرد، أو مجموعة، فتأتي الإضافة: “نعم، و”لكنَّ…” ومع هذه اللواكن المتدافعة في التعليقات على الآخرين في أفعالهم، وسلوكياتهم، وعلى الأمكنة في أهمياتها، وقدسياتها، وعلى الأزمان في تواردها وتوالياتها، تتموضع “لكنَّ” وكأنها “سوسة” مسلطة على التقليل من الشأن، والتقيل من الإنجاز، والتقليل من “براءات الذمم” والتقليل من الجهود، والتقليل من الإخلاص، والتقليل من الأمانات، وكأن كل الصور الإنسانية الحاضرة في أذهان الناس، خاضعة للتخوين، وخاضعة لإلصاق التهم، ومعظم المناخات التي تثمر فيها أداة النصب “لكنَّ” تظل محل شك في الآخر، حيث يوظف معظم الناس هذه الأداة في هذا الاتجاه، وهذا مما يحز في النفس إلى حد كبير.
تحيطني الحيرة في كثير من هذه المواقف، عندما ينبري الكثيرون في الإساءة إلى الآخر، وبهذه الجرأة، وبهذا التسلط، وبسوء الظن هذا، فكما أننا ننقي أنفسنا من كثير من الشوائب، ونرى أننا مخولون في إسقاط الحكم على سلوكيات الآخرين في محاضنهم المختلفة، علينا في المقابل أن نستثني هؤلاء الآخرين أيضا من كل مظان السوء، وبالتالي علينا في المقابل أن نعفي أنفسنا أولا من هذا الاستدراك المخل في توظيفه، التوظيف الذي يقلل من أهمية العمل، ويقلل من سوء الظن، ويقلل من تصغير المنجز، ويقلل من تجاوز مختلف الجهود التي تبذل هنا أو هناك، وهذا لن يتحقق في وجود الاستخدام الخاطئ لحرف الاستدراك “لكنَّ”.
الملاحظ أكثر – كما جاء في المثال أعلاه – “ما نجح أحمد “لكنَّ” عبدالله” أن الاستدراك يثبت أن ما بعده حكما مخالفا لما قبله، ولكنه حكم إيجابي، بينما الاستخدام الشائع من قبل العامة، يأتي الحكم سلبيا بامتياز، ومما يؤسف عليه أكثر أن معظم الناس؛ في هذا الجانب؛ يكونون حكما مطلقا، يكاد لا يقبل المناقشة، مع أن أي فعل إنساني يتضمن الكثير من الآليات الإجرائية غير المرئية لكافة الناس، وهذا ما يجب أن يستشعره الناس أيضا قبل أن يطلقوا أي حكم مطلق على كثير من السلوكيات والممارسات التي يقوم بها الناس في حياتهم اليومية.
المشكلة أكثر؛ أن الناس مشغولون بالآخر، أكثر من إنشغالهم بأنفسهم، ولذلك فهناك طاقات مهدرة، ولو وظفت التوظيف السليم، لكان لوجه الحياة إشراقة أخرى غير التي عليها الآن، ولعل في ذلك حكمة متوارية خلف الأفق، يجهلها الكثيرون، في هذه الحياة، ولذلك هم يستمرئون الفعل المشين، ويظنونه فعلا مأمونا من كل نقيصة، ومن يلتفت أكثر إلى نفسه؛ ربما؛ قد يقف عند هذه الحقيقة الغائبة.