السيدة أمل

عادل محمود

تأتي إلى هذه الدنيا فيطلق عليها أهلها اسم “أمل” تنمو حلوة كمشمشة خضراء.. ثم تكبر فتغير اسمها في محيط من اللهو البريء والحفل التنكري فتصبح “رجاء”. وليس هناك اسم يخلو من معانيه في شكل حامله.
إن “رجاء” أو “أمل” هي “أماني” أيضا. وهي، في ذروة أخرى “أحلام” أيضًا.
لقد كبرت واستقلت وصار لها بيت، وأصدقاء، ومحبّون. كانت تحتفي بهم جميعًا وهم يأتون إلى بيتها. وتدعو لهم وهم يغادرون. جمّلتهم في نظر أنفسهم. فاندفعوا إليها كجميلين. طلبوها جميعًا لتكون عروسًا. ومنهم من قضى ومنهم من ينتظر .. ولم يبدّل أحد شكل أغنيته أمام نافذتها.
ما من أحد لم يكتب لها شعرًا
النحاتون أهدوها تماثيل خلودها
الرسامون تفننوا بتلوين أجنحة الفراشة في ضحكتها.
وما من كاتب تعرفت إليه إلا وكان يفكّر بالفارق بينها وبين بنات أفكاره.
الشعراء تحت نافذتها استعادوا قيثارات الموسيقيين، وهنالك أطلعوا القمر هلالا وأحالوه بدرا. كثيرون دخلوا السجون من أجلها. كثيرون هاجروا قسرًا. كثيرون في المنفى. وبعضهم ظلوا هنا ليرى نهاية لمصير صباها.
وكيف بوسع العاشقين أن يصبروا على التمنّع، ويكونوا شهداء لـ”أمل”.
مضت سنون، عشرات السنين. مات عازف الناي، وانكسرت قيثارات أثينا، وشابت جدائل “بنلوب” .ومات هوميروس وقتل المتنبي
لم يبق أحد
سامر الحي العادي
القهواتي، وزبال الشوارع، والمتشردون، ونخبة الأسف.. والذين جُنّوا بسببها…
كلهم ذهبوا.
كانت أمل قُتلت دونما سبب، في مجهول ليل غامض، في شتاء سحيق. ومنذ عصور.
هذه التي أحدثكم عنها.. لم أنجُ، أنا كاتب هذا النمل الصغير، من فتنتها وحزنها وزوالها. وما زلت منتظرًا عودتها.
هذه التي أحدثكم عنها…
اسمها الأول “أمل”
واسمها الأخير: “خيبة”
كانت وكنا شبابًا !