النظام الأساسي .. عنوان مشرّف للدولة العمانية الحديثة

د. عبدالحميد الموافي –

في ظل الأهمية البالغة للنظام الأساسي للدولة الذي أصدره جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – في الحادي عشر من الشهر الجاري بموجب المرسوم السلطاني رقم (6 / 2021) وما اشتمل عليه من مبادئ وأسس وقواعد تحدد سياسات الدولة، داخليًا وخارجيًا، وتبين مهام واختصاصات ونطاق عمل مؤسسات الدولة وأجهزنها المختلفة وعلاقاتها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وما يتمتع به المواطن العماني من حقوق وما يترتب عليه من واجبات، وسبل تحقيق أفضل مستوى معيشة ممكن للمواطن في الحاضر والمستقبل وبما يحافظ على أمنه وكرامته، وبالنظر أيضًا إلى أن النظام الأساسي للدولة هو الوثيقة الدستورية التي تمثل عنوان الدولة العمانية الحديثة في المرحلة التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، على الصعيدين الداخلي والخارجي، فإنه من المهم والضروري تناول النظام الأساسي للدولة والعمل على فهم وإيضاح أسسه ومنطلقاته، وما حاول تقديمه للمواطن العماني وتوفيره من ضمانات تمكنه من المضي قدما على طريق الاستمرار في مشاركة أوسع لتحقيق أهداف وأولويات مسيرة النهضة العمانية المتجددة في مرحلتها الثانية، والتي تواكب الرؤية الاستراتيجية (عمان 2040) التي بدأ العمل بالفعل لوضعها موضع التنفيذ، حيث تمثل الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) أولى الخطط الخمسية لتنفيذها. وإذا كان قد تم الأسبوع الماضي الإشارة في هذا المكان إلى بعض الجوانب، فإنه يمكن الإشارة إلى بعض الجوانب الحيوية الأخرى، أملا في إلقاء المزيد من الضوء على هذه الوثيقة الدستورية التي تحظى باهتمام واسع داخل الوطن وخارجه، وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي: أولا: أنه في ظل ثورة المعلومات والاتصالات والدور الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي وقدرتها على تجاوز حدود الزمان والمكان، وإتاحة مساحة غير مسبوقة من القدرة على متابعة الملايين وكثير من الأطراف لمختلف التطورات والأحداث داخل الدولة وخارجها من ناحية، وزيادة قيمة وأهمية توفير وحماية حقوق الإنسان وتيسير المقومات والمتطلبات الضرورية لصيانتها والحفاظ عليها، كالتزام قانوني وأخلاقي أيضا من ناحية ثانية، فإن الوثائق الدستورية للدولة ازدادت أهميتها بشكل غير مسبوق على المستويين الداخلي والخارجي، خاصة مع الجهود المبذولة من أجل عولمة حقوق الإنسان من جانب المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وعدة هيئات ومنظمات دولية وإقليمية ودول أخرى كذلك.
ومن هذا المنطلق فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن النظام الأساسي الجديد، بمحتواه وما تضمنه من مواد ومبادئ وأسس، هو عنوان مشرّف للدولة العمانية في مرحلتها التي تنطلق إليها في مختلف المجالات بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – أعزه الله. ولعل من أهم وأبرز الأسباب في هذا المجال، أنه يحسب للنظام الأساسي الجديد أنه حرص على تحقيق الاستمرارية والتواصل والبناء على ما تحقق خلال السنوات الخمسين الماضية وتجسد ذلك على نحو واضح في ديباجة المرسوم السلطاني رقم (6 / 2021) الصادر في 11 يناير الجاري. ونظرًا لأن الديباجة تعبّر عن وتعكس الأسس التي تستند إليها الوثيقة أو القرار أو المرسوم، ومن ثم فإنها جزء حيوي لفهمها، فإن مما له دلالة عميقة أن ديباجة المرسوم الذي صدر بموجبه النظام الأساسي للدولة نصت على: «إنه تأكيدًا للمبادئ التي قامت عليها سلطنة عمان، ووجهت سياساتها في مختلف المجالات، ونهضت بها: محليًا، وإقليميًا ودوليًا. وترسيخًا لمكانة عمان الدولية، ودورها في إرساء أسس العدالة، ودعائم الحق والأمن والاستقرار والسلام بين مختلف الدول والشعوب، وتصميما على مواصلة الجهود لصياغة مستقبل أفضل، يتسم بمزيد من الإنجازات التي تعود بالخير على الوطن والمواطنين، واستمرارًا لمشاركة أبناء الوطن، وتمكينهم من صنع مستقبلهم في جميع مناحي الحياة، وصونًا للوطن وحفاظًا على أرضه، ووحدته، ونسيجه الاجتماعي، وحماية لمقوماته الحضارية، وتعزيزًا للحقوق، والواجبات، والحريات العامة. ودعمًا لمؤسسات الدولة، وترسيخًا لمبادئ الشورى». وبينما تتسم هذه الديباجة بأنها أوسع وأكثر تفصيلا من ديباجة المرسوم السلطاني رقم (101 / 96) الصادر بموجبه النظام الأساسي السابق، فإنها تتسم بالوضوح والتعبير عن الملامح والأسس والمنطلقات التي تحكم سياسات السلطنة ومواقفها على المستويين الداخلي والخارجي، وما تسعى إلى تحقيقه أيضا، خاصة فيما يتصل بإسهامها الإيجابي لتحقيق السلام والأمن والاستقرار بين مختلف الدول والشعوب، وكذلك الاستمرار في تعزيز مشاركة أبناء الوطن وتمكينهم من صنع مستقبلهم في جميع مناحي الحياة، وصونًا للوطن وحفاظا على أرضه ووحدته ونسيجه الاجتماعي وتعزيزًا للحقوق والحريات العامة وترسيخًا لمبادئ الشورى، وهذه الأسس والمبادئ والمنطلقات هي ما أوضحته وفصلته مواد النظام الأساسي الجديد التي بلغت 98 مادة انتظمت في سبعة أبواب.
ثانيا: إنه تم في الأسبوع الماضي تناول بعض مواد الباب الأول الخاص بـ«الدولة ونظام الحكم»، خاصة المواد (5) و(6) و(7) و(8) و(9) والتي تتصل بانتقال ولاية الحكم وتحديد وإعلان ولي للعهد، وفق خطوات محددة وواضحة وقادرة على التعامل مع مختلف الظروف.
وقد نصت المادة (12) على أن «يقوم الحكم في الدولة على أساس العدل والشورى والمساواة، وللمواطنين – وفقًا لهذا النظام والشروط والأوضاع التي يبينها القانون – حق المشاركة في الشؤون العامة». وهذا النص هو في الواقع نفس نص المادة (9) من النظام الأساسي السابق مع تغيير لفظين لا يؤثران على منطوق المادة ولا على جوهرها على أي نحو. جدير بالذكر أن الباب الثاني تضمن المبادئ الموجهة لسياسة الدولة، وذلك في خمسة فصول اشتملت على خمسة مواد هي، الفصل الأول المبادئ السياسية (المادة 13)، والفصل الثاني المبادئ الاقتصادية (المادة 14)، والفصل الثالث المبادئ الاجتماعية (المادة 15)، والفصل الرابع المبادئ الثقافية (المادة 16)، والفصل الخامس (المبادئ الأمنية) (المادة 17). والأهمية الكبيرة لهذا الباب تنبع في الواقع من نقطتين أساسيتين: أولهما أنه بالرغم من أن الباب يحمل عنوان «المبادئ الموجهة لسياسة الدولة»، إلا أن المادة (13) بدأت بالنص على أن «تتمثل المبادئ السياسية للدولة في الآتي:..»، وبدأت المادة (14) بالنص على أن «تتمثل المبادئ الاقتصادية للدولة في الآتي:…»، وبدأت المادة (15 ) بالنص على أن «تتمثل المبادئ الاجتماعية للدولة في الآتي…»، وبدأت المادة (16) بالنص على أن «تتمثل المبادئ الثقافية للدولة في الآتي…»، وبدأت المادة (17) بالنص على أن «تتمثل المبادئ الأمنية للدولة في الآتي…»، وهذا الفارق الدقيق في الصياغة انتقل بالمبادئ المنصوص عليها في المواد الخمس المشار إليها من مبادئ موجهة لسياسة الدولة إلى مبادئ للدولة، وهو ما يزيد في الواقع من قيمة وإلزامية تلك المبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية أكثر بكثير من ذي قبل، باعتبارها مبادئ للدولة. أما النقطة الأساسية الثانية فإنها تتمثل في أنه إذا كانت المبادئ الموجهة لسياسة الدولة قد استقرت واتضحت على نحو كافٍ ودائم خلال العقود الخمسة الماضية، وهو ما اقتضى نقلها من مبادئ موجهة لسياسة الدولة إلى مبادئ للدولة، فإن إدخال تعديلات ذات مغزى في بعض مواد هذا الباب هي من الأمور ذات الأهمية بالنسبة لحركة الدولة والمجتمع خلال المرحلة الثانية من مسيرة النهضة العمانية المتجددة خلال السنوات القادمة. وفي الوقت الذي أدخلت فيه تعديلات محدودة على صياغة بند أو آخر من المبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يؤكد دور الدولة في كفالة الرعاية الاقتصادية والصحية والاجتماعية للمواطنين وتحقيق التضامن بين أبناء المجتمع، فإن المبادئ الثقافية تم التوسع فيها خاصة فيما يتعلق بأهمية التعليم ودور الدولة في رعايته «كحق لكل مواطن»، وبما يكفل «بناء الشخصية العمانية والحفاظ على الهوية الوطنية….وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف»، ومما له دلالة كبيرة أنه تم النص على كفالة الدولة «لاستقلال الجامعات.. وحرية البحث العلمي والعمل على تشجيع مؤسساته ورعاية الباحثين والمبتكرين»، و«كفالة الدولة أيضًا لحرية الإبداع الفكري ورعاية المبدعين وتشجيع النهوض بالفنون والآداب». كما تم إدخال تعديل في صياغة المبادئ الأمنية، وهي كلها تعديلات تقتضيها متطلبات المرحلة القادمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وأمنيًا، وبما يحقق درجة عالية من الاتساق مع الذات ومع متطلبات المرحلة القادمة والانطلاق بشكل أكبر نحو الأهداف المراد تحقيقها. ثالثا: إنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن النظام الأساسي الجديد يشكل إضافة ذات أهمية ومغزى على صعيد العناية بالمواطن العماني وتعزيز حرياته وكفالة حقوقه الأساسية على نحو يحسب لهذا النظام. ففي الوقت الذي تضمن الباب الثالث من النظام الأساسي (الحقوق والواجبات العامة) ثلاثين مادة -من المادة (18) إلى المادة (47)- وكان النظام الأساسي السابق يتضمن ستة وعشرين مادة -من المادة (15) إلى المادة (40). وتجدر الإشارة إلى أن هذا الباب شهد إضافات على جانب كبير من الأهمية فيما يتصل بالحق في الحياة والكرامة والحق في الحياة الآمنة وحرمة الحياة الخاصة وحماية الملكية الفكرية (المادة 38) و«كفالة حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير في حدود القانون» (المادة 35)، والإشراف القضائي على السجون على النحو الذي يبينه القانون (المادة 31)، وفي هذا المجال أكدت العديد من مواد هذا الباب التزام الدولة باحترام وحماية حق الحياة والكرامة (المادة 18)، وبتوفير الأمن والطمأنينة للمواطنين والمقيمين (المادة 22) وحرمة جسد الإنسان وتجريم الاعتداء عليه أو تشويهه (المادة 32) وصيانة حرمة الحياة الخاصة وكفالة حرمة وسرية المراسلات بمختلف أنواعها (المادة 36) هذا إلى الجوانب الأخرى التي تضمنها النظام الأساسي السابق حول المساواة بين المواطنين أمام القانون وعدم التمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو الموطن أو المركز الاجتماعي (المادة 21) و«حرية إقامة الشعائر الدينية طبقًا للعادات المرعية مصونة على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب» (المادة 34 ) كما تم إجراء تعديلات طفيفة على بعض مواد الباب السادس (القضاء) وإضافة جهة الفتوى والتشريع – الفصل الثالث المادة (87) وإضافة مادة حول مهنة المحاماة المادة (88) التي تضمنت تفصيلا يضفي ضمانات للمحامين خلال ممارستهم لدورهم في عملية تحقيق التقاضي. وفي ضوء تلك الإضافات والتعديلات وغيرها فإن النظام الأساسي يشكل بالفعل عنوانًا طيبًا وداعمًا لانطلاق مسيرة النهضة المتجددة في مرحلتها الثانية إلى آفاق أرحب لصالح الوطن والمواطن العماني وبمشاركته أيضا.