الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية “1- 2”

د. عبدالملك بن عبدالله الهِنائي –

العلاقات الدولية هي أكبر الساحات وأوسع المجالات التي تتلاقى أو تتصادم عليها السياسة بالاقتصاد، لذلك فهي ساحة ومجال الاقتصاد السياسي، ومع أن هناك عناصر عسكرية وأمنية وثقافية واجتماعية تؤثر في العلاقات الدولية، إلا أن العامل الاقتصادي هو العامل الأهم فيها.

تبحث هذه الورقة في دور الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية خاصة في السنوات التي تلت الحرب الباردة ومستقبل ذلك الدور في عالم يبتعد عن القطبية ويتجه نحو التعددية. وفيما عدا ما يرد من اقتباسات أو تضمينات من مصادر أخرى، فإن كل ما يرد في هذه الورقة هو رأي لكاتبها، وهو قابل للنقاش والقبول أو الرد.

كان مصطلح “الاقتصاد السياسي” يطلق على أعمال الاقتصاديين مثل آدم سميث وجون ستيوارت ميل وديفيد ريكاردو وغيرهما من علماء الاقتصاد الكلاسيكي الذين ظهروا في أوروبا في القرن الثامن عشر، وكانوا يبحثون في مواضيع الثروة والتجارة والأسعار والتشغيل، أي في ذلك الفرع من العلوم الاجتماعية الذي يصف ويحلل إنتاج الثروة وتوزيعها واستهلاكها، وفي القرن العشرين أصبح يعرف اختصارا بعلم الاقتصاد.
غير أن مصطلح “الاقتصاد السياسي” ما زال يستخدم على نطاق واسع في الوقت الحاضر، ويقصد به ذلك الفرع من المعرفة الذي يبحث في العلاقات ببن الأفراد والمجتمع وبين السوق والدولة، ويستخدم أدوات ومناهج تحليل تتصل بعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم الاجتماع والقانون. أي أنه علم يبحث في علاقة الإنتاج والتجارة بالقانون والأنظمة الحكومية، وكذلك في العلاقة بين الإنتاج والدخول والثروات الوطنية وتوزيعها، كما يبحث في أثر سياسات الحكومة على الأنشطة الاقتصادية، وبعبارة أخرى فإن الاقتصاد السياسي هو ذلك الفرع من فروع المعرفة الذي يبحث في العلاقة بين الثروة والتجارة والقانون والأنظمة الحكومية وأثر ذلك على المجتمع.
يقول Robert Gilpin في كتابه The Political Economy of International Relations : إن الاقتصاد السياسي يعني العلاقة المتبادلة بين “الدولة” و”السوق”، وحسب قوله فإنه لا وجود للاقتصاد السياسي بدون الدولة والسوق، أي “الدولة” من خلال القوانين والأنظمة و”السوق” من خلال آليات العرض والطلب.

ويقع في إطار الاقتصاد السياسي أيضا ما يعرف بالتباين أو عدم المساواة inequality في الدخول والثروات، سواء في داخل كل دولة أو بين الدول، وقد دعا مفكرون كبار من أمثال توماس بكيتي Thomas Piketty وجوزيف ستيغ Joseph Stieglitz إلى إعادة صياغة القوانين والتشريعات التي تسمح وتشجع على اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، أو ما يسمى السعي إلى الريع rent seeking الذي تقوم بها القوى المتنفذة وجماعات الضغط لصياغة القوانين والتشريعات بطرق تخدم مصالحها. وفي السنوات الأخيرة بدأ موضوع التباين وعدم العدالة في توزيع الدخول والثروات يأخذ حيزا متزايدا من اهتمامات الدول والمنظمات الدولية.

أدوات الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية –

تقوم العلاقات الاقتصادية الدولية في مرحلة ما بعد الاستعمار والإمبريالية على الاتفاقيات الثنائية التي تبرمها الدول فيما بينها، وكذلك على الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية التي تنضم إليها كل دولة.

وبالإضافة إلى عضويتها في عدد من المنظمات الاقتصادية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، وكذلك في عدد من المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية ورابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، فإن السلطنة وقعت على اتفاقيات ثنائية تعنى بالعلاقات الاقتصادية مع عدد من الدول، معظمها يندرج تحت عنوان “اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار” و”اتفاقيات منع الازدواج الضريبي”.

وفي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية نشأ ما يعرف بنظام بريتون وودز Bretton Woods System وذلك بتنسيق وتعاون أمريكي بريطاني كان هدفه خلق نظام اقتصادي عالمي مستقر يخدم مصالح هاتين الدولتين وحلفائهما، وقد تأسس بموجبه كل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة GATT، وحيث إن الاقتصاد الأمريكي أصبح هو الاقتصاد الأقوى في العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبح الدولار الأمريكي هو العملة المهيمنة على الاقتصاد العالمي وتم ربط سعر صرفه بالذهب، واستمر الحال كذلك حتى عام 1971 حين أعلنت أمريكا فك ربط الدولار بالذهب، الأمر الذي هز الثقة بنظام بريتون وودز، أو بالأحرى أدى إلى بداية انهياره. ومع أنه تم فك ربطه بالذهب لكن الدولار الأمريكي لا يزال هو العملة المهيمنة والأكثر تداولا في العالم لكونه عملة الاحتياط لكثير من الدول وبنسبة تصل إلى 62% من إجمالي حجم الاحتياطي من العملات الأجنبية، كما أن الدولار الأمريكي لا يزال يشكل نسبة تزيد على 80% من حجم التبادلات الأجنبية في العالم، حيث إن أكثر الصفقات والتبادل التجاري والاستثمارات تتم بالدولار، وتشير بعض الدراسات إلى أن سوق الصرف الأجنبي بالدولار يتجاوز 6.6 تريليون دولار في اليوم، بما في ذلك بيع وشراء النفط، فيما لا يزال حجم المبادلات بالعملات المنافسة الرئيسية وهي اليورو واليوان الصيني متدنيا، وقد جرت ولا تزال تجري محاولات كثيرة قادتها دول مثل العراق وليبيا وإيران ثم الصين لكسر هيمنة الدولار على تسعير النفط وعلى الاقتصاد العالمي. وخلال السنوات الخمس الماضية تراجع وزن الدولار في سلة العملات التي تقيّم بها الصين عملتها الوطنية، اليوان، ففي حين كان وزن الدولار في تلك السلة 20.5% في عام 2018 تراجع وزنه إلى 17.8% بنهاية عام 2020.

ولم تقتصر محاولات كسر هيمنة الدولار على هذه الدول، بل ظهر من بين أقرب حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية من يدعو إلى التخلي عن الدولار، ففي أغسطس من عام 2019 وصف رئيس بنك انجلترا، مارك كارني الدولار بأنه “عبث” وأنه يجب استبداله بعملة إلكترونية مكفولة من عدة بلدان، بما فيها الصين.

وفي إطار التجارة الدولية شهد نظام بريتون وودز انكسارا آخر وهو تأسيس منظمة التجارة العالمية WTO في عام 1995 لتحل محل GATT وذلك بعد ظهور فاعلين أقوياء في التجارة والاقتصاد الدولي، وتوسع دور منظمة التجارة العالمية ليشمل تنظيم التجارة في السلع والتجارة في الخدمات، كما فتحت المجال لمناقشة تنظيم المشتريات الحكومية في إطار التجارة الدولية، وتشجع هذه المنظمة الدول على الدخول في اتفاقية ثنائية bilateral أو إقليمية regional تعطي ميزات أكبر مما تعطيه المنظمة، ولذلك أصبح توقيع اتفاقيات ثنائية وإقليمية هدفا تسعى إليه أكثر الدول، وفي ذلك الإطار دخلت السلطنة في اتفاقية تجارة حرة مع أمريكا، كما دخلت في اتفاقيتين أخريين مع كل من سنغافورة ومجموعة التجارة الحرة لأوروبا “إفتا EFTA” في إطار الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون، وما زالت تسعى للوصول إلى اتفاقيات مشابهة مع الصين والاتحاد الأوروبي ودول ومجموعات اقتصادية أخرى.
وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه من منظمات فقد ظهرت منذ النصف الثاني من القرن العشرين عدة منظمات ومجموعات دولية ذات طباع اقتصادي سياسي، منها منظمة التعاون والتنمية (OECD)، وهي منظمة تضم في عضويتها الدول الصناعية، كما تأسست أيضا منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC، وكذلك مجموعة العشرين التي تأسست عام 1999، وهي مجموعة تضم عددا من الدول الصناعية والدول الغنية، ومنها السعودية التي هي الدولة العربية الوحيدة فيها. تهدف مجموعة العشرين، بالدرجة الأولى إلى المحافظة على الاستقرار المالي عند حدوث أزمات في الاقتصاد العالمي، وفتح حوار بين الدول الصناعية والدول ذات العوائد المالية الكبيرة، كما حدث في المؤتمر الذي عقدته المجموعة في الرياض “عن بعد” وناقشت فيه سبل التصدي للآثار الاقتصادية لجائحة كوفيد19.

وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة دخل موضوع البيئة وحمايتها كعامل مهم في العلاقات الدولية بشقيها السياسي والاقتصادي، وأصبحت “اتفاقية باريس” حول المناخ التي بدأ تطبيقها في عام 2016 أحد محاور الخلاف بين أمريكا من جهة وشركائها ومنافسيها من جهة أخرى، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب انسحابه من هذه الاتفاقية.

الملاحظ أن كل المنظمات والاتفاقيات المشار إليها نشأت في ظل تجاذبات سياسية وسعي حثيث بين أطرافها لتوسيع وزيادة مصالحهم الاقتصادية.

• أهم التجمعات الاقتصادية التي ظهرت في السنوات العشرين الأخيرة، ومحاولات كسر هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي.

أدى انتهاء الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن العشرين إلى محاولات من بعض الدول لإقامة نظام عالمي، وكان هناك من يرى أنه يجب أن يكون نظاما عالميا متعدد الأقطاب على أساس من التعاون التجاري والاقتصادي بدلا من التنافس وإقامة مناطق للنفوذ، وفي الجانب الآخر ظهر من يرى أن الحرب الباردة انتهت بانتصار أحد قطبيها على القطب الآخر وأن الساحة الدولية أصبحت خالية من منافس قوي وأنه يمكن أن يقودها قطب واحد يمكنه توجيه السياسات العسكريات والأمنية، كما يمكنه أن يكرس فيها مصالحه الاقتصادية على حساب الأطراف الأخرى، لذلك ما أن انتهت الحرب الباردة حتى بدأت “السوق الأوروبية المشتركة” ثم “الاتحاد الأوروبي” بالزحف شرقا وأصبحت تضم في عضويتها معظم بلدان القارة الأوروبية، كما اعتمد الاتحاد الأوروبي ما يسمى “سياسة الجوار” وذلك لمد مصالحه إلى البلدان المجاورة لدول الاتحاد، خاصة في أوروبا وشمال أفريقيا. وفي الجانب العسكري توسعت عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتشمل معظم دول أوروبا غربا وشرقا، كما أصبح الناتو يقوم بعمليات خارج الجغرافيا المعتادة له، فتدخل في أفغانستان والعراق وليبيا وقبل ذلك في يوغسلافيا. وفي نفس الوقت تلاشت أو ضعفت تكتلات كانت قائمة مثل المجموعة الاقتصادية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي (كوميكون) وتضم دول أوروبا الشرقية ودولا اشتراكية أخرى، كما تراجع دور كتلة دول عدم الانحياز و”مجموعة السبعة والسبعين” المنبثقة عنه.

لكن التصور بإمكانية قيام قطب واحد يهيمن سياسيا واقتصاديا وعسكريا على العالم ما لبث أن تلاشى مع ظهور دول فاعلة على رأسها الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. هذه الدول وإن تعارضت مصالحها، مثلما هو واضح بين الهند والصين، لكنها جميعا متفقة على عدم السماح بهيمنة قطب واحد على الساحة الدولية، بل إن الصين أصبحت تنادي وتؤكد في سياستها الخارجية على “مبدأ التعددية” multilateralism في العلاقات الدولية، ومن هنا جاءت المبادرة الصينية المعروفة بمبادرة “طريق الحرير” أو ما بات يعرف حاليا بمبادرة “الحزام والطريق” والتي تشمل مشاريع صينية في قطاع الموانئ والطرق وسكك الحديد والطاقة في بلدان في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفي إطار مبادرة “الحزام والطريق” تلك وقعت الصين اكثر من 200 اتفاقية مع 138 دولة ومع 31 منظمة دولية، كذلك ظهرت منظمات وتكتلات اقتصادية -سياسية أخرى جديدة. الملاحظ أن الصين كانت صاحبة الدور الأهم في قيام أغلب التجمعات والتكتلات الإقليمية التي ظهرت منذ بداية القرن الحالي، في حين كان لأمريكا وبقية الدول الغربية دور محدود أو معدوم في قيام تجمعات جديدة، ونشير هنا أيضا إلى بعض المنظمات والتجمعات الأخرى ومنها:

-رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي التي تأسست عام 1997 وكان لسلطنة عمان دور هام في تأسيسها، وهي رابطة ذات طبيعة ثلاثية تشمل التعاون بين الحكومات وأصحاب الأعمال والمؤسسات الأكاديمية. بدأت هذه الرابطة بخطوات لا بأس بها للتعاون في بعض المجالات مثل تبادل المعلومات في قطاع الثروة السمكية وكذلك الحوار بين أصحاب الأعمال والأكاديميين، لكن هذه الرابطة ضعفت أو”أضعفت” بسبب الأوضاع الجيوسياسية التي سادت المنطقة في السنوات العشرين الأخيرة.
– منظمة شنغهاي للتعاون التي تأسست في يناير عام 2001 وتضم في عضويتها الصين وروسيا والهند وباكستان وعددا من بلدان آسيا الوسطى، كما تتمتع فيها دول أخرى في آسيا وغيرها بصفة مراقب أو بصفة دولة صديقة.
-“مجموعة بريكس”، التي تأسست في عام 2009 وتضم في عضويتها الصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل. أصبح لمجموعة “بريكس” دور متصاعد في العلاقات الاقتصادية الدولية، لاسيما في مناطق آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وقد تطور التعاون بين أعضائها ليشمل الجوانب الثقافية والعلمية.

-البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، وقد أنشئ بمبادرة من الصين في عام 2014 برأسمال 50 مليار دولار، وكانت السلطنة من الدول المؤسسة لهذا البنك الذي يبلغ عدد المساهمين فيه حاليا 103 دول من بينها دول غربية مثل بريطانيا، وأصبح البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية منافسا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مجال التمويل.
-اتفاقية التجارة الحرة في منطقة المحيط الهادي وجنوب آسيا، التي تم التوقيع عليها في نوفمبر 2020، لتصبح بذلك أكبر منطقة للتجارة الحرة في العالم وتضم في عضويتها 15 دولة يشكل سكانها ثلث سكان العالم، من بينها الصين واليابان وكوريا الجنوبية واستراليا.

ولما كانت معظم هذه الاتفاقيات والمنظمات ذات طابع اقتصادي وتجاري، وبعيدة عن التأثير الأمريكي المباشر عليها، فإن ذلك سيضعف من دور الدولار في الاقتصاد العالمي في الأمد الطويل، خاصة وأن الصين أصبحت تتفق مع شركائها التجاريين على إمكانية أن تتم الصفقات التجارية والاقتصادية معها بالعملة الوطنية لكل بلد. وفي نفس السياق دعت روسيا شركاءها في منظمة شنغهاي للتعاون خلال اجتماع المنظمة الذي عقد في نوفمبر الماضي إلى “تطوير عملات دولية مستقلة عن الدولار”، وحثت على أن يكون التبادل التجاري بينها بالعملات الوطنية لأعضاء هذه المنظمة.
ولا شك أن لجائحة كورونا أو ما يسمي COVID-19 أثرا أصاب معظم اقتصادات العالم بضربات قوية وغير من أولويات كثير من الدول في علاقاتها مع الدول الأخرى، وهذا ما أدى إلى نمو متسارع في علاقات الصين مع أكثر دول العالم، بما في ذلك دول غربية كانت في عداء أيديولوجي وتنافس اقتصادي معها. كل ذلك سيضعف من دور الدولار كعملة للتبادل التجاري، مع أنه ربما يبقى لمدة أطول مهيمنا كعملة احتياط بسبب ضعف العملات الأخرى وعدم الوثوق بها كونها معرضة لعدم ثبات السياسات النقدية وسياسات الصرف في دولها.

  • محاضرة ألقيت في كلية الدفاع الوطني