قصة الربيع العربي كما حكاها أوباما «1»

باراك أوباما
ترجمة – أحمد شافعي –

التقيت بسامنثا باور حينما كنت عضوا في مجلس الشيوخ بعد أن قرأت كتابها الفائز بجائزة بولتزر «مشكلة من الجحيم: أمريكا وعصر الإبادة الجماعية»، وهو نقاش مؤثر محكم المنطق لرد فعل أمريكا الباهت على الإبادة الجماعية والحاجة إلى قيادة عالمية أقوى للحيلولة دون الأعمال الوحشية الجماعية. كانت تدرِّس في هارفرد آنذاك، ولما اتصلت بها تشبَّثتُ في اقتراحي بأن نلتقي على العشاء لنتبادل الأفكار في المرة التالية التي تزور فيها واشنطن، تبيَّن أنها أصغر مما كنت أتوقع، فهي في أواسط الثلاثينيات، طويلة نحيلة حمراء الشعر ذات نمش وعينين واسعتين حزينتين كثيفتي الرموش تتجعد زاويتاهما عندما تضحك. وفيها شَدَّة. هاجرت هي ووالدتها الأيرلندية إلى الولايات المتحدة عندما كانت تبلغ من العمر تسع سنين، لعبت كرة السلة وهي في الثانوي، وتخرجت في جامعة ييل، وعملت صحفية حرة فغطت حرب البوسنة. وألهمتها تجاربها هناك -وشهودها المجازر والتطهير العرقي- أن تحصل على شهادة في القانون، راجية من تلك الدراسة أن توفر لها الأدوات اللازمة لعلاج بعض من جنون العالم. في ذلك المساء، بعد أن استعرضت لي قائمة شاملة بأخطاء السياسة الخارجية الأمريكية التي أصرت على أنها بحاجة إلى تصحيح. اقترحتُ عليها أن تخرج من البرج العاجي وتعمل معي لفترة. استمر الحوار الذي بدأ على العشاء في تلك الليلة، على نحو متقطع، طوال السنوات العديدة التالية. انضمت سامنثا إلى فريقي في مجلس الشيوخ كمتخصصة في السياسة الخارجية، تقدم استشارات في موضوعات من قبيل الإبادة الجماعية الجارية آنذاك في دارفور. وعملت في حملتي الرئاسية، وفي ثنايا ذلك التقت بزوجها المستقبلي وصديقي والمهيمن على شؤوني التنظيمية في نهاية المطاف كاس صنستاين، وأصبحت إحدى كبار موظفي السياسة الخارجية لدينا. (اضطررت إلى عقابها وإبعادها عن الحملة حين زلَّ لسانها مع صحفي في لحظة تصورت أنها لم تكن للنشر ووصفت هيلاري كلينتون بـ«الوحش»). قمت بتعيينها بعد الانتخابات في منصب رفيع بمجلس الأمن الوطني فبرعت في عملها فيه إلى حد الامتياز، وكان عملها في الغالب بعيدا عن الأضواء، فهو من قبيل تصميم مبادرة عالمية واسعة النطاق للشفافية الحكومية وتقليل الفساد في بلاد العالم. كانت سامنثا من أقرب أصدقائي في البيت الأبيض، وكانت ـ شأن بين [أي بنيامين جيه رودز وهو من كتّاب خطابات أوباما] إلى حد كبير ـ تستفز لديَّ مثالية شبابي، والجزء الذي لم يمسسه التشكك من روحي ولم تقربه الحسابات الباردة أو الحذر المتخفي في هيئة الحكمة. وأشك أن معرفتها بهذا الجانب في نفسي وفهمها لما يجب أن تلعب عليه من أوتاري الشعورية هو الذي كان يجعلها في بعض الأحيان تثير جنوني. لم أكن أراها كثيرا من يوم إلى يوم، وكان جزء من المشكلة بيني وبينها أنها كلما حصلت على وقت في جدول مواعيدي كانت تشعر أنها مضطرة إلى أن تذكرني بكل خطأ لم أقم بعد بتصحيحه. (فأسألها «والآن، ما المُثُل التي قمنا أخيرا بخيانتها؟»). حدث مثلًا أن انهارت حينما مر يوم (ذكرى الأرمن) دون أن أعترف صراحة بالإبادة الجماعية للأرمن في مطلع القرن العشرين على أيدي الأتراك (كانت الإشارة إلى الإبادة الجماعية إشارة لا لبس فيها وفرضية مركزية في كتابها). وقد كان لعدم إصداري بيانا في ذلك الوقت سبب وجيه ـ فقد كان الأتراك شديدي الحساسية تجاه ذلك الموضوع، وكنت في ثنايا مفاوضات دقيقة مع الرئيس أردوغان حول إدارة الانسحاب الأمريكي من العراق، ومع ذلك أشعرتني سامنثا أنني مجرم. لكن مهما يكن إلحاح سامنثا مثيرًا للغضب، فقد كنت كثيرا جدا ما أحتاج إلى جرعة من حماسها ونبلها لتكون بمثابة اختبار لضميري ولأنها أيضا كانت كثيرا ما تقدم اقتراحات محددة وخلّاقة للتعامل مع مشكلات متشابكة لم يكن أحد في الإدارة ينفق وقتا في التفكير فيها. وأنموذج ذلك غداء تناولناه معًا في مايو 2010. جاءت سامنثا في ذلك اليوم مستعدة للحديث عن الشرق الأوسط، وبخاصة عن عدم إعلان الولايات المتحدة اعتراضا رسميا على تمديد الحكومة المصرية حديثًا لسريان «قانون الطوارئ» لمدة سنتين، وهو القانون الذي بقي ساريا بصورة مستمرة منذ انتخاب مبارك سنة 1981. كان ذلك التمديد تقنينًا لسلطته الديكتاتورية من خلال تعليقه حقوق المصريين الدستورية. قالت سامنثا «إنني أتفهم الاعتبارات الاستراتيجية عندما يتعلق الأمر بمصر، لكن هل توقف أي أحد ليتساءل إن كانت هذه الاستراتيجية جيدة؟». قلت لها: إنني فعلت ذلك. لم أكن من كبار المعجبين بمبارك، لكنني خلصت إلى أن بيانًا واحدًا ينتقد قانونا ساريا منذ قرابة ثلاثين سنة لن يكون له نفع كبير. قلت: إن «حكومة الولايات المتحدة سفينة ضخمة وليست زورقا سريعا. فلو أننا نريد تغيير نهجنا تجاه المنطقة، فنحن بحاجة إلى استراتيجية تقام بمرور الوقت. علينا أن نحصل على موافقة البنتاجون ورجال المخابرات. وعلينا أن نجعل الاستراتيجية تدريجية لنمنح الحلفاء في المنطقة وقتًا للتكيف». قالت سامنثا «وهل ثمة من يعمل على ذلك؟ أقصد هل ثمة من يعمل على التوصل إلى استراتيجية؟» ابتسمت، وقد رأيت التروس تتحرك في رأسها. لم يمض وقت طويل على ذلك حتى تقدمتْ إليَّ سامنثا وثلاثة من زملائها في مجلس الأمن الوطني ـ هم دينيس روس وجيل سميث وجيريمي واينستاين ـ بمخطط دراسة رئاسية تنص على أن مصالح الولايات المتحدة في الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتأثر سلبا بدعم الولايات المتحدة غير الانتقادي للأنظمة الاستبدادية. فاستعملت في أغسطس بتلك الدراسة لإصدار تعليمات للخارجية والبنتاجون والسي آي آيه ووكالات حكومية أخرى ببحث الطرق التي يمكن أن تشجع الولايات المتحدة من خلالها على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ذات معنى في المنطقة لحث تلك الدول على الاقتراب من مبادئ الحكم المنفتح فتجتنب بذلك انتفاضات وعنفًا وفوضى قد تزعزع استقرارها، فضلًا عن نتاجات يصعب التنبؤ بها مما يصاحب عادة التغييرات المفاجئة. شرع فريق مجلس الأمن الوطني في إجراء اجتماعات نصف شهرية مع خبراء الشرق الأوسط في مختلف الجهات الحكومية لوضع أفكار محددة لإعادة توجيه سياسة الولايات المتحدة. ومثلما هو متوقع، أخذ كثير من الدبلوماسيين المخضرمين والخبراء الذين تكلموا معهم يتشككون في الحاجة إلى تغيير سياسة الولايات المتحدة، ذاهبين إلى أنه على الرغم من سقم بعض حلفائنا العرب فإن الوضع القائم يخدم المصالح الأمريكية الجوهرية ـ وهو ما لم يكن مضمونا لو حلت حكومات أكثر شعبوية محل أولئك الحلفاء، غير أن الفريق تمكن بمرور الوقت من التوصل إلى جملة مبادئ متماسكة للإرشاد إلى تحول في الاستراتيجية. وبموجب الخطة الناشئة سيكون المتوقع من مسؤولي الولايات المتحدة في مختلف الوكالات أن يقوموا بإبلاغ رسالة منسقة ومتينة مفادها ضرورة الإصلاح، وسوف يضعون توصيات محددة لإضفاء الطبيعة الليبرالية على الحياة السياسية والمدنية في مختلف تلك البلاد، واقتراح نطاق من الحوافز الجديدة للتشجيع على تبنِّيها. وبحلول منتصف ديسمبر، كانت الوثائق التي تستعرض الاستراتيجية الجديدة جاهزة للإقرار، وبرغم أنني أدركت أنها لن تغير الشرق الأوسط بين عشية وضحاها، فقد سرني أننا نبدأ في توجيه آلية السياسة الخارجية الأمريكية إلى الوجهة الصحيحة. لولا أن التوقيت كان يمكن أن يكون أفضل. *** في الشهر نفسه في دولة تونس بشمال إفريقيا، أضرم بائع فاكهة فقير النار في نفسه أمام مبنى حكومي محلي. كان ذلك الاحتجاج الناجم عن اليأس رد فعل غاضبا من مواطن على حكومة يعلم أنها فاسدة ولا تبالي باحتياجاته. بكل المقاييس لم يكن ذلك الرجل المدعو محمد بوعزيزي البالغ من العمر ستة وعشرين عامًا ناشطًا ولا له اهتمام خاص بالسياسة. كان ينتمي إلى جيل من التونسيين نشأ في ظل اقتصاد راكد وحكم طاغية قمعي اسمه زين العابدين بن علي. وبعد تحرشات متوالية من مفتشي البلدية وعجز عن الوصول إلى القضاء، فاض به الكيل. وبحسب رواية أحد العابرين، صاح بوعزيزي في اللحظة التي أضرم فيها النار في نفسه، غير موجه صياحه إلى أحد بعينه، بل إلى الجميع، قائلا «كيف تنتظرون مني أن أكسب لقمة عيشي؟». أطلق ألم بائع الفاكهة مظاهرات استمرت أسابيع في البلد طوله وعرضه ضد الحكومة التونسية، وفي 14 يناير 2011 هرب بن علي وأسرته إلى السعودية. وفي تلك الأثناء كانت مظاهرات مماثلة، مؤلفة في الغالب من الشباب، قد بدأت في الجزائر واليمن والأردن وعمان، فهي أولى شرارات ما بات معروفا بالربيع العربي. فيما كنت أتهيأ لإلقاء خطاب حالة الاتحاد في 25 يناير، كان فريقي يتناقش حول المدى الذي يمكنني أن أذهب إليه في التعليق على الأحداث الجارية بسرعة هائلة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فمع تمكن المظاهرات العامة من إقصاء ديكتاتور مستقر عن السلطة في تونس، بدا أن الشعوب في المنطقة تحمست وامتلأت بالأمل في إمكانيات إحداث تغيير أوسع. ولكن التعقيدات كانت كبيرة والنتاجات الطيبة غير مضمونة مطلقا. وفي النهاية أضفنا جملة واحدة مباشرة إلى خطابي: «لنكن واضحين الليلة، إن الولايات المتحدة الأمريكية تقف مع شعب تونس، وتدعم مطامح جميع الشعوب إلى الديمقراطية». من وجهة النظر الأمريكية، كانت أهم التطورات هي الجارية في مصر، حيث أصدر تحالف من منظمات الشباب والنشطاء وأحزاب المعارضة اليسارية والكتّاب البارزين والفنانين في مصر دعوة وطنية للمظاهرات ضد نظام الرئيس مبارك. وفي يوم إلقائي خطاب حالة الاتحاد نفسه، توافد قرابة خمسين ألف مصري إلى ميدان التحرير في وسط مدينة القاهرة مطالبين بإنهاء قانون الطوارئ، وقسوة الشرطة، والقيود المفروضة على الحرية السياسية. كما شارك آلاف آخرون في مظاهرات مماثلة في سائر مصر. حاولت الشرطة تفريق الحشود باستعمال الهراوات وخراطيم المياه والرصاص المطاطي وقنابل الغاز، ولم تفرض حكومة مبارك حظرا رسميا على التظاهر وحده بل وسَّعت الحظر إلى فيسبوك ويوتيوب وتويتر في محاولة لإعاقة قدرة المتظاهرين على التنظيم والتواصل مع العالم الخارجي. وعلى مدار أيام وليالٍ تالية، سيشبه ميدان التحرير معسكرا دائما تقف فيه جموع غفيرة من المصريين عصيانًا للرئيس منادين «عيش، حرية، كرامة». وهذا على وجه التحديد هو السيناريو الذي سعت الدراسة الرئاسية إلى اجتنابه: فجأة وقعت حكومة الولايات المتحدة بين حليف قمعي لكن يمكن الاعتماد عليه من ناحية، ومن الناحية الأخرى شعب مصمم على التغيير ينادي بمطامح الديمقراطية التي نزعم أننا نناصرها. والمثير للقلق أن مبارك شخصيا كان لاهيا عن الانتفاضة الجارية من حوله. فقد تكلمت معه هاتفيا قبل أسبوع واحد فقط فوجدته مرحِّبا ومعينا ونحن نتناقش في سبل استرضاء الإسرائيليين والفلسطينيين لإعادتهم إلى مائدة المفاوضات، ونتناقش كذلك في دعوة حكومته إلى الوحدة ردا على تفجير كنيسة قبطية في الإسكندرية بأيدي متطرفين مسلمين. ولكنني حينما أثرت إمكانية أن تنتشر المظاهرات التي بدأت في تونس إلى بلده هو، نبذ مبارك الفكرة، وأوضح أن «مصر ليست تونس». أكّد لي أن أي مظاهرات ضد حكومته سرعان ما ستنتهي. وفيما كنت أنصت إلى صوته تخيلته جالسا في إحدى الغرف الكهفية المبهرجة داخل قصره الرئاسي الذي التقينا فيه للمرة الأولى، فالستائر مسدلة، وهو معتل مقعدا ذا ظهر عالٍ بينما قليل من مساعديه يدونون الملاحظات أو يكتفون بالمتابعة، متحفزين لتلبية احتياجاته. في عزلته تلك، كان يرى ما يريد أن يراه، ويسمع ما يريد أن يسمعه، وبدا لي أن ذلك لا يبشر بخير. في الحين نفسه كانت الأخبار المصورة من ميدان التحرير تأتي بذكريات مختلفة. فالحشود في تلك الأيام القليلة الأولى بدت تميل إلى الشباب والعلمانية – لا تختلف عن الطلبة والنشطاء الذين كانوا ضمن حضور خطابي في القاهرة. بدوا في الحوارات التي أجريت معهم عميقي التفكير وافري المعلومات، مصرين على التزامهم باللاعنف ورغبتهم في التعددية الديمقراطية وسيادة القانون والاقتصاد الخلاق الحديث القادر على توفير فرص عمل ومستوى معيشة أفضل. بدوا في مثاليتهم وشجاعتهم وتحديهم لنظام اجتماعي قمعي غير مختلفين عن الشباب الذين ساعدوا ذات يوم في تقويض سور برلين أو الذين وقفوا في مواجهة الدبابات في ميدان تياننمن. ولا كانوا شديدي الاختلاف أيضا عن الشباب الذين ساعدوا في انتخابي رئيسا. قلت لبين «لو كنت مصريا في العشرينيات من عمري لكنت على الأرجح معهم». ولم أكن بالطبع مصريا في العشرينيات من عمري. كنت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وبدفع من أولئك الشباب كان عليَّ أن أذكِّر نفسي بأنهم ـ ومعهم أساتذة الجامعة ونشطاء حقوق الإنسان وأعضاء أحزاب المعارضة العلمانية والنقابيون في مقدمة صفوف المظاهرات ـ يمثلون مجرد شريحة من الشعب المصري. ولو تنحَّى مبارك عن السلطة، ونشأ فراغ مفاجئ فيها، فلن يكون هؤلاء هم الذين يرجَّح أن يملأوه. فمن مآسي حكم مبارك الديكتاتوري أنه أعاق نمو المؤسسات والتقاليد الكفيلة بمساعدة مصر مساعدة فعالة في إدارة الانتقال إلى الديمقراطية: أعني الأحزاب السياسية والقضاء والإعلام المستقلين، ومراقبي الانتخابات المحايدين، والاتحادات المدنية ذات القواعد العريضة، والجهاز المدني الفعال، واحترام حقوق الأقلية. فخارج الجيش – المتغلغل بعمق في المجتمع المصري والذي يتردد أن له نصيبا غير قليل في قطاعات هائلة من الاقتصاد – كانت أكبر قوى البلد وأكثرها تماسكا هي جماعة الإخوان المسلمين السنية الرامية بالدرجة الأساسية إلى رؤية مصر – والعالم العربي كله – خاضعة لحكم الشريعة. بفضل تنظيمها الشعبي وعملها الخيري نيابة عن الفقراء (وبرغم حظر مبارك لها على المستوى الرسمي)، كانت الجماعة تباهي بقاعدة عضوية ضخمة. كما تبنت المشاركة السياسية لا العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها، فكان المرشحون الذين تدعمهم في أي انتخابات حرة نزيهة يحظون باحتمالات كبيرة للفوز. ومع ذلك كانت حكومات كثيرة في المنطقة ترى الإخوان تهديدا خطيرا هداما، كما أن فلسفة الجماعة الأصولية جعلتها غير محل للثقة كحارسة للتعددية الديمقراطية ومن ثم تمثل مشكلة للعلاقات الأمريكية-المصرية. يتبع

*مقتطف من كتاب باراك أوباما السيري الصادر في نهاية 2020 بعنوان «أرض موعودة».