مرفأ قراءة.. «عهود» مارجريت آتوود المتخيلة!

إيهاب الملاح

– 1 – منذ زمن بعيد لم أقض هذه المتعة الممتدة في قراءة عمل روائي كبير وضخم (يقع في ما يزيد على 400 صفحة) لكنه استطاع أن ينتزعني انتزاعا من بين أكوام الأوراق والكتب والملفات التي أكاد أغرق بينها يوميا لأكثر من 12 ساعة تقريبا! أحب هذه النوعية من الروايات التي تخطفك خطفًا منذ الأسطر الأولى! مارجريت آتوود كاتبة عظيمة ومخضرمة ولها حضور كبير في الثقافة العربية، ولا يكاد يصدر لها عمل جديد إلا ويترجم إلى العربية على الفور. كتبت الرواية والقصة والشعر، غزيرة الإنتاج بصورة لافتة (لها أكثر من خمسين كتابًا بين الرواية والقصة والشعر، ومحاضرات حول الكتابة.. إلخ). تكاد تكون آتوود، وصديقتها المخضرمة أيضًا؛ أليس مونرو كاتبة القصة القصيرة الحاصلة على نوبل في الآداب منذ عدة سنوات، ممثلتي الأدب الكندي المعاصر على خريطة الآداب العالمية. من أشهر ما ترجم لها إلى العربية «القاتل الأعمى»، و«المذنبة»، و«العرافة»، و«كريك وأوريكس»، و«مفاوضات مع الموتى ـ تأملات حول الكتابة»، وغيرها وكل هذه الكتب صدرت عن المشروع القومي للترجمة (ثم المركز القومي للترجمة بالقاهرة). كما صدر لها أكثر من عمل في إطار سلسلة الجوائز التي تصدر عن هيئة الكتاب المصرية، هذا عدا ما ترجم لها خارج مصر. لكن عملها الأخير «العهود» الذي ترجمته إيمان أسعد، (والصادر عن دار روايات، بالاشتراك مع دار الكرمة للنشر والتوزيع) مختلف من وجوه عدة؛ مختلف بأجوائه الدوستوبية القاتمة العنيفة، وبالامتداد الزمني والجيلي والشخصيات المتكاثرة التي يعج بها هذا الفضاء المتخيل العجيب؛ “مملكة جلعاد” القاسية التي تحتوي هذه الأجواء الكابوسية الفظيعة، وبالخيار السردي التعددي الذي اتبعته مؤلفته، وسارت عليه طوال أحداث الرواية، ومختلف أيضًا بحزمة الأفكار والأسئلة والطروحات التي ناوشتها في عملها الملحمي هذا! وأخيرا، هو مختلف بالقيمة الأساسية التي يتبناها النص الروائي وهي قيمة أصيلة من قيم الإنسانية المعاصرة نتمنى ترسيخها وحضورها الدائم في تربتنا العربية. – 2 – لدفاعها عن كرامة المرأة وصيانتها، وللصرامة والسخرية التي تتناول بها أنواعا أدبية مختلفة، والتي تتنوع بين الشعر والرواية والقصة، بالإضافة لنشاطها في حقول ومجالات أخرى مختلفة؛ مثل نضالها في قضايا مساواة المرأة، والحفاظ على البيئة، فازت الكاتبة الكندية بجائزة أمير أستورياس عام 2008 التي جاء في حيثيات منحها الجائزة “تتميز أعمال أتوود في مجملها بصناعة سرد في عالم مضطرب وأرق”.. لم تكن هذه الجائزة الوحيدة؛ فصحيفة الجوائز التي حصلت عليها متخمة، وتكاد أن تشكل كتيبا صغيرا لا ينقصه سوى أن يدون به أنها حصلت على نوبل (وهي دائما على رأس الأسماء المرشحة كل عام للجائزة الأهم). في عام 1984، أصدرت روايتها «حكاية الجارية»، رسمت فيها مجتمعًا غريبًا تقوم فيه المرأة بوظيفتها البيولوجية فحسب، مختبئة تحت ملابسها الكثيرة. قرأها الكثيرون على أنها نقد مستتر للأصولية الإسلامية. وشغلت الرواية الناس لعقود طويلة، وتحولت إلى مسلسل تليفزيوني حاز نسب مشاهدة عالية، وحقق للمؤلفة شهرة وصيتا في أنحاء العالم، وخصوصا مع نجاح المسلسل في إبراز معالم هذه المملكة الخيالية التي تحمل اسم “جلعاد”، وتُقهر فيها النساء وتقوم على أساس التطرف، والامتثال والتعذيب النفسي والجسدي، تحت راية الدين، وبادعاء طاعة السماء. وتأخرت ترجمة الرواية إلى العربية حتى السنة الماضية فقط أو التي قبلها، حينما ترجمها أحمد العلي، وصدرت في طبعة خاصة بمصر وشمال إفريقيا عن دار الكرمة للنشر والتوزيع. وها هي الترجمة العربية للعهود والجزء الثاني من حكاية الجارية تصدر بالعربية، بعد أن نالت جائزة البوكر البريطانية في 2019، وهي هنا تجيب عن أسئلة لطالما حيرت قراء الجزء الأول الذي مضى على نشره ما يزيد على ثلاثين عامًا. في «العهود» تستكمل أتوود حكاية مملكة جلعاد العجيبة، تضفر خيوط سرد حكايتها، وشخصياتها ثلاثةُ أصوات نسائية مختلفة يتبادلن سرد الأحداث والمواقف في هذه المملكة التي تستعبد النساء وتحكم قبضتها على الرقاب باسم المقدس؛ (وليس المقصود هنا مقدسا بعينه لدين بذاته، إنما يتعدى الأمر الأشكال والتجسدات المختلفة إلى البنية العميقة التي ينطوى عليها هذا الفكر)، بتكريس تفسير واحد واحدي للنص المقدس واعتماده سيفا على الرقاب، لا رد، لا مناقشة، لا رأي آخر، لا آخر أساسا، تتحد السلطات الغاشمة كلها في قبضة واحدة؛ سلطة الفكر الديني، وسلطة الفكر الذكوري، وسلطة الاستبداد السياسي في أليجوريا معاصرة شديدة الإحكام والعذوبة والبشاعة أيضا! – 3 – إذا كان البعض قد قرأ «حكاية الجارية» في 1984، على أنها بوجه من الوجوه تعالج صورة المرأة كما كرستها الجماعات الأصولية الإسلامية المتطرفة، فإن من الممكن قراءة «العهود» على أنها أمثولة موازية للعالم الأسود والتفاصيل الكابوسية الوحشية التي ظهرت على يد داعش والرعب الذي أشاعته منذ ظهورها على مسرح الأحداث في 2014، وخصوصًا مع ما ارتكبته من مجازر ومذابح بشعة في حق البشر والحجر والنبات والحيوان، وفي حق النساء اللاتي روين ما لا يصدقه عقل من بشاعة ووحشية وهمجية ارتكبت في حقهن بدعوى تطبيق الشريعة، أو تنفيذ ما أمر به الله في كتابه (وهو عنه منزه جل وعلا وسبحانه وتعالى عما يصفون أو يدعون أو يفترون). في «العهود»، وبعد خمسة عشر عاما من نهاية حكاية الجارية حين تواجه “أوفرد” مصيرها المجهول، تسرد ثلاثة أصوات نسائية من بقايا جمهورية “جلعاد”: الصوت الأول؛ هو الخالة ليديا التي تكتب اعترافات لقارئ ما، محاولة تبرير وتفسير كيف تحولت من قاضية في محكمة الأسرة، قبل ظهور جلعاد، إلى الخالة المؤسسة لنظام إخضاع وقهر النساء، في عصر جلعاد المظلم. الصوت الثاني؛ هو آجنس اليمامة، وهي فتاة بائسة من جلعاد، تهرب من الزواج، بأن تتحول إلى خالة صغيرة، مدعية أنها سمعت صوتا ربانيا يأمرها بذلك، ولكنها ستكتشف معلومات خطيرة حول ماضيها ونسبها. أما الصوت الثالث؛ فهو ديزي الفتاة المراهقة الكندية، والتي تكتشف أيضًا ماضيًا مروعًا خاصًا ينتهي بها أيضًا إلى جلعاد. ومع تطور الأحداث والتقاء الخيوط الثلاثة سنكتشف أن اتحادها (اتحاد هذه الأصوات الثلاثة) سيكون هو نقطة البدء في مواجهة هذا العالم الكابوسي ومسمار النعش في التمرد عليه، والثورة على قوانينه المستبدة الباطشة، بالاستعانة بإرادة المحتجات داخل جلعاد، ومساندة المؤمنين بحرية الإنسان والمساواة وحق المرأة في الحرية والمساواة معا خارجها. وعلى مدار الرواية وببراعة كاتبتها وإتقانها لحرفة الكتابة ومساربها تفكك آتوود هذا العالم وتكشف مفاسده والسوس الذي ينخر في أساساته رغم ادعاء قوته وتماسكه! فباسم الخالق ترتكب أبشع الجرائم وبادعاء إرادة السماء تمتهن النساء ويتعرضن لأبشع صنوف الإذلال والقهر، وبوهم تفوق الثقافة الذكورية وسيادتها وتكريس التمييز تتحول المرأة إلى مجرد آلة للإنجاب منعدمة الإرادة معدومة الشخصية محرومة من أبسط حقوقها كإنسانة. ورغم ذلك كله، تتلاقي خيوط السرد النسوية الثلاثة الواهنة، فتحيل هذا الوهن إلى قوة، والضعف إلى إرادة، فتتحقق المعجزة وتبدو البوادر لانتهاء الكابوس والتحرر من الذل. – 4 – تتجلى براعة آتوود في إنطاق نماذجها النسائية بالقوة والحيوية والمعرفة في مواجهة جمود وجهل وغطرسة النماذج الذكورية المهيمنة، كما تبرع في إبراز الحس الإنساني وقوته الذي يجعل من هؤلاء الضعفاء من النساء قادرات على التضحية والبذل في مواجهة قوى غاشمة لا تعبأ بحس ولا تؤمن باختلاف ولا ترى من الأساس ما يستحق الشفقة أو العطف فضلا عن الإيمان بقيمة “العدل”. إن براعة آتوود، كما يقول الناقد محمود عبد الشكور، لا تتمثل فقط في جمع هذا الأصوات النسائية المتنافرة تدريجيًا لتقرير مصير جلعاد، ولكن أيضا في تفكيك الفكرة من خلال أحداث تشويقية مثيرة، ننتقل فيها من كندا إلى جلعاد، وبالعكس، ورغم كابوسية الأحداث والمصائر، ورغم الاستلهام الذكي للرموز الدينية، التي تستخدم لأغراض خاصة ولمصالح فردية، فإن بنية النص السردي تسري فيها سخرية حادة ومعتبرة، دون أن تتوه فكرة قهر بالمرأة بالذات، وكأن الدين نزل لكي يقهرها، أو كأن الآيات لا تستهدف سوى الحط من شأنها.