جرة قلم :الطريقة البطاشية في كتابة التاريخ

محمود الرحبي –

من يقرأ كتاب إتحاف الأعيان في تاريخ بعض أعلام عمان، بأجزائه الثلاثة الكبيرة وفي طبعته الرابعة التي صدرت عام 2016 عن طريق مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية كما هو موثق في الصفحة الثانية من الجزء الأول، يلاحظ أن المؤرخ الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي ابتكر طريقة ومنهجًا جديدًا في كتابة التاريخ لم يسبقه إليها أحد على الأقل من مؤرخي التاريخ العماني، وهي طريقة في نظري الأكثر (خلدونية) نسبة إلى ابن خلدون الذي ترك في مقدمته ملاحظات علمية مهمة تتعلق بكتابة التاريخ، ملاحظات استفاد منها العالم كله وخاصة الأوروبيون حين نتذكر مثلا ما قاله عالم التاريخ الإنجليزي أرنولد تويمبي عن ابن خلدون واستفادته الكبيرة منه، كما أن هناك من العلماء الأوروبيين من يقول: إن ابن خلدون قد سبق أوغست كونت مؤسس علم الاجتماع الأوروبي بقرون كثيرة. ومنهج ابن خلدون يتقصد الدقة والوضوح، وتعتبر نظريته حدا فاصلا بين اعتماد الخرافة والخوارق في كتابة التاريخ وبين اعتماد الحقائق والتفاصيل التي يمكن أن يقتنع بها العقل، حيث سلك مسلكًا عقلانيًا لا يجب أن يحيد عنه المؤرخ حسب رأيه. وبالنسبة لكتابة التاريخ العماني منذ كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة للشيخ سرحان بن سعيد الأزكوي الذي بنى عليه وعلى تفاصيله المؤرخون العمانيون، ولكن رغم ذلك فإن كل مؤرخ كان يحاول أن يدلو بدلوه في كتابة التاريخ ويجتهد بطريقته في استنبات التفاصيل، نجد مثلا أن طريقة نور الدين السالمي في كتابه تحفة الأعيان ينفتح على المحكيات الشعبية، ومن أهمها قصيدة مسحورة نزوى وغيرها من قصص تندس بين ثنايا كتابه، وهي طريقة تدخل اللطف على الكتاب وتجعل القارئ يستمتع أكثر في قراءته، وهذه الطريقة مأخوذة من كتب الأخبار والنوادر العربية مثل كتب التنوخي وكتاب الليالي العربية وغيرها من كتب. كذلك فإن المؤرخ الشيخ سالم بن حمود السيابي يسلك مسلكًا يعتمد على الدقة والتفاصيل والتأويل. نرى الأمر عينه عند مؤرخ محدث مثل عبدالله الطائي الذي يمتاز هو الآخر بالسعي نحو التوثيق في كتابه عن التاريخ العماني، حيث نرى في أحد الفصول أنه سأل شيخ الأزهر من أجل أن يتأكد من نسبة نحوي عاش في العراق إلى عمان. ولكن جل هذه الكتب تشترك في أمر واحد وهو اعتمادها على الأحداث والوقائع، بينما طريقة البطاشي كانت فريدة بين هذه الكتب حول التاريخ العماني حين اعتمد في منهجه على الأسماء وتعامل معها بطريقة (كورنولجية) تعتمد الأقدم فالأحدث، وكان منهجه في ذلك أن يبدأ في ذكر العمانيين الذين عاصروا نبي الإسلام محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث ركز على كل واحد منهم وذكر كل ما يعرفه عنه. ثم انتقل بعد ذلك إلى العصور اللاحقة وهكذا إلى أن وصل للعصر الذي نعيش وعاش فيه المؤرخ. وهو بذلك لا يترك أي اسم لم يذكره حتى وإن كانت الأخبار عنه لا تتجاوز نصف سطر، في حين نجد أن بعض الأعلام أفرد لهم صفحات كثيرة كما فعل مع الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أفرد له فصلا ثريا بالمعلومات، وكذلك الأمر بالنسبة لابن دريد العماني إمام اللغة والأدب، حيث يجد القارئ آراء كثيرة حوله قالها عنه حتى المتأخرون عن عصره، حيث تطرق مثلا إلى مقصورة ابن دريد وتتبع كل الذين كتبوا مقصورات من العمانيين بعده كعبدالله الخليلي وأبو مسلم البهلاني وسليمان بن سليمان النبهاني.
الطريقة البطاشية في كتابة التاريخ يمكن اعتبارها منهجًا فريدًا عن نظيره في كتب تاريخ العرب، تدلل على علو كعب المؤرخ في المعلومات وتنظيمها، كما تدلل، بشكل أساسي، على أن التاريخ يمكن أن يكتب بأكثر من طريقة.