«ناقة صالحة» لسعود السنعوسي .. عندما تجسد الناقة أحاسيس صاحبتها

كتب: ماجد الندابي

“حمامةٌ وحشیةٌ بین فواخِتَ وادِعة، فرسٌ جَموحٌ عصِیَّةٌ على الترویض. المجنونة طارِحةُ النُّوق، تبزُّ فتیان القبیلة في مُباریاتھم”. هكذا يصف دخيل ابن أسمر ابنة عمته ومعشوقته من قبيلة آل مهروس واسمها صالحة وهو يسرد ذكرياته الطويلة التي من خلالها بنى الروائي سعود السنعوسي ملامح شخصية بطلة الرواية في روايته “ناقة صالحة”. هذه الرواية التاريخية التي هي أقرب إلى القصة الطويلة منها للرواية وقد اختار لها السنعوسي عنوان “ناقة صالحة”، وهذا العنوان عندما تقرأه لأول وهلة يرجعك إلى القصة القرآنية “ناقة صالح”، غير أنها لا علاقة لها بالقصة القرآنية التي تتحدث عن ناقة صالح مع قوم ثمود، ولكنه اسم صالحة، الذي يزيد بتاء مربوطة عن اسم النبي، ووجود الناقة في هذه الرواية حدا بالكاتب أن “يطلق هذا العنوان المخاتل الذي يجعل القارئ يحاول أن يبحث عن التوقعات التي نسجها في مخيلته من خلال الدلالات التي طرحها هذا العنوان، على الرغم من أن مسار الرواية يختلف كليا عن مسار قصة ناقة صالح وأحداثها. الرواية تؤكد صورة الحب العربي القديم، ذلك الحب الذي غالبا ما ينتهي بنهايات غير سعيدة. الحب الذي ينطلق من بيئته الصحراوية؛ ليجعل كل ما له علاقة بالمحبوب محط أنظار الشاعر العاشق، كما يقول الشاعر الجاهلي المُنَخَّل اليشكري “وأحبها وتحبني.. ويحب ناقتها بعيري”، ولكن الحبيب وهو دخيل بن أسمر، لا يستطيع الوصول إلى محبوبته، وذلك بسبب أنه قام بهجاء شيخ القبيلة الذي تزوج ابنه من صالحة. والمسار الموازي للقصة الرئيسة المتعلقة بدخيل وصالحة، الذي رسمه السنعوسي هو محاولة ربط الناقة الصغيرة لصالحة التي اسمها “وضحى” بناقة دخيل المسماة الخلوج، وذلك من خلال فكرة يعرفها أبناء الصحراء في إيهام الناقة الأم التي نفق عنها حوارها أو تم ذبحه، وجعلها تهتم بالناقة التي ليست ابنتها. لم تكن وضحى مجرد ناقة فقط، بل كانت صالحة تسقط عليها الأوصاف والانطباعات البشرية، فتقول مثلا: “مرضتُ یوم مرضت وَضْحَى، ھكذا ھي الحال دائمًا بیننا” بل وتضع مقارنات بينهما حتى في المرض “أصابتني الحصبةُ وأصابھا الجرب” بل أخذت تسقط عليها بعض الأوصاف التي تسقطها نساء القرية على صالحة، كأن تصفها بالغبية، وتقارن بين رضيعها وبين حوار وضحى الصغير، فهي تجسد معاناتها وما تشعر به من خلال ما تتعرض له وضحى من المعاناة الشديدة، فهي كائن يشبهها حدَّ التطابق. يتنوع السرد في هذه الرواية حيث نجد في بدايتها سردًا للسارد العليم الذي يصف دقائق الأمور ويعرف حتى الأفكار التي تدور في ذهن البطل “دخيل”، ولكن نجد هنالك نوعًا آخر من السرد يتعلق بالسارد المشارك وهو المتمثل في سرد البطل لوقائع الرواية التي شارك في أحداثها وكان أحد أبطالها، فنجد في الرواية دخيل يحكي قصته مع ابنة عمته ومحبوبته صالحة، وقد اختار الكاتب أن يرسم شخصية دخيل على لسان صالحة، وكذلك أن يرسم شخصية صالحة على لسان دخيل من خلال الوصف الذي يقدمه كل منهما عن الآخر. هنالك شخوص ثانوية في الرواية تم استعراضها من خلال السرد الذي تقوم به الشخصيات الأساسية المشاركة في هذه الرواية مثل شخصية فالح أخي صالح زوج صالحة وابن شيخ قبيلة آل مهروس، هذه الشخصية رسمتها صالحة بتفاصيلها من خلال سردها لها في فصول الرواية، وكذلك شخصية أم دحام، وغيرها من الشخصيات التي ساهمت في تكوين مسارات الحكاية. الزمن الفيزيائي لأحداث هذه الرواية يعود إلى بداية القرن العشرين الذي حدثت فيه حرب الصريف “كما تذكر ملاحق الرواية” بين فرقة الهجانة من آل مهروس التابعين لدولة الكويت وبين قبيلة أسمر، التي تعيش في شمال الجزيرة العربية، أما زمن الرواية من حيث تقنية كتابتها فهو متنوع، فنجد الكاتب بدأ فصله الأول بوصف دخيل بن أسمر هو والصبي الذي استأجره لإعانته في بيع منتجاته في سوق الكويت، وقد غير اسمه إلى محمد لكي لا يعرف أنه من قبيلة أسمر التي تكن العداء لهذه الدولة، والفصل الأخير يُعد إكمالا لهذا المشهد، وما بينهما من تفاصيل هي أحداث سابقة حدثت في الماضي وقام الروائي بتكييفها زمنيًا حسب طريقة السرد. هنالك زمن يستشرف المستقبل في هذه الرواية وهو ما كانت تقوم به صالحة من أفكار التفاؤل التي يجلبها لها المطر باعتباره نبوؤة سعيدة. يمكن تصنيف هذا العمل إلى الرواية التاريخية فهي تستند في أساسها على روايات تاريخية لمنطقة في صحراء الكويت تسمى ديار صالحة، لكنها حاولت أن ترجع الأحداث إلى الواقعية، على خلاف ما يقوم به بعض الروائيين، في محاولتهم لأسطرة الواقع وجعل هذا المكان الواقعي ينضح بقصص الأساطير والحكايات الخرافية التي من خلالها ينسج الكاتب حبكاته وتشويقه، حاول بقصته التي استقاها من الكتب التي وثقت هذه القصة والأشعار التي كتبت عن ديار صالحة، والأشعار التي رويت عن دخيل بن أسمر، بطل القصة، ومحبوبته صالحة آل مهروس.