التباعد الاجتماعي .. من الوسيلة إلى الغاية

أحمد بن سالم الفلاحي –

تفرض بعض الأحداث أجندتها على واقع الناس، فتغير الكثير من سلوكياتهم، ومن قناعاتهم، ومن مواقفهم، حيث تحمل هذه الأجندات قيما جديدة، تصبح نافذة التطبيق بإرادة الناس، أو بغير إرادتهم، حيث يقبلونها على مضض، اتكاء، ودفعا لضرر أكبر من هذه السلوكيات، وهذه القناعات، وهذه المواقف، وهذا ما نراه على أرض الواقع، والذي بدأ يتشكل من أثر جائحة (كورونا – كوفيد19) صحيح أن تأثيرات نتائج الـ»تباعد الاجتماعي» غير ملموسة بصورة مباشرة حتى هذه اللحظة، ولكن تداعياتها ستظهر بعد حين من الزمان، خاصة مع تموضع هذه الجائحة، واستهلاكها لعمر زمني أكبر، مع عدم القدرة على تحديد سقف زمني محدد لإنهائها، والعودة إلى الحياة الطبيعية التي كانت قبل حلولها على أرض الواقع، فالـ»تباعد الاجتماعي» يعد من أفضل الاستراتيجيات لمكافحة الأمراض المعدية، وبالتالي فهو الوسيلة الفعالة في وجود سياج (مادي/ معنوي) كأول محطة للعلاج ولعدم الانتشار، قبل الوصول إلى الأدوية والعقاقير.
وتذهب المقاربة هنا أكثر كما هو الحال في مناقشات سابقة؛ عندما يتعلق الأمر بالمصطلحات إلى إيجاد نوع من التوافق أو التقارب بين المفهوم الذي يحمله المصطلح بصورة مباشرة، وبين المعنى الضمني، أو الفلسفي الذي يخرج عن الموضوع الذي وضع لأجله المصطلح، إلى واقع الحياة اليومية للناس، فالإنسان كما هو معروف بالضرورة «كائن اجتماعي» ويأتي مفهوم «التباعد الاجتماعي» أو التباعد المكاني -كما يسميه البعض- أو التباعد الزماني في مفهوم آخر، كواقع ممارس على نطاق واسع، وليس فقط كمفهوم نظري، متخيل، ليس له أثر على الواقع، ولذلك عندما تقفز بعض المفاهيم في حياة الناس، هكذا من غير سابق إنذار، يظل استيعابها وهضمها، مثار جدل وشك في الأثر العملي الذي سوف تتركه من تطبيقها، ومن هنا يتفاوت الفهم بين الناس في هذا الجانب، وهذا التفاوت ربما يخلق شيئا من القضايا الخلافية، من ناحية، وعدم الاستجابة الفورية للهدف الذي من أجله حل المفهوم على واقع الناس من ناحية ثانية، ولذلك قد يقضي المفهوم وقتا ليس قصيرا حتى يصبح واقعا فعليا في حياة الناس، ويؤمن هؤلاء الناس به إيمانا بأهمية الدور الذي يلعبه في حياتهم اليومية.
تفرض الأوبئة العالمية كما هو الحال اليوم في (كورونا – كوفيد19) واقعا مختلفا عما اعتاده الناس طوال سنوات حيواتهم، كمفهوم التباعد، فهناك أناس يعيشون هذه الحالة الـ»تباعدية» لأول مرة في حياتهم، وبالتالي لا يستبعد مجموعة الاختراقات التي تحدث في شأن مجموعة الاحترازات التي تنادي بها المؤسسات المعنية بالصحة، وهذا يعكس مدى حرص الناس على اجتماعيتهم، وتقاربهم، وتوحدهم، حتى لو أن الأمر ارتبط بخطورة هذا الالتفاف، وهذا التقارب، وهذا ما يُغلّب الرأي القائل: أن الصور النمطية المترسخة في الذاكرة الاجتماعية لها تأثير قوي، ومباشر على القناعات الذاتية المتأصلة في الذاكرة، وحتى تتكون صور نمطية أخرى «بديلة» تنافس الحالية تحتاج إلى زمن غير قصير، حتى تُولّد قناعات جديدة، وتلغي القديمة «الحالية» ومن هنا تواجه الجهات المعنية بأي برامج جديدة تتبناها لتحقين المجتمع بسلوكيات مغايرة عما اعتادوا عليه الكثير من الصعوبات للوصول إلى مستوى من القناعات التي يتبناها الأفراد أنفسهم فيما بعد، حيث يحتاج الأمر إلى كثير من الجهد المادي والمعنوي، ويقينا أن ذلك سوف يواجه بمقاومة شديدة، وهذا أمر معاش على الواقع اليوم في آليات التعامل مع هذه الجائحة، كما هو في كل زمان، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا السلوك البشري المقاوم لا يقتصر على مجتمعات غير واعية، أو مجتمعات واعية، مع أهمية التعريف الدقيق لمفهوم «الوعي» وهناك مجتمعات كثيرة لا تزال الجهات المعنية فيها تواجه تحديات كثيرة في هذا الجانب، فقناعات الناس، ليس من السهولة دحضها في غمضة عين.
جميعنا يعي أن الدخول في معترك الـ»تباعد الاجتماعي» ليس بالأمر الهين، لأن هذا الإجراء يتصادم مع قيم المجتمع الإنساني بشكل عام، وهي القيم الحاثة على التقارب، والتداخل، والتعاون، والتآزر، والتكامل، وهي ممارسات حاضرة في كل وقت وحين، وليس يسيرا تجاوزها في لحظة عين، أو تنفيذا لقرار رسمي، ولذلك تبقى صورة الالتفات إلى مسألة التباعد، وحضورها، مسألة شائكة، وتثير التباسات كثيرة، وبالتالي فهي قابلة لتجاوز تطبيقها على الأرض الواقع، ولذا يواجه تطبيق برنامج الـ»تباعد الاجتماعي» صعوبات جمة، نظير تأرجح القناعات بأهميته، وفاعليته لدى قطاع كبير من الناس.
كلمة التباعد ذاتها توشي إلى الـ»قطيعة» والقطيعة في العرف الاجتماعي مرفوضة جملة وتفصيلا، لأنها تدخل في مظان علاقات الإنسان بأخيه الإنسان وربط هذه العلاقة برب هذا الكون، وهو الآمر بالتقارب، والوحدة، والتعاون، والتكاتف، أما في جانبها الاصطلاحي فهي قابلة للتوظيف في كل ما يصلح المجتمع، ويعفيه من كثير من الضرر، خاصة وأن الإنسان يحتاج في كثير من الأحيان إلى تصويب مساراته في العلاقات القائمة بينه وبين الآخرين من حوله، وذلك لقصور النظر عنده، وعدم إدراكه لكثير من تفاصيل التفاصيل بمختلف القضايا الحالية، والعالقة على حد سواء، ولذلك فهو يحتاج إلى النصيحة، وإلى التوجيه، وإلى الإرشاد، وإلى التوعية، وكل ذلك للتقليل من حجم الخسائر التي يمكن أن تحدث في حالة تركه العبث في كل ما يهوى، وفي كل ما يريد، فالإنسان بطبيعته «حمال أوجه» حيث يميل إلى حيث الرياح تميل، وهذا بدوره يعكس حالة الضعف التي عليها الإنسان، ومن هنا تأتي مجموعة التوجيهات لتحييده عن الوقوع في مزالق تأتي إليه بالضرر الكثير من حيث يدري ولا يدري، وهذه ليست إشكالية معرفية فقط، بل هي حالة إنسانية بامتياز، مصاحبة له على مر الأزمان، وفي مختلف الأمكنة، لا فرق بين مغرب ومشرق، ونلاحظ هذا السلوك البشري الـ»متأزم» في كل بقاع الدنيا، بلا استثناء، والاستثناء الوحيد هو ما يخضع تحت برامج توجيهية، وإرشادية في مختلف مجالات الحياة والتخصصات الداعمة لها.
شخصيا أتفق كثيرا مع من يذهب إلى أفضلية استخدام مصطلح الـ»تباعد المكاني» بدلا من «الاجتماعي» وذلك لسبب بسيط ومهم، وهو أن تكريس لفظ الكلمة يذهب إلى تخزينها في «اللا وعي» وبمرور وتقادم الأيام، تصبح سلوكا مقبولا، بل ومحببا إلى حد كبير، ذلك أن النفس البشرية تميل؛ غالبا؛ إلى التقليل من الكلفة، سواء أكانت هذه الكلفة مادية، أو معنوية، ومعروف أن التقارب الاجتماعي – على سبيل المثال – له الكلفتان: المادية والمعنوية، ولا خيار ثالث، بتحقق التباعد الاجتماعي، وهذه مسألة لها خطورتها مع مرور الزمن، لأنها تذهب إلى القطيعة غير المقصودة، وكما هو معروف بالضرورة أن من غاب عن العين، غاب عن القلب، وفق المثل القائل، وهي الحقيقة، وبالتالي وحتى لا نتيح الفرصة لهذا الغياب، أو «القطيعة» أن تحدث، يستلزم الأمر استبدال لفظة «الاجتماعي» بلفظة «المكاني» فالأمكنة تحافظ على ثباتها، واستقرارها، بينما الاجتماعية قابلة للتحول، والتبدل، ويكفي اليوم تنامي الأسر الـ»نانووية» المنبثقة عن الأسر الـ»ممتدة» في تحلل هذه الأخيرة، وذوبانها شيئا فشيئا حتى تصبح من الماضي، بعد أن كانت لها الصولة والجولة على مستوى القاعدة الجماهيرية في مجتمع القرية على وجه الخصوص.
يبدو من النتائج المتوقعة في حالة استمرار تداعيات جائحة كورونا، سيؤدي ذلك إلى تكريس أكبر في شأن هذا التباعد بين الناس، حتى لو عادت الحياة إلى طبيعتها؛ لما قبل الجائحة، لأن النفس؛ كما قلنا تدمن السلوك الطويل «ممارسة» والمستمر «زمنيا» ويصبح في حكم العادة، وبالتالي فإن تحقق ذلك فإن لذلك تداعيات خطيرة على اللحمة الاجتماعية، وعلى تقارب الأفراد ومؤازراتهم المختلفة، وإن كانت هذه الفرضية مستبعدة حتى هذه اللحظة، لاعتبارات كثيرة، لا يزال أبناء المجتمع يتمسكون بها، محافظة وروحا، وممارسة ليكونوا بذلك سدا منيعا لأي تغريب من شأنه أن يفكك اللحم الاجتماعية المتماسكة.