مستجدات عام 2021 لتحريك عملية السلام بالشرق الأوسط

د.عبد العاطي محمد –

مع بداية عام 2021 هناك أربعة مشاهد تتعلق بمصير عملية السلام في الشرق الأوسط كلها تثير الاهتمام وتفرض التوقف عندها بالتأمل والتحليل، بالنظر إلى أنها مجتمعة تؤشر إلى أن عملية السلام المتجمدة منذ سنوات في طريقها إلى حلحلة تعيدها إلى حالة النشاط والفاعلية المصحوبة بعزيمة على إحداث اختراق في الجهود السياسية الهادفة للتوصل إلى تسوية سلمية للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبعيدا عن المبالغة أو التهوين فيما هو قادم من التوقعات، فإن ما لا خلاف عليه هو أن وضعية هذه العملية مع بداية العام الجديد ليست كسابقتها، حيث هناك واقعيا من المعطيات ما يرجح فرضية أن هناك شيئا في الأفق ما يدفع في اتجاه البحث مجددا عن مسار لإحلال السلام بين الطرفين.
لقد بدأ العام الجديد بتحقيق إنجاز خليجي طال انتظاره على غير المعتاد، وهو إعلان المصالحة الخليجية في قمة مجلس التعاون الخليجي بالعلا في المملكة العربية السعودية. ذلك الإعلان الذي كشف عن تحقيق نتيجتين إيجابيتين من شأنهما تغيير مسار الأحداث إلى الأفضل في المنطقة العربية والشرق الأوسط بوجه عام، وهما الأول عودة الروح لمجلس التعاون الخليجي ودوره في ضبط المواقف الخليجية تجاه القضايا التي تمس شعوب وحكومات المجلس، والثاني تنقية الأجواء العربية واستعادة العمل العربي المشترك. واتصالا بموضوع السلام في المنطقة ككل وبالنسبة للعلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن كلا النتيجتين تجعلان القضية الفلسطينية وعملية السلام هما الرابح الأول من هذا الإنجاز التاريخي إن جاز التعبير. وما ذلك إلا لأن ما صدر في قمة العلا يزيل الكثير من اللغط الذي شاب مواقف بعض الأطراف المعنية داخل المنطق وخارجها، فيما يتعلق بالعلاقات الخليجية الفلسطينية، وبمصير عملية السلام في الشرق الأوسط بوجه عام، ويعيد الأمور إلى نصابها حيث التمسك بالثوابت الفلسطينية والعربية والتركيز على الإيجابيات لا على السلبيات من الآن فصاعدا. بهذا الإعلان طويت صفحة استثنائية في العلاقة وفتحت صفحة جديدة تماما لا علاقة لها بما كان يجرى من تعكير للأجواء في السنوات الثلاث السابقة.
لقد تغير الخطاب الفلسطيني جذريا في اتجاه الترحيب بقرارات العلا والرغبة في أن يظل البنيان الخليجي التعاوني قوة دعم لا حدود لها لصالح الحقوق الفلسطينية ولصالح العمل العربي المشترك والموقف العربي المعروف من الحل السلمي للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعليه جاء الترحيب من فتح وحماس وبشكل لافت يؤكد طي صفحة الماضي القريب ويعيد العلاقات إلى سابق عهدها. ففي مساء يوم القمة نفسه أعربت الرئاسة الفلسطينية عن ترحيبها وتثمينها لمواقف دول مجلس التعاون الخليجي الثابتة لدعم القضية الفلسطينية وإدانة الممارسات الإسرائيلية في تغيير طابع وهوية القدس ورفض الضم والاستيطان ودعم الأونروا. وقال نبيل أبو ردينة الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية: إن الرئيس محمود عباس يعبر عن شكره وتقديره العميق للمواقف الواضحة والقوية لقادة دول مجلس التعاون والتي اعتبروا فيها القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين ودعمهم للسيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على جميع الأراضي المحتلة منذ 67 وتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حقوق اللاجئين وفق مبادرة السلام العربية والمرجعيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية، وأضاف أن عباس يثمن عاليا الدعم السياسي والمساعدات السخية لدول مجلس التعاون المقدمة للأونروا. كما جاء الترحيب من إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وقال: إن بيان العلا ينهى الأزمة والخلاف بين الأشقاء ويرأب الصدع، وأكد أن حركة حماس ترى أن المصالحة خطوة مهمة في تعزيز العمل المشترك لصالح القضية الفلسطينية.
كما جاء العام الجديد بواحد من أهم المعطيات الدالة على أن مسيرة السلام على أبواب تحرك دولي مهم يغاير ما كان يجرى في السابق وتحديدا بخصوص الدور الأمريكي، وذلك مع وصول جو بايدن الرئيس الديمقراطي المنتخب إلى البيت الأبيض وسيطرة الحزب الديمقراطي على الكونجرس بغرفتيه: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فمنذ إعلان فوزه في الانتخابات الأمريكية توالت التقارير عن رغبته في أن يتخذ سياسات داخلية وخارجية مختلفة إلى حد التناقض مع السياسات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب. وللشرق الأوسط وتحديدا قضية تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين نصيب من هذا التغيير، حيث يعود بايدن – وفقا لهذه التقارير- إلى نهج الرئيس الأسبق باراك أوباما بالعمل على تفعيل حل الدولتين، ولكن بعد توفير أجواء مناسبة لهذا الحل تأتي في مقدمتها استعادة الثقة بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية.
ومن المعروف أن العلاقات الفلسطينية الأمريكية شهدت منذ 2017 وقت تولى ترامب السلطة تدهورا وصل إلى حد القطيعة تقريبا، كانت دلالاته واضحة في حرص الرئيس ترامب على أن يختط لنفسه طريقا مختلفا جدا عن الطرق التي سلكها الرؤساء الأمريكيون السابقون فيما يتعلق بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على وجه الخصوص والصراع العربي الإسرائيلي على وجه العموم. وكان طريقا مناقضا لكل رؤى سابقيه جمهوريين كانوا أو ديمقراطيين، ولكل المبادئ والقواعد التي ارتبطت بتطورات عملية السلام منذ أن بدأت في مؤتمر مدريد 1991. وكانت لهذه الرؤى شواهد مختلفة كلها صبت في اتجاه النيل من الحقوق الفلسطينية والانحياز الكامل لإسرائيل. ومن ذلك وقف المساعدات لوكالة غوث اللاجئين وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وطرح ما يسمى بصفقة القرن التي قدمت تصورا لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وصفه جاريد كوشنر مستشار ترامب بأنه أصح الحلول والممكن تطبيقه، مع أنه في الحقيقة جاء مجحفا للفلسطينيين.
ولكن ما تردد عن تصورات فريق بايدن لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يختلف إلى حد التناقض مع ما سبق، حيث يعود بالمسار إلى ما كان عليه في عهد باراك أوباما، بل وفي عهد من سبقوه، وهو التأكيد على أن حل الدولتين هو الطريق الصحيح لإحلال السلام بين الطرفين. وإذا كان هذا الحل لا يبدو ممكنا الآن، فإنه يظل الإطار الذي تلتزم به الإدارة الأمريكية مستقبلا. كما تظل القدس عاصمة للدولتين ضمن حل تفاوضي مستقبلا. والأهم هو تغيير أساس عملية السلام، حيث يطرح فريق بايدن ضرورة التفاوض على مبدأ الأرض مقابل السلام، وليس السلام مقابل السلام كما فعلت إدارة ترامب، ولذلك تتمسك الرؤية الجديدة بقرارات الشرعية الدولية (الإدارة السابقة استبعدتها).
وليس من المتوقع أن تتعجل إدارة بايدن في طرح تفاصيل مقاربتها الجديدة للحل، وذلك في العام الأول لها، نظرا لانشغالها بقضاياها الداخلية وما أكثرها سواء فيما يتعلق باستعادة قوة الاقتصاد أو التغلب على وباء الكورونا أو إعادة اللحمة للمجتمع الأمريكي الذي انقسم بشدة في السنوات الأربع الأخيرة. ولكن من حيث الثابت عن الملامح العامة للموقف من عملية السلام، لن تبتعد كثيرا عما قدمته إدارة أوباما، وهو أفضل للفلسطينيين بكل حال عما فعلته إدارة ترامب.
وإذا كانت تقارير فريق بايدن تشير إلى اهتمامه باستعادة الثقة بين الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية عبر خطوات سبقت الإشارة إليها، وهذا وارد خلال عام 2021، فإن التقارير ذاتها تؤكد حرص هذه الإدارة على ربط تحركاتها لإنقاذ عملية السلام بوجود حكومة فلسطينية منتخبة بشكل ديمقراطي، وهذا هو ما ينقلنا إلى المعطى الثالث الذي يدعم افتراض حدوث انفراجة في عملية السلام، وهو التطورات الجارية لتحقيق المصالحة الفلسطينية. والمعنى هنا أن هذه المصالحة باتت ضرورية لتحريك عملة السلام وليس فقط لاستعادة الاستقرار السياسي للسلطة الفلسطينية. وفي هذا الصدد مرت المصالحة الفلسطينية في الشهور الأخيرة بتطورات بين المد والجذر ولكنها استقرت عند وضع يبشر بقدر من التفاؤل. فمن المعروف أن لقاءً مهمًا تم في نوفمبر 2020 في اسطنبول بين فتح وحماس توصل إلى تفاهمات مشجعة لحل الخلاف حول الانتخابات ومواعيدها، أي الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني (أعلى سلطة تمثيلية وتشريعية تمثل كل الفلسطينيين في مناطق 1948 و1967 وفي المنفي واللاجئين ). وانتكس اللقاء لإصرار حماس على إجرائها كلها بالتزامن مع بعضها البعض بينما يصر الرئيس عباس على إجرائها بالتتالي أي التشريعية أولا ثم الرئاسية ثم المجلس الوطني. وتزامن ذلك مع استئناف التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل مما أغضب حماس. ولكن عباس عاد وأكد أن التنسيق الأمني لن يعيق المصالحة وعادت الحياة مجددا لجهود تحقيقها، إلى أن فاجأ هنية الجميع بموافقته على أن تتم الانتخابات بالتتالي والارتباط، الأمر الذي شكل انفراجة تقرر على ضوئها عقد اجتماع للحوار الوطني بالقاهرة يضم كل الفصائل، ذلك بعد صدور مراسيم إجراء الانتخابات من جانب الرئيس عباس. وأشارت بعض التقارير إلى أن هنية غيّر موقفه المتشدد إلى الليونة نتيجة حصوله على ضمانات من كل من قطر وتركيا ومصر وروسيا بأن تترابط الانتخابات الثلاثة مع بعضها البعض حتى لو لم تكن متزامنة.
ويبقى المعطى الرابع متمثلا في تحرك مجموعة دول الرباعي التي تأسست في فبراير 2020 والمنبثقة عن مؤتمر ميونخ للأمن، وهى دول ألمانيا والأردن ومصر وفرنسا، حيث القيام باتصالات مكثفة بقيادة ألمانيا لتحريك عملية السلام استنادا إلى ما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجة الألمانية كريستوفر بورغر الذي قال: «لقد أظهرت التطورات أن هناك احتمالا لتحريك موضوع أسيء فهمه في إطار عملية السلام بالشرق الأوسط»، في إشارة إلى إزالة اللبس الذي أحاط بهذه العملية بأنها انتهت إلى إقرار الأمر الواقع حيث لا سلام ولا نهاية للاحتلال ولا استجابة للحقوق الفلسطينية، بل العكس تماما حيث لم يتخل المجتمع الدولي عن التسوية العادلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
بهذه المعطيات الأربعة التي يتزامن حدوثها في وقت واحد، يمكن تأكيد الافتراض بأن المنطقة على أبواب تطورات مهمة بحثا عن مسار جديد لعملية السلام في الشرق الأوسط.