مرفأ قراءة… 86 شمعة إلى بهاء طاهر في يوم ميلاده

إيهاب الملاح –

«ما أسهل أن تموت من أجل حقيقتك، ولكن هل تعرف كيف تضحي من أجلها.. اكتب شعرًا.
فيرد الكاهن الآخر: ولكن قليل من سيقرأ هذا الشعر.
ـ هذا صحيح، ولكن من يدري ربما هؤلاء القليلون هم الذين سيحققون حلمك…»
(بهاء طاهر في مجموعته البديعة «أنا الملك جئت»)
– 1 –
بالصدفة البحتة، تزامن تذكير «فيسبوك» بصورتين قديمتين لي تجمعاني بالكاتب والمبدع الكبير بهاء طاهر؛ مد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، وهو آخر «ريحة» الجيل الذي ملأ الدنيا إبداعا وفكرا وسياسة وصخبا؛ جيل الستينات الشهير، ويوم ميلاده الذي يوافق الثالث عشر من يناير 1935.
عشر سنوات تقريبًا تفصل بين هاتين الصورتين اللتين تجمعاني بالمبدع الكبير، هي هي ذات الابتسامة الصافية والنظرة المسالمة الوديعة، وانفتحت الذاكرة على كنز من الذكريات واللقاءات التي جمعتني بصاحب «واحة الغروب».
الصورة الأولى في مكتبة ديوان الزمالك الشهيرة سنة 2008؛ بجوار محل سكنه، حينما قابلته هناك، وهو يتصفح خطتي للماجستير عن أعماله الروائية، وكان شديد الإعجاب بها ومقدرا لها (وللأسف شغلتني الدنيا وضرورات الحياة فلم أكمل المسار الأكاديمي، وإن لم أتوقف عن القراءة والبحث بما فيها هذه الأطروحة التي قطعت فيها شوطا كبيرا). أما الصورة الثانية فقد كانت في حفل توقيع رواية «باب الخروج» للكاتب المصري عز الدين شكري فشير في مكتبة الشروق بالزمالك أيضًا.
وما بين الصورتين اللتين يفصل بينهما قرابة عشر سنوات عمر من الإبداع والمحبة والجسارة في إعلان الرأي والصدور عن قناعات إنسانية وفكرية نقبلها كلها أو نتفق مع أغلبها أو نختلف مع أقلها لكننا في النهاية لا نملك إلا احترام صاحبها وتقدير إبداعه وسيرته الهادئة الوديعة.
– 2 –
بهاء طاهر بالنسبة لي ليس مجرد اسم كبير في عالم الرواية، ولا وجه بشوشا مسالما لا يحمل ضغينة لأحد، ولا يسعى للعراك، عمره، مع أحد..
بهاء طاهر دائمًا ما اقترن اسمه لديّ بلحظات تحول فاصلة ومدهشة في حياتي.. أول ما قرأت له كانت «خالتي صفية والدير» التي صدرت في مطالع التسعينات من القرن الماضي، ولم تكن استجابتي لها عالية في ذلك الوقت، لكنه أسرني ببضع صفحات صدر بها الرواية عن سيرته الذاتية منذ ميلاده بقرية الكرنك في الأقصر وحتى صار كاتبا مبدعا معروفا ملء السمع والبصر. كانت صفحات شديدة العذوبة والجمال والصدق، حتى كدت أحفظ بعضها عن ظهر قلب!
ثم قرأت روايته البديعة «الحب في المنفى» (1995)، وكل ما أتذكره أن جملة المرحوم الناقد الراحل د.علي الراعي التي أطلقها عن الرواية «كاملة الأوصاف» ما زالت ترن في أذني بلا زيادة ولا نقصان. وكان اللقاء الأول المباشر مع بهاء طاهر، وأنا طالب في الفرقة الثالثة بكلية الآداب، عندما دعاه أستاذي الراحل الناقد الجليل د.سيد البحراوي إلى محاضرة لطلاب الفرقة الرابعة لمناقشته في هذه الرواية.
كنت الطالب الوحيد من الفرقة الثالثة الذي حضر هذا اللقاء مستعدًّا له بورقة (كنت أسميها بحثًا في ذلك الحين) عن الراوي في الحب في المنفى (ستتطور بعد سنوات طويلة لتصبح نواة أطروحتي للماجستير عن بهاء طاهر.. ولما تكتمل بعد للأسف)، وكنت الثالث بين المتحدثين من الطلاب. وعقب المحاضرة تحلقنا حول الرجل نسأله ونشاغبه وكانت عيناه تلتمعان بفرح ومحبة حقيقية وأمل في المستقبل.. عندما ذهبت إليه بنسختي من «الحب في المنفى» كتب: «إلى إيهاب الملاح.. أملا وثقة في مستقبل زاهر».
بعد ثمانية أعوام من هذا اللقاء سألتقي بهاء طاهر مجددًا، في ديوان الزمالك، لأناقشه في بعض النقاط المتعلقة بخطتي للماجستير وعنوانها «تعدد الأصوات في روايات بهاء طاهر»، بإشراف صديقي وأستاذي الجليل حسين حمودة. أذكر أنه أبدى إعجابه الشديد بمخطط الفصل المخصص لتحليل لغة الروايات، قائلا إنه مسّ بعض الأفكار التي يراها «جديدة» و«طازجة». وبعدها بقليل سيكون حواري الأول معه، عقب حصوله على جائزة البوكر في دورتها الأولى.
– 3 –
بهاء طاهر رجل موقف بكل معنى الكلمة حسب قناعاته ورؤاه التي يؤمن بها، مواقفه لا تتبدل أو تتلون، بحسب أنواع المكاسب أو الفرص، فهو قومي عروبي حتى النخاع، «ناصري» بالمعنى الذي يجعله يؤمن بضرورة العدل الاجتماعي، والوحدة القومية، ويضيف إلى ذلك إيمانه الحقيقي بالحرية في كل مجالاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية والإبداعية، ورواياته تعكس العناصر الثابتة في مواقفه التي هي أساس رؤيته للعالم، إبداعياً، ابتداء من مجموعاته القصصية الأولى «الخطوبة» إلى روايته الأخيرة «واحة الغروب»..
وهو من أعمق أبناء جيله وعياً، ومن أكثرهم ثقافة، تشهد على ذلك كتبه، ومنها كتابه الرائع «أبناء رفاعة ـ عن الثقافة والحرية» (1993)، ومقالاته التي جمعها في كتاب «نسيت اسمه»، في ما عدا ما نشره بعنوان «البرامج الثقافية في الإذاعة» (1975) و«عشر مسرحيات مصرية عرض ونقد» (1985) وأخيراً «في مديح الرواية» (2004).
وإذا أضفنا إلى كل ذلك ترجماته، فهو أول من قدم كويلو إلى القارئ العربي، وسبق إلى اكتشاف العمل الذي ترجمه بعنوان «السيميائي.. ساحر الصحراء» (1996) وكان ترجم من قبل مسرحية «فاصل غريب» للكاتب الأمريكي يوچين أونيل (1970). وهو، إلى جانب ترجماته، نهم في اطلاعه على آداب العالم، تساعده على ذلك معرفته بالإنجليزية والفرنسية على الأقل، فقد عمل فترة غير قصيرة في مقر الأمم المتحدة في جنيف التي كتب فيها بعض رواياته من مثل «أنا الملك جئت» و«قالت ضحى» و«الحب في المنفى»..
– 4 –
في مناقشات عديدة جمعتني بعددٍ من الأساتذة والأصدقاء النقاد في كلية الآداب؛ كان ثمة إجماع أن كتابه «أنا الملك جئت» واحد من أرق وأعذب بل أجمل ما أنتجه جيل الستينات قاطبة، وبهاء طاهر خاصة، بل هي لدى البعض أجمل ما كتب بهاء طاهر على الإطلاق!
«أنا الملك جئت» مجموعة قصصية صدرت عن مختارات (فصول)، في ثمانينات القرن الماضي، وصفها المرحوم علاء الديب بأنها «واحدة من المجموعات القصصية التي تقدم لك كاتبها في قوة وتصاعد».
وعلى الرغم من أن المجموعة تحتوي على أربع قصص فقط إلا أنها تنقل لك هموم الكاتب كلها، وتعبر عن قضاياه الأساسية التي ظل يعمل من أجلها منذ مارس الكتابة في الستينات. وهي كذلك تقدم أربع محاولات مختلفة من حيث الشكل والموضوع تكشف عن اتساع الدائرة التي يتحرك فيها الكاتب محاولا طرق أشكال جديدة في القصة دون أن يكون الشكل غايته أو مقصده.
فبهاء طاهر كاتب واضح مسيطر على مادته وأدواته. جديد في رؤيته ومتفرد في نوع أدائه البسيط.
الصدق هو النبرة الأولى التي تصافحك في سطور قصصه والتوازن الموضوعي هو العلامة الواضحة التي يقيم عليها بناء قصصه، فليس في القصص طموحات غير محققة، وليس فيها غموض فكري أو شكلي مصطنع.
القصة الأولى «أنا الملك جئت» تحمل روحا غربية تذكرك برائعة يحيى حقي «قنديل أم هاشم»، ليس فقط لمقاربة الموضوع أو الشخصية، ولكن هناك أيضا روح الدقة والإتقان والمقاطع القصيرة المتصاعدة في بناء محكم. وذلك التداخل بين الغرب والشرق في الروح المصرية المعاصرة التي تجعل من البحث عن الهوية والخلاص طابعا إنسانيا يكاد أن يدل علينا.
وفي «محاكمة الكاهن كاي نن»، يطرق بهاء طاهر الكتابة السياسية المباشرة، أن أزمة الأنظمة، وأزمة الديمقراطية في الخلفية الحقيقية لتلك القصة الفرعونية. النفاق والكذب هما الأشباح السوداء التي تغطي المنجزات الضخمة ولا تبقي قيمة لشيء مهما كان كبيرا أو عظيما. يختتم بهاء طاهر قصته بالمقتبس الذي صدرت به هذا المقال؛ هذا الشعر الذي يتحدث عنه هو «حلم الكاتب»؛ أي كاتب، الشعر المخلص الذي يحمل الحقيقة ويضيء للأجيال.
– 5 –
على لسان محبيك وقارئيك، في جميع أنحاء العالم العربي، دام لنا إبداعك و«بهاؤك» و«نبلك»..