إلى جانب علاج تداعياتها الصحية – جهود متعددة لتفادي التداعيات النفسية والاجتماعية لجائحة كورونا

كتبت – وردة بنت حسن اللواتية –

منذ بدء جائحة كورونا صارت هناك تداعيات اجتماعية لها إلى جانب تداعياتها الصحية، حيث تسبب الحظر والتباعد الاجتماعي في حدوث العديد من المشاكل الأسرية وتزايد الخلافات الزوجية، فحسب نشرة مجلس الشؤون الإدارية للقضاء بلغ إجمالي قضايا الأحوال الشخصية الواردة للمحاكم التي شهدتها أروقة المحاكم خلال فترة الجائحة من شهر مارس وحتى نهاية أكتوبر العام الماضي 1239 دعوى، وإجمالي دعاوى الطلاق في المحاكم قد بلغت 49.5 %، أما نسبة إجمالي دعاوى النفقة 47.2%. ونسبة إجمالي دعاوى حضانة ونفقة في المحاكم 25%، بينما بلغت نسبة إجمالي دعاوى الزواج 1.9% ، فيما بلغت نسبة إجمالي دعاوى تسليم الصغير 1.3%
ولهذا قامت العديد من الجهات الحكومية من بينها وزارة الصحة ووزارة التنمية الاجتماعية، بمبادرات متنوعة لمساعدة هذه الأسر، سواء من ناحية توفير خدمة الاستشارات لهم أو توفير الدعم النفسي.
بداية أوضح د. جلال بن يوسف المخيني (مدير دائرة الإرشاد والاستشارات الأسرية) بوزارة التنمية الاجتماعية أن الدائرة قامت بأدوار كبيرة خلال جائحة تفشي فيروس كورونا ( كوفيد 19 )، حيث قال: بدأت الدائرة بجاهزيتها من منطلق اختصاصاتها ومهامها في إدارة الأزمات والطوارئ لما لهذه الأزمات من آثار نفسية واجتماعية على الأسرة والمجتمع؛ وأن الاستعدادات بدأت من وقت مبكر مع بداية انتشار الجائحة في بعض دول العالم، وجاءت هذه الجاهزية بناء على توجيهات الإدارة العليا في وزارة التنمية الاجتماعية إلى أن تتبلور الجاهزية على شقين أولها جاهزية الموارد البشرية المدرّبة على التعامل مع الآثار النفسية الاجتماعية للأزمات وأساليب مواجهتها والتعامل معها، والشق الآخر العمل على تطوير وبناء البرامج التوعوية والإرشادية المناسبة للتعامل مع تبعات وآثار هذه الأزمات عبر الوسائل الإلكترونية المتاحة في هذه الظروف، لذا فالدائرة كانت جاهزة بكوادرها المؤهلة قبل انتشار الجائحة في السلطنة، حيث كان من المتوقع حدوث حالات عديدة قد تعاني من اضطرابات نفسية كالفوبيا والقلق والاكتئاب، وتعرّض الأسرة لمشكلات اجتماعية واقتصادية جرّاء الحجر المنزلي.

وأشار د. المخيني أن من أبرز المشاكل الزوجية التي استقبلتها الدائرة، كانت بسبب وجود الزوجين معا في البيت لفترة طويلة غير مخطط لها وغير مستقلة بالشكل المناسب، الأمر الذي ولّد تصادمات بينهما نتجت عنها خلافات زوجية، من جهة أخرى ظهرت مشاكل متعلقة بالتعامل مع الأبناء، فكان أهمها عدم تنظيم الوقت واستغلاله، وتفعيل أدوارهم أثناء الحجر المنزلي، إلى جانب المخاوف من المرض، والقلق، والضغط النفسي، واختلاف أسلوب الحياة.
وأضاف: إن البرامج المنفذة بالدائرة كانت على بُعدين النفسي والاجتماعي، كما أن الدائرة وضعت برامجها على ضوء ثلاثة مجالات، وهي: المجال الاستبقائي: فمع بداية انتشار المرض بالعالم وقبل رصده بالسلطنة، قمنا بتأهيل المختصين في كيفية التعامل مع الأزمات، وتقديم الإسعافات النفسية.
والمجال الثاني بدأ مع زيادة حالات الوباء بالسلطنة حيث قمنا بتنفيذ العديد من البرامج ومنها تدشين مشروع تقديم الدعم النفسي، فتم فتح خطوط تعمل على مدار 24 ساعة لتقديم خدمات الطمأنة، وتقنيات مواجهة الضغط النفسي والمخاوف، وبروتوكول التعامل مع الأزمات المفاجئة، والمجال الثالث مخصص لفترة ما بعد الوباء حول كيفية التعامل مع الحالات التي تأثرت بالوباء. كذلك نظمت الدائرة العديد من المبادرات لمساعدة الأسر في مواجهة هذه التحديات، ومن أبرزها مبادرة «من أجلك» لمساعدة المتضررين في فترة كوفيد- 19 بشكل مباشر وغير مباشر، من خلال تنظيم جلسات إرشادية عبر الاتصال الهاتفي والإنترنت. ومبادرة «غيمة واطمئنان» لتقديم عبارات إيجابية مطمئنة عبر الإنترنت، بهدف إيجاد التوافق الاجتماعي بين أفراد الأسرة حتى يتجاوزوا فترة الجائحة بأقل حد ممكن من الأضرار النفسية والاجتماعية، واستهدفت المبادرة فئة الشباب وكيفية استثمار أوقاتهم. وبما أن حفلات الزواج لم تتوقف خلال الجائحة، فقمنا أيضا بتنفيذ برنامج الإرشاد الزواجي، بهدف تقديم دورات تدريبية ومحاضرات تثقيفية عبر الإنترنت للمقبلين على الزواج والمتزوجين حديثا.
وأكد مدير دائرة الإرشاد والاستشارات الأسرية أن وزارة التنمية الاجتماعية حريصة على إيصال خدماتها إلى جميع أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، لذا تعكف الدائرة حاليا على تطوير برامجها وخدماتها المقدمة في مجال الإرشاد الإلكتروني، وتعمل حاليا على تطوير أيقونة على الموقع الإلكتروني للوزارة، وبالتالي ستصل خدمات ورسائل الدائرة إلى جميع أفراد المجتمع، كما يمكن للمستفيد التواصل مع الأخصائيين من خلال الإنترنت، مع الاحتفاظ بسرية المعلومات.
وهناك خدمة مجانية متوفرة بالدائرة للإرشاد الأسري (خط الإرشاد الأسري الهاتفي) على هاتف (80077788) من الساعة 10 صباحا إلى 1 ظهرا ، لاستقبال المشاكل الأسرية العاجلة ذات الطابع النفسي والاجتماعي مع الحفاظ على سرية البيانات الشخصية للمتصل، وهناك رؤية مستقبلية لتوفير هذه الخدمة خلال الفترة المسائية.
الصحة النفسية

من جانبها تقول د.أميرة بنت عبد المحسن الرعيدان ‎(طبيبة نفسية أولى بعيادة الإدمان بمستشفى المسرة، و‎رئيسة قسم الصحة النفسية بدائرة الأمراض غير المعدية بوزارة الصحة): ‏لا نستطيع ‏الجزم بزيادة معدلات المشاكل الأسرية بسبب الجائحة، نظراً لوجود العديد من العوامل المؤثرة التي يتفاوت تأثيرها من أسرة لأخرى، على سبيل المثال؛ شخصية الزوجين، طبيعة لغة الحوار، طبيعية العلاقة الزوجية، الظروف المالية والمعيشية، طبيعة العمل، وطبيعة العلاقة مع الأبناء وغيرها. وأضافت: ‏من وجهة نظري يمكن أن ننظر لجائحة فيروس كورونا بطريقة إيجابية ونستثمرها بمنحنى صحي متمثلا في إتاحة متسع من الوقت لتقوية لغة الحوار والتواصل مع الزوجة والأبناء، وكذلك تشجيع ممارسة الأنشطة والهوايات الجماعية مع أفراد الأسرة، ومناقشة مشاكل الأبناء ومعالجتها؛ والذي من شأنه أن يساعد في تقوية الروابط الأسرية.
‏وفي المقابل قد تتعقد المشاكل الأسرية وسط جائحة كورونا ويكون لها تأثير سلبي خاصة عند انعدام لغة الحوار بين الزوج والزوجة، وعدم تقبّل فكرة معالجة المشاكل الأسرية، أو طلب الاستشارة الزوجية أو الأسرية المناسبة.
وحول التأثير النفسي لهذه المشاكل على أفراد الأسرة؟ توضح د. أميرة الرعيدان: ‏المشاكل الزوجية أو الأسرية لا يقتصر مدى تأثيرها على الزوجين فقط، وإنما يتعدى ليصل إلى الأبناء وباقي أفراد الأسرة الممتدة؛ على سبيل المثال: قد تتوتر العلاقة الزوجية بين الزوجين، وقد تتولد اضطرابات سلوكية أو أمراض نفسية لأي منهما والتي قد تنتهي إلى الطلاق، ففكرة الطلاق بحدّ ذاتها تؤثر على نفسية الأبناء، والذين قد يواجهون اضطرابات سلوكية أو أمراض نفسية متمثلة في اضطراب الشخصية أو نشأة شخصية ضعيفة ومترددة أو شخصية عدوانية أو عدم قدرة التحكم بالغضب، وكذلك صعوبة التواصل الاجتماعي مع الآخرين، والفشل الدراسي، ومرض القلق النفسي أو مرض الاكتئاب.
وتابعت قائلة: وفي كثير من الأحيان قد تسبب المشاكل الزوجية أو الأسرية بظهور اضطرابات نفسية تسمى «النفسجسمانية» متمثلة بمشكلات صحية على سبيل المثال: آلام جسدية غير محددة، قرحة المعدة، آلام أسفل الظهر، القولون العصبي، الصداع النصفي وغيرها. وفي بعض الأحيان قد يؤدي مرض القلق النفسي أو الاكتئاب إلى صعوبة التحكم بالأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، مرض السكري، أمراض القلب والأوعية الدموية…إلخ.
وعن كيفية تقديم الدعم النفسي لهذه الأسر؟، أشارت د. أميرة الرعيدان: ‏يتم تقديم الدعم النفسي للأسرة من خلال تشجيع الأسرة لطلب الاستشارة المناسبة في محاولة للوقوف على العوائق والتحديات ومحاولة علاجها.
كما يمكن الوصول لخدمات الاستشارة من خلال زيارة مراكز الرعاية الصحية الأولية، وسيتم تحويل الحالة لتحديد موعد التقييم والاستشارة في عيادة الصحة النفسية المتوافرة في المستشفيات الحكومية بكل محافظات السلطنة؛ وكذلك يمكن الذهاب لمراكز الاستشارات النفسية والأسرية بالقطاع الخاص بحسب أريحية ورغبة الزوجين. ومن المهم زيادة ورفع الوعي المجتمعي بأهمية طلب خدمات الاستشارات النفسية، والزوجية أو الأسرية؛ والتي من شأنها أن تساعد في تقليل أثرها السلبي على الزوجين وأفراد الأسرة ككل. وتابعت موضحة: في السابق لم يكن هناك تقبّل من المجتمع على الاستعانة بالاستشارات النفسية عند وجود مشاكل أسرية، بسبب تأثير الوصمة الاجتماعية، وتأثير العادات والتقاليد فيما يتعلق بطلب المساعدة من خارج إطار الأسرة. وبالرغم من ذلك نلاحظ من خلال عياداتنا النفسية تقبّل المجتمع إلى حدّ ما وزيادة الإقبال لطلب الاستشارة النفسية أو الزوجية أو الأسرية. وكذلك نلمس تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة المؤثرة بطريقة إيجابية بأهمية أخذ المشورة والنصح.

الاستشارة الأسرية

ترى فاطمة بنت أحمد البريدية الأخصائية النفسية ومؤسسة مركز نبض للاستشارات الأسرية أن الجائحة تسببت بظهور بعض المشاكل الأسرية بشكل غير مباشر، فالمشكلات موجودة وتمر بها أغلب المجتمعات، إلا أن جائحة كورونا لعبت دورا واضحا في ظهور هذه المشكلات على السطح.
وتذكر هنا بعض المشكلات على سبيل المثال وليس الحصر: القلق من المرض (وخصوصا الإصابة بفيروس كورونا) أدى إلى معاناة الشريكين معا وليس الطرف القلق فقط، إذ أن المشاعر معدية بطبيعة الحال، وكنتيجة غير مباشرة لذلك قد يبتعد الشريك من شريكه دائم الشكوى والتفكير بصورة سلبية نحو المرض، وفي بعض الحالات قد يؤدي ذلك إلى البحث عن علاقات خارج إطار الزواج.
وأضافت: كما حدثت مشكلات من نوع آخر؛ كإصابة العلاقة الزوجية بالفتور والروتين وخصوصا فترات الحظر ومنع التجول، حيث قلت الأنشطة التي يمارسها كلا الزوجين بشكل منفرد، مما فاقم الخلافات الزوجية المتكررة خلال تلك الفترة لأسباب ليست بالكبيرة مثل اختيار البرامج التلفزيونية، أو الاستخدام المتواصل للهاتف، أو بعض الأمور المتعلقة بالأطفال .
وهناك بعض المشكلات التي نتجت عن الأوضاع المادية المتردية إثر جائحة كورونا، حيث أصبح الشريك الذي يعاني من الأزمة المادية سريع الغضب والانفعال، وتظهر عليه علامات الضغط النفسي، هذا الضغط أثر بشكل مباشر على العلاقات الزوجية والأسرية، حيث يستخدم النوم أو الإدمان على الهاتف أو البرامج الرياضية كأسلوب للهرب من مشكلاته المادية وضغوطاته النفسية، إلا أن ذلك يعني على الطرف الآخر التخلي عن مسؤولياته الزوجية تجاه الأبناء، واتجاه الطرف الآخر مما يعني الاستياء والغضب كردة فعل لذلك، وقد يصل الأمر في بعض الأوقات إلى الاعتقاد بأن هذا الأمر سيصل بالحياة الزوجية إلى نهايتها. وحول طريقة تقديم الدعم لهذه الأسر، أوضحت قائلة: يتم تقديم الدعم عبر جلسات، سواء كانت عبر الهاتف أو أي وسيلة أخرى من وسائل التواصل عن بعد، أو من خلال جلسات تقدم بشكل مباشر في المركز.
حيث يتم الاستماع التام للمشكلة من وجهة نظر الشخص الذي يطلب الاستشارة، وتقديم التعاطف حول شعوره تجاه هذه المشكلة، ثم تقديم بعض المعلومات والتفسيرات المناسبة لما أدى إلى ظهور المشكلة، حيث يصل الشخص إلى مرحلة الاستبصار التي تمكنه من رؤية الموقف بشكل مكتمل وواضح فيدرك الأسباب التي أدت إلى المشكلة. بعدها يتم مناقشة الشخص في بعض الحلول ومدى إمكانية تطبيقها في حياته الواقعية، والتدريب على مهارات الاحترام، والحوار، وتحمل المسؤولية، والإنصات.
وتابعت قائلة: في حالات المشكلات الزوجية يفضل دائما أن يكون كلا الطرفين حاضرا، حيث إن الاستماع لوجهة نظر الطرف الآخر في المشكلة في جو هادئ يسمح لكلا الطرفين بأن يفهم شريكه، كما أنه يجد من حديثه بعض التفسيرات التي من شأنها أن تسهم بشكل كبير في إنهاء المشكلة. ومما يسمح أيضا بحل معظم المشكلات الزوجية هو أن يعطي الزوجين لبعضهما مساحات خاصة لممارسة بعض الهوايات، وفي نفس الوقت أن تكون هناك بعض الأنشطة التي يمارسها الزوجان معا، ذلك ما يحدث التوازن المطلوب في علاقتهما الزوجية.