ضغوط إقتصادية “هائلة” تواجه كوريا الشمالية

سيول – (أ ف ب): كشف مؤتمر الحزب الحاكم في كوريا الشمالية والذي انعقد مرتين خلال عقد من الزمن عن حجم الضغوط التي يتعرض لها اقتصاد البلاد المنهك في مواجهة تداعيات فيروس كورونا المستجد والعقوبات ومحادثات الملف النووي المتوقفة مع الولايات المتحدة، وفق محللين. وأقر الزعيم كيم جونغ أون مرارا بارتكاب أخطاء في إدارة الاقتصاد ووعد بازدهار أكبر في المستقبل، وفي خطوة اعتبرت ترسيخا لسطوته الشخصية، تم تعيينه أمينا عاما للحزب وهو منصب كان مخصصا لوالده وسلفه. لكن الفرص تضاءلت لحصول إصلاحات في السوق من شأنها تحسين الوضع على الأرض، أو لأي تغيير في الأزمة مع واشنطن، مع توجيه كيم رسالة للإدارة المقبلة لجو بايدن بأن بيونج يانج ستواصل تعزيز ترسانتها ما لم تقدم الولايات المتحدة تنازلات. وانعقد مؤتمر الحزب الذي استمر ثمانية أيام في عز شتاء كوري قارس وانتهى الثلاثاء، أي قبل أسبوع ونيف عن تنصيب بايدن. وتدرك بيونج يانج ضرورة تخفيف العقوبات في حال أرادت تنمية اقتصادها، بحسب محللين، لكنها لم تبد حتى الآن أي رغبة في الحد من برامجها النووية والصاروخية المستهدفة بالعقوبات. بل أن كيم، الذي ارتبط بعلاقة مضطربة مع الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، اعتبر أن الولايات المتحدة هي “العدو الأكبر” لكوريا الشمالية وتعهد تعزيز ترسانة بلاده النووية. كذلك، أعلن عن استكمال خطط لبناء غواصة تعمل بالطاقة النووية وأكد أن بلاده تضع نصب أعينها تطوير قائمة طويلة من الأسلحة. وتمثل رئاسة بايدن تحديا لبيونج يانج. فهو مرتبط بنهج باراك أوباما الداعي إلى “صبر استراتيجي” ويسود الاعتقاد على نطاق واسع بأنه سيعود إلى سياسة أكثر تشددا تدعو إلى إحراز تقدم ملحوظ على مستوى محادثات فرق العمل، قبل أي قمة بين الزعيمين. وقال مدير مجموعة المخاطر الكورية أندري لانكوف “من الواضح أن الكوريين الشمالين يفعلون ما دأبوا على القيام به أي اختلاق أزمة ومفاقمة التوتر وتذكير جو بايدن بأنهم موجودون”. لكن المجال محدود أمام كوريا الشمالية للقيام باستفزازات كبيرة كتجارب نووية أو إطلاق صواريخ بالستية عابرة للقارات، لأسباب ليس أقلها المجازفة بإغضاب الحليف الأكبر، الصين التي يتزايد اعتماد بيونج يانج عليها. وفي رسالة تهنئة نقلتها وكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية (شينخوا)، قال الرئيس الصيني شي جينبيغ إن على البلدين أن “يحافظا بشكل مشترك على السلم الإقليمي والاستقرار والتنمية والازدهار”. الأكثر سوءا في خطابه أمام آلاف المندوبين الذين اكتظت بهم قاعة مهيبة، أقر كيم بأخطاء في تنفيذ خطط للتنمية الاقتصادية “في جميع المجالات تقريبا”، واصفا السنوات الخمس الأخيرة بأنها الفترة “الأسوأ” للبلاد. وترى سو كيم من مؤسسة راند أن “أحد الأسباب المحتملة لإقراره، هو أن البلاد تواجه ضائقة شديدة وليس بالإمكان فعلا إخفاء أو إنكار ما هو واضح للجميع”. وجاء المؤتمر في وقت فرضت كوريا الشمالية تدابير إغلاق على نفسها لمنع وصول فيروس كورونا المستجد، في إجراءات جعلتها في عزلة أكثر فاعلية من أي عقوبات، فيما حجم التجارة مع الشريك الصيني تراجع إلى معدلات منخفضة جدا مقارنة بالمستويات المعتادة. وأضافت سو كيم “بدلا من تلميع صورة هذه الحقيقة القاتمة، اختار النظام الإقرار بأن الأمور سيئة للغاية”. لكن الحزب قرر أن الحل الأفضل لاخفاقات التخطيط الاقتصادي هو المزيد من التخطيط الاقتصادي. منذ توليه السلطة في أعقاب وفاة والده في 2011، خففت السلطات قبضتها على الاقتصاد وهو ما أتاح لصغار التجار بالاستمرار، وسمح ببروز ما يشبه طبقة متوسطة في بيونج يانج، وبأن تصبح مجموعة صغيرة من النخبة، في مصاف الأغنياء. لكن في ختام خطابه، قال كيم إن على الحزب والحكومة أن يعيدا ترسيخ دورهما في الخطة الخماسية “وإعادة بسط وتقوية النظام والقانون اللذين يعمل بموجبهما الاقتصاد تحت الإدارة والتوجيه الموحدين للدولة”. ويرى المدير في مركز المصالح الوطنية هاري كازيانيس إن إصلاحات السوق غير مطروحة للنقاش “في المستقبل المنظور”. ويضيف بأن كيم “يخشى من أي شكل من أشكال المعارضة” ويوضح “إنه يعلم أن طبقة التجار في كوريا الشمالية أصبحت قوية، وهو لا يريد التنافس على القوة مع أحد”. منصب جديد جاءت تسمية المؤتمر لكيم أمينا عاما للحزب في خروج عن القواعد في كوريا الشمالية والمتمثلة باحتفاظ الزعماء برتبهم بعد الوفاة. فالمؤسس كيم إيل سونغ، جد الزعيم الحالي، يبقى رسميا “الرئيس الأبدي” فيما والده كيم جونغ إيل هو “الأمين العام الأبدي”. ويقول الخبراء إن الهدف من الخطوة تعزيز إعلان كيم بأنه وريث سلالة بايكتو، كما تعرف العائلة الحاكمة. وإقرار الحزب علنا بالاخطاء قد يكون تم الترتيب له بعناية لتعزيز سلطة كيم وتحفيز الناس “للالتفاف حول القيادة” حسبما ترى سو كيم لوكالة فرانس برس. وقالت إن “حرمة الزعيم الكوري الشمالي لا تزال تبعد عنه اللوم إزاء إخفاقات السياسات”، مضيفة “ولا يزال باستطاعة كيم صب استياءه على مستشاريه والعالم الخارجي”.