هل الديمقراطية الأمريكية في مأزق؟

محمد جميل أحمد –

المشهد في العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الأربعاء الماضي، من داخل مبنى الكونجرس كان مشهداً غريباً على الولايات المتحدة الأمريكية. فما قام به الرعاع إثر خطاب الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب في ذلك اليوم، وفور الايعاز لهم بالدخول إلى مبنى الكونجرس؛ كان أمراً صادماً ولم يكن يتوقعه أحد. لكن ما بدا غريباً من ذلك المشهد لم يكن غريباً على ما تعوده الناس من غرائيبية غير معهودة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد تعود الناس في عهد هذا الرئيس على التسامح مع الكثير من قيم الشعبوية، وأصبح ترامب هو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي لا يمكن أن يتنبأ بردود فعله على الأحداث حتى أقرب المقربين إليه!
لقد كانت مواقف الناس في شتى أنحاء العالم متباينةً حيال ذلك المشهد العجيب في مبنى الكابيتول. وكان لكثيرين من المعلقين في المنطقة العربية نصيبهم من ردود الفعل التي ظهرت عبر المقالات في الصحف والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة كشفت، في كثير من جوانبها؛ ليس فقط: عن جهل مخل بطبيعة الديمقراطية في الولايات المتحدة وتاريخها الطويل، بل كشفت كذلك؛ إلى أي مدى يمكن أن يكون البعض مضمراً لنزعات استبدادية فيما هو يعكس إسقاطاته الذاتية على حدث عارض ومحدود كان نتيجة طبيعية لولاية رئيس طرأ كظاهرة غريبة على تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية!
الذين أسقطوا أمانيهم على أحداث الكابيتول، ذهبوا بعيداً في التخرصات، وظلوا باستمرار يكشفون عن هشاشة الوعي بتاريخ الديمقراطية الأمريكية. فقد كان البعض منهم مستغرباً أصلاً صعود الظاهرة الترامبية وكيفية أن تتحول إلى حقيقةً في ظل الديمقراطية الأمريكية، مستنتجاً من ذلك؛ أن الديمقراطية الأمريكية تعاني أفولاً وضعفاً وتشهد نهاياتها، حتى إذا رأى ذلك البعض ما حدث يوم الأربعاء الماضي 6 يناير؛ تأكد له صحة زعمه، وشعر كما لو أن الأوضاع في أمريكا مقبلة على الانهيار!
ما غاب عن هؤلاء: أولاً، أنه بالرغم من بروز الظاهرة الترامبية بشعبويتها الفجة، فإن قوانين الديمقراطية الأمريكية اقتضت التعامل معها بحسبانها موجة مؤقتة من ناحية، وكذلك بحسبان أن تلك الظاهرة الترامبية مهما تمادت في شعبويتها؛ فإن أنسب الحلول لها يكمن في السماح لها بدورة انتخابية كاملة، مع القناعة بأن أي طريق آخر في التعامل مع تلك الظاهرة سيؤدي إلى انسدادات خطيرة في معالجتها.
وبالرغم مما ظهر في أحداث الأربعاء الماضي، فإن نهاية الشعبوية الترامبية كانت باديةً للعيان؛ حين رأينا كيف أصر النواب الأمريكيون في مبنى الكونجرس على فرز قرارات المجمع الانتخابي ما أدى في النهاية إلى إعلان فوز بايدن بكل نزاهة في اليوم ذاته الذي أراد فيه الفوضويون تهديد تلك العملية الديمقراطية.
كما رأينا كلمة رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الأمريكي ميتش ماكونيل حين قال معلقاً على أحداث الفوضى والشغب: «التخريب وسياسة التخويف لا مكان لهما في مجتمعنا».
كل الشواهد كانت تعكس انهيار الظاهرة الترامبية في يوم اقتحام مبنى الكابيتول. فلقد شهد الجميع ردود الفعل الغاضبة التي كانت تتصاعد في مواقف القادة السياسيين الكبار في الحزب الجمهوري من أمثال ميتش ماكونيل، وليندسي غراهام، ومايك بينس، وغيرهم.
من جانب آخر، بدا واضحاً في كل تصريحات السياسيين والعسكريين الكبار في الولايات المتحدة؛ التركيز على حماية الدستور، وصيانة وحدة الأمة، وعدم التسامح مع كل من تسبب في الإساءة إلى رمز الديمقراطية: (الكونجرس) الأمر الذي خسر فيه ترامب خسارة واضحة انعكست في أمرين؛ الإجهاز على تاريخه السياسي في ذلك اليوم المشؤوم، وكذلك وضع الحزب الجمهوري في مأزق كبير بسبب ما كشف عنه ذلك الرئيس من تحكم على هذا الحزب الأمريكي العريق.
واليوم؛ إذ تبدو محاكمة ترامب، للمرة الثانية، في مجلس النواب مستهدفةً حرمانه من أي إمكانية لمستقبل سياسي، أو الترشح في الانتخابات في المرة القادمة؛ فإن في كل ذلك ما يدل تماماً على قوة الدستور الأمريكي، وأن أثر الممارسة الديمقراطية التي تطورت في الولايات المتحدة على مدى 250 عاماً هي أقوى بكثير من أن تتهددها موجة الشعبوية التي ظهرت مع ظاهرة صعود ترامب، والتي كان التعامل معها ديمقراطياً هو أقصر الطرق لمواجهتها وتبيان تهافتها وعطبها أمام الجميع.