أي مستقبل للديمقراطية بغير وسائلها ؟

عبد الله العليان –

قبل عقود مضت كنا عندما نقارن بأوضاع دول العالم الثالث، في طريقة ما هو متبع عند الكثير من دولهم، وسلبية بعض التوترات والصراعات والانقلابات التي تحدث في هذه الدول، ونقارن ما يحدث في الدول الغرب من طرق وسائل راقية في طريقة التداول السلمي للسلطة وما يتبعها من إجراءات التصويت والانتخاب، نشعر بمفارقة هائلة في هذا القبول الهادئ للتعددية السياسية لديهم، وكيف أن الرئيس الخاسر بعد الانتخابات، يعود إلى عمله الذي كان يمارسه بحسب مهنته التخصصية، بكل قبول واقتناع، دون أن يأخذ الأمر بأية حساسية، وهذا ما أعطى الديمقراطية في الغرب قوة التأثير والاحترام والآثار الايجابية على الاستقرار والنهوض والتقدم، والقبول عند تلك الشعوب بهذه الوسائل الايجابية، التي أخرجتها من حروب وصراعات، لعقود طويلة ممتدة إلى هذه الوسيلة الايجابية للاستقرار السياسي من خلال العقد الاجتماعي بينهم وبين شعوبهم.
كان الحديث عن الديمقراطية في الغرب، يحاط بغلاف من القدسية والتصورات الهلامية، التي يٌعتبر من ينتقدها أو يشكك في سلبيتها أو انحرافها من البعض، كأنه يعيش في عالم آخر، لا صلة له بالواقع الذي يعيش فيه الإنسان في الغرب، تجاه التعددية السياسية القائمة، من خلال تداولها السلمي وإجراءاتها الدقيقة والنزيهة، وأن الإنسان الغربي العادي، وليس حتى النخب السياسية والفكرية، تجدها أكثر قبولاً بنتائجها وما جاءت به من أشخاص لتولي النظام السياسي، كان التصور عند الأمريكيين أنهم عالم متميز، وكأنهم أمة ـ كما يقول الكاتب محمود حيدر ـ:»مبعوثة للبشرية»:» كما لو أننا بإزاء أمة لما تزل في طور التأسيس.. وكل الذين اعتمروا البيت الأبيض من الجمهوريين والديمقراطيين، ما كان لهم أن يفارقوا لغة لا ترى إلى العالمين إلا « أغيار» لا سبيل لهم أن يبلغوا نعمة الخلاص».
لكن ما جرى من أحداث بعد ظهور نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة، وفوز مرشح الديمقراطيين جو بايدن، حتى بدأ الغمز واللمز والتشكيك في نتائج الانتخابات من قبل الرئيس دونالد ترامب وبعض أنصاره، ثم الرفض التام لهذه النتائج، وآخرها الدفع بأنصاره ومن له مصلحة معه للهجوم على الكونجرس، لوقف أو لإلغاء نتائج الانتخابات التي كانت على وشك الإعلان. ولا شك أن هذا الأمر خارج التصور أو التوقع لدولة كبيرة وعريقة في النظام السياسي الانتخابي، لاستخدام وسائل غير قانونية، لإلغاء قوانين ونظم في التداول السلمي للسلطة كما هو متبع، صحيح كان مصطلح الديمقراطية براقا وجذابا، خاصة في عصرنا الراهن، بعد هيمنة القطب الواحد على الساحة الدولية وإظهار نفسه وكأنه يمارس سياساته ونظمه من على أبراج عاجية بعيداً عن السلبيات ومنها مسألة الديمقراطية في تطبيقاتها، لكن يجب ألا ننسى أن هذه الديمقراطية هي التي جاءت أيضاً بهتلر النازي، وموسوليني الفاشي، وكذلك هذه الديمقراطية جاءت بالكثير من الحكام المستبدين، وعيوبها كثيرة، لا يتسع الحديث لسردها.. إذن الديمقراطية ليست هي الكمال الإنساني ولن تكون لأن من يمارسها بشر له نفسيات وتوجهات تخالف أحيانا ما هو مستقر لديهم وهذا ما ظهر في أحداث الهجوم على الكونجرس.
ومن النقد الموجه للسياسة الأمريكية تجاه قضية الديمقراطية، من بعض الكتاب الغربيين أنفسهم، ما كتبه الباحث الغربي» إيمانويل تود في كتابه (ما بعد الإمبراطورية: دراسة في تفكك النظام الأمريكي)، حيث يرى أن العالم، يرغب في أن تكون الولايات المتحدة، أكثر توازنا فـ:»ما يحتاج إليه العالم ليس اختفاء أمريكا، بل عودتها إلى ذاتها ديمقراطية كبرى ليبرالية منتجة تتعايش مع مثيلاتها الديمقراطيات الكبرى الأخرى في العالم». ويستطرد تود في طرح انتقاده للولايات المتحدة، من خلال سياساتها تجاه قضايا العالم، ويرى بأن ما طرحه فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) عند الديمقراطية الليبرالية، يحتاج إلى رؤية أكثر واقعية تجاه أطروحته:»ولكن مفهومه للمجتمعات يبقى متأثراً بترجيحه العامل الاقتصادي. لا يعتبر فوكوياما التعليم المحرّك المركزي للتاريخ، ويبدي اهتماماً قليلاً بالديموجرافيا، كما لا يرى أن تعميم التعليم الجماهيري هو المتغيّر المستقل والمفسّر في صميم الاندفاعية الديمقراطية الفردية التي كشفها. من هنا، جاء خطؤه الكبير: استنتاج نهاية التاريخ من تعميم الديمقراطية الليبرالية. إن مثل هذا الاستنتاج يفترض أن هذا النظام السياسي ثابت مستقر، وأن التاريخ يتوقف بمجرد تحقيقه. ولكن بما أن الديمقراطية ليست سوى البنية الفوقية السياسية لمرحلة ثقافية هي مرحلة التعليم الابتدائي، فإن استمرار الاندفاعة التعليمية مع تطور مرحلة التعليم الثانوي ومرحلة التعليم العالي، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى هز استقرار الديمقراطية في الأماكن التي ظهرت فيها أولاً، في اللحظة نفسها التي تتكرّس في البلاد التي وصلت فقط إلى مرحلة التعليم الجماهيري».
ولا شك أن المشاركة السياسة بوسائلها المعروفة، كالتصويت والانتخاب، سواء للمنافسة لمنصب الرئاسة أو انتخابات أعضاء البرلمان وفق الطرق التي حددتها القوانين:»تعتبر مجالاً حيوياً للتفاعل ـ كما يقول د. هادي نعمان ـ في التأثير حيث إن السلوك الفردي يتبادل التأثير مع السلوك الجماعي، وقد يوجه أحدهما الآخر تبعاً لعوامل وظروف متعددة. وفي الأحوال كلها يراد للمشاركة أن تكون فعّالة Effective والتي يمكن أن تجد لها تحقيقاً في عملية اتخاذ القرارات الاجتماعية عبر فرص متكافئة في التعبير عن الاختيارات».
ومن هذه المنطلقات الايجابية فإن هذه المشاركة تصبح طريقاً مهماً للديمقراطية الصحيحة مختلفة عن التدخلات الأخرى التي تبعدها عن أسسها المتبعة والنزيهة:»مع أنها ـ كما يضيف د. نعمان ـ تتضمن إشراكاً للمواطن إلا أنها تتسع لتشكل منظوراً أو منهجاً في تهيئة الأفراد للتعامل مع الحاضر ومواجهة احتمالات المستقبل بكفاءة، وهذا المنظور يؤلف ما يطلق عليه منهاج العملية ( Approach Process) الذي يقوم على تمكين المواطن من فهم المشكلات وأسبابها، وإشراكهم في التعامل مع تلك المشكلات التي يحسون بها، والتعامل مع طرائق حلها حيث يشكل هذا الجهد أسلوباً منهجياً يعد الأخذ به ركيزة لتنظيم المجتمع وطريقاً لتقدمه.كما أن المشاركة والتعامل في القضايا العامة ـ خاصة مجالات الديمقراطية وغيرها من المجالات كالتصويت والانسحاب والاقتراع ـ تجعل الأفراد يقتنعون بأن لهم «حقوقاً ولهم آراؤهم، ودورهم في إدارة الحياة في المجتمع، لهذا يتم الربط بين المشاركة والعملية الديمقراطية». وهذه بلا شك تقلص الاحتقان السياسي، وتجعل الأفراد أكثر تفاعلاً مع إيجابيات التداول السلمي للسلطة، بما تحدده من أساليب ناجعة لنزاهة نتائج هذه الانتخابات، ودقة الفرز وأمانتها.
ولا شك أن وسيلة الديمقراطية الغربية، التي يراها البعض أنها تتسم بالنزاهة والعراقة في طريقة تأدية وسائلها، إلا أنها لا تخلو من سلبيات، لأن عقلية الاستبداد عند بعض النخب تنزع للهيمنة والسيطرة من خلال وسائل أخرى مناقضة لما مستقر في نظمها، إلا القوانين تحد من ذلك بقدر الإمكان، فالمال السياسي يعلب دورا سلبياً في انحراف بعض جوانب الديمقراطية، والإعلام الموجه بالمال أيضا يؤثر تأثيراً كبيراً في بروز نخب بعينها، وهذا الأمر بلا شك ساهم في تراجع بعض منطلقات الديمقراطية الصحيحة، والحديث في المجال طويل، والكثير من الباحثين الغربيين المتخصصين، ناقشوا بعض هذه الجوانب، ومنهم كما أشرنا إليه آنفاً، مثل الباحث إيمانويل تود، ومن هنا يرى د. محمد حامد الأحمري، وهو من الأكاديميين العرب الذين عاشوا في الغرب لعدة عدة، طالباً ودارساً وباحثاً في فكر الغرب وحياته ولهم بحوث في ذلك، فيقول في كتابه (الديمقراطية)،إن:» القبول بأن السلطة السياسية الحاكمة شرعية ولهذا فإن المرؤوس يشعر بالتزام أخلاقي بالطاعة لها «. ومن دون هذه المشاركة، والشعور بالكرامة التي يؤسس لها كونه شارك في اختيار من يتخذ القرارات الأساسية لنفسه ومجتمعه، فإنه يبقى ساخطاً ومنعزلاً يعاني شعور الإقصاء والفساد والاستبداد، ويرى مزاج الفرد أو رأي القلة أو مصلحتها، مصدر تحّكم في مصائر الشعب، والاقتناع فالمشاركة بنتائج ساهم الفرد أو من أنابه عنه كغيره على حد سواء في صناعتها سوف يشعره هذا بالعدالة والمساواة، ويشعر الناخب بأن حريته مرعيّة ومصانة بل متحققة حين يملك أن يقول ويفعل في القرارات ما يحب وما يرضي ضميره، وما ينسجم مع فكره ؛ فقاعدة «صوت لكل شخص» تنتج كرامة إنسانية، تفتقدها الشعوب التي لا تخرج للتصويت على اختيار قيادتها. ومع ذلك، فإن فكرتي العدالة والديمقراطية تتنازعان ولا تتفقان دائماً».
صحيح أنها مرت بظروف ومنعرجات كثير في تاريخها السياسي الممارس، تم ربطها بحسب الحياة التي تعيش مجتمعاتهم وسبل حياتهم، ولذلك جاءت تطبيقاتها متعددة في الغرب اليبرالي وفق حياتها، فكما يقول د. الأحمري فـ:»بعضهم ربطها بمجتمع زراعي، و آخرون بالتجاري المستقر، والحقيقة أن العدل والمساواة فطرية في البشر، ولكن نعلم أن المستبد ومن يريد أن يستبد سوف يحرص على زرع الخوف لتستقر له السلطة، فلو كان المجتمع مستقراً فهذا يسعد الطبقة الحاكمة ولكنه في الوقت نفسه يخيفها، فتحرص على نشر شبح الصراع، وإبقاء التوترات وتتحدث عن المركبات المتناقضة في المجتمع، و تحذر فئة من الأخرى، أو تضطر إلى افتعال حروب في الخارج لبقاء شبح عدم الاستقرار ؛ لأن هذا يوطد ويهدئ التساؤل حول جدواها وقدرته على العدل والإدارة، ثم تستسلم مبكرة لو تساءل الناس عن كفاءتها في الحرب أيضاً، فتقيم توتراً دائماً يحمي سلطتها ولو أشقى شعبها، ولهذا كانت عملية الرقابة على الحاكم الديمقراطي في غاية الصعوبة والتنظيم، واستنزفت جهداً قانونياً كبيراً في الديمقراطيات حول صلاحياته الحربية، في أثنائها وما قبلها وما بعدها».
ما جرى منذ أكثر أسبوع بالكونجرس بالولايات، منعطف فكري وسياسي لافت، قد تفتح الباب لرؤى وقوانين، تقيد الكثير من صلاحية الرئيس، أو تدفع لأفكار تجدد من النظام السياسي وفق معطيات ما يجري، حتى لا يجري ما أخطر من تغيير الانتخابات أو وقف نتائجها بالقوة.