على هامش المصالحة الخليجية .. مبادئ ينبغي تعميقها!!

د. عبدالحميد موافي –

مما لا شك فيه أن القمة الحادية والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية «قمة السلطان قابوس والشيخ صباح الأحمد»، التي عقدت في مدينة العلا السعودية يوم الثلاثاء الماضي 5/ 1/ 2021 تمكنت، في جانب منها، من التجاوب مع تطلعات دول وشعوب مجلس التعاون والدول العربية، وذلك عبر الإعلان عن فتح الأجواء والحدود البرية والبحرية بين المملكة العربية السعودية وقطر، ومن ثم مشاركة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في اجتماعات القمة، إيذانا بانتهاء المقاطعة التي بدأت في الخامس من يونيو عام 2017 من جانب كل من السعودية ومصر والإمارات والبحرين لدولة قطر.
وفي الوقت الذي سعدت فيه شعوب مجلس التعاون وكثير من الشعوب العربية بانتهاء المقاطعة، واتجاه الدول المعنية لاستعادة العلاقات الثنائية، بين قطر وكل من الدول الأربع، إلى حالتها الطبيعية تدريجيًا، فإنه من المؤكد أن الإقدام على هذه الخطوة -ورغم مشاركة جاريد كوشنر كبير مستشاري ترامب في اجتماعات القمة- لم يكن من أجل عيون الرئيس الأمريكي الذي كاد أن يدخل بلاده في حالة من الفوضى، يوم الأربعاء الماضي السادس من يناير الجاري، عبر استمراره في إنكار نتائج الانتخابات الرئاسية التي خسرها، وتحريض أنصاره ضد الكونجرس، ولكنه كان لأسباب أخرى من أبرزها إعادة قراءة الموقف من جانب كل الأطراف المعنية، واليقين بأن المقاطعة واستمرارها لن تحقق على الأرجح أي مصلحة، منفردة أو جماعية لأي من الدول المعنية، ومن ثم جاءت الخطوة في إطار الاستعداد لمرحلة جديدة، سواء على مستوى الولايات المتحدة وتولي إدارة بايدن للسلطة في العشرين من يناير الجاري، أو على مستوى الأوضاع في الخليج والشرق الأوسط، ومجمل المخاطر والتحديات التي تواجهها دول وشعوب المنطقة، وهي مخاطر جادة وحقيقية وتمارس تأثيرها المدمر بالفعل في أكثر من دولة ومجتمع عربي، وقد آن الأوان لوضع نهاية لذلك، أو على الأقل فتح الطريق لإنهاء تلك المخاطر في اليمن وسوريا وليبيا ومد اليد لدول وشعوب عربية أخرى، يدرك الجميع أن الطوق العربي الجاد والصادق هو طوق النجاة بالنسبة لها في ظل ما تواجهه من تهديدات ومحاولات تدخل سافرة ومتواصلة في شؤونها الداخلية بكل السبل المباشرة وغير المباشرة للحيلولة دون نهوضها وانطلاقها مرة أخرى لتحقيق مصالحها الوطنية حسبما تراها هي، وليس وفق حسابات هذا الطرف الإقليمي أو ذاك.
ومع الوضع في الاعتبار ما نص عليه كل من «إعلان العلا» والبيان الختامي للقمة الحادية والأربعين، وهما من أطول بيانات قمم مجلس التعاون على مدى الأربعين عامًا الماضية، ونظرًا لأنه ليست هناك حاجة للتوقف أمام البنود العديدة لبيان القمة ولإعلان العلا، خاصة أنه تم نشرهما على نطاق واسع، فإنه يمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب على هامش القمة، وذلك باختصار شديد ولصالح الحاضر والمستقبل الخليجي والعربي أيضًا، و لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إنه في الوقت الذي يقدر فيه الجميع الجهود والمساعي التي قامت بها الكويت الشقيقة، سواء من جانب أميرها الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح، أو من جانب الشيخ نواف الأحمد، وما تحقق من اختراق مساء الاثنين الرابع من يناير الجاري، قبل ساعات من انعقاد القمة، فإنه يجب الإشارة إلى الجهود العمانية وهي كثيرة ومعروفة دعمت وساندت الجهود الكويتية وغيرها خلال الفترة الماضية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما قامت به السلطنة خلال رئاستها لدورة المجلس الأعلى لمجلس التعاون عام 2019 وحرصها التام على أن تعقد كل اجتماعات مجلس التعاون، على كل المستويات، بحضور ممثلي الدول الست، وهو ما أسهم في التهيئة لإنجاح جهود التقريب بين المواقف بعد ذلك.
وقد استمرت تلك الجهود العمانية الحثيثة والمخلصة، بالتعاون مع الكويت الشقيقة، وبصيغ أخرى لتوفير أفضل الأجواء الممكنة للمصالحة الخليجية.
ومعروف أن السلطنة قد اعتادت دوما عدم الإعلان عما تقوم به من جهود مباشرة أو غير مباشرة للتقريب بين الأشقاء والأصدقاء، وذلك ديدنها منذ عقود عديدة، وهي ذاتها لا تهتم ولا تحرص على ذلك كثيرا، فهي لا تريد تسجيل نقاط على هذا المستوى أو ذاك، ويكفيها أن الجميع يدرك ما قامت وتقوم به.
ثانيا: إن المصالحة الخليجية التي صاحبت «قمة العلا»، أعادت إلى الأذهان، مرة أخرى، الموقف العماني المبدئي والمتواصل، والقائم على عدم الأخذ بأسلوب المقاطعة مع الأشقاء والأصدقاء، من منطلق أساسي يقوم على أن الخلافات بين الأشفاء ينبغي أن تكون «خلافات بين إخوة» لا تلبث أن تنتهي، وستنتهي بالتأكيد في النهاية من ناحية، وأن الخلافات ينبغي حلها بالطرق السلمية وبالحوار الودي، القائم على الاحترام المتبادل وعلى الالتزام المتبادل أيضا بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون الإيجابي لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة وأن الأمن لدول مجلس التعاون هو بمثابة أمن مشترك، لا يمكن تجزئته، ولا استبعاد أحد أطراف مجلس التعاون منه، من ناحية ثانية، وأن تنمية المصالح المشتركة والمتبادلة من شأنه الإسهام في تمتين وتعميق العلاقات بين دول وشعوب المجلس والدفع في الوقت ذاته نحو البحث عن حلول سلمية وبالحوار لحل أي خلافات، خاصة أنه من غير الممكن ممارسة الضغط أو الإجبار من جانب طرف أو أطراف في مجلس التعاون ضد طرف أو أطراف أخرى تحت أي مبرر، وذلك بحكم الطبيعة الخاصة للعلاقات بين دول وشعوب المجلس وهى علاقات تتسم بالعمق والاتساع والمصير المشترك في النهاية، هذا فضلا عن اعتبارات السيادة التي تتمتع بها كل دولة من دول المجلس، وإقرار كل المواثيق الخليجية والإقليمية والدولية لذلك. على أي حال فإنه إذا كانت «قمة العلا» قد سلّطت الضوء على الموقف المبدئي العماني، والذي كان معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية قد أشار إليه في أحد تصريحاته قبل القمة، فإن الأهمية والقيمة الكبيرة للقمة تتمثل في حقيقة أنها أقرت المصالحة بين قطر والدول الأربع المقاطعة لها دون شروط، وأنها احتفت بعودة العلاقات إلى طبيعتها بين قطر والدول الأخرى.
ومع الوضع في الاعتبار أن فتح الحدود وإعادة العلاقات قد صاحبه تنازل قطر عن القضايا التي كانت قد رفعتها أمام منظمة التجارة العالمية وأمام محكمة العدل الدولية ومنظمة الطيران المدني العالمية، وعدم الحديث من جانب أي من الدول الأربع عن ما سبق إعلانه من شروط، فإن هذا الأمر لم يتخذ شكل التنازل المتبادل عن الشروط بين الجانبين، ولكنه جاء في إطار الخطوات الذاتية من جانب كل طرف، لتهيئة أفضل مناخ ممكن لعودة العلاقات إلى حالتها الطبيعية والتخلص من أي أدران حدثت خلال الفترة الماضية على هذا الجانب أو ذاك. وفي هذا الإطار فإنه إذا كانت كل الأطراف كاسبة، أي حققت مكاسب ما، خاصة في ظل إجراءات تمت بالفعل على هذا الجانب أو ذاك، فإن قيمة ما تحقق يتمثل في أنه يؤكد عدم إمكانية إدارة العلاقات الخليجية والعربية من خلال الشروط أو الضغوط من جانب طرف ضد آخر، صحيح أن الممارسة السياسية بين الأشقاء، شهدت وتشهد الكثير من الممارسات ذات البعد السلبي على هذا المستوى أو ذاك، سواء كانت إجراءات سياسية أو إعلامية أو استثمارية أو اقتصادية أو غيرها، ولكن الصحيح أيضا أن تلك الممارسات تظل مغلفة وبعيدة بشكل متعمد عن صيغة الشروط أو الضغوط السافرة والمعلنة، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى خليجيًا وعربيًا بالطبع، ولسنا في حاجة إلى الإشارة إليها بالتأكيد.
ثالثا: إنه إذا كانت المصالحة الخليجية قد سارت على النمط الذي تسير عليه المصالحات العربية عادة، فإن الظروف العربية والإقليمية والدولية الراهنة والقادمة، والتهديدات التي تواجهها العديد من الدول في المنطقة تفرض في الواقع الحاجة إلى تأكيد وتعميق الالتزام بالمبادئ التي يتضمنها النظام الأساسي لمجلس التعاون، وميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون والتعامل الدولي بين الدول، ليس فقط الاحترام المتبادل للسيادة والامتناع عن التدخل ومحاولة اللعب في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا حتى عبر الوسائل الإعلامية التي ازدادت خطورتها في السنوات الأخيرة، ولكن أيضا مبادئ التعاون الإيجابي والالتزام بحل الخلافات بالحوار والطرق السلمية، والعمل الجاد من جانب الدول الخليجية والعربية بوجه عام على بناء مجتمع الأمن العربي المشترك، أو مجتمع الأمن الواحد، بمعنى الامتناع الحقيقي عن ممارسة التهديد من جانب طرف خليجي أو عربي ضد طرف خليجي أو عربي آخر، وشعور كل دولة خليجية وعربية بالأمان الحقيقي في علاقتها مع الدول الشقيقة الأخرى خليجية وعربية.
وإذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قد نجحت في بناء مجتمع الأمن المشترك أو الواحد فيما بينها، فنحن كعرب في حاجة ماسة لبناء ذلك وبأسرع ما يمكن.
ولعل المصالحة الخليجية تدفع في هذا الاتجاه، عبر تعميق الالتزام المتبادل بين الدول الشقيقة الخليجية والعربية بترسيخ علاقاتها وفق مبادئ مواثيق مجلس التعاون وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
وقد يقول قائل إن ذلك النهج قد يعطل أو يعيق تطوير العلاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف خليجيًا وعربيًا، نظرًا لأن رفع مبدأ السيادة من جانب أي دولة يمكن أن يوقف أو يعرقل أو يعطل مشروعات تعاون أو تنسيق مختلفة، ولكن الواقع هو أن ذلك الزعم غير صحيح. والأكثر صحة وجدوى هو أن تتعامل الدول الشقيقة فيما بينها وهي واثقة ومتأكدة من أن الطرف الآخر لا يضمر لها شرا، ولا يمكن له أن يعرقل أي خطوات تعاون إذا حدثت مشكلة ما معه، وإذا كان من غير الممكن أن نتعاون معًا إذا لم تكن هناك ثقة متبادلة ويقين حقيقي بفائدة وأهمية هذا التعاون لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، بما فيها المصلحة الفردية والجماعية، فإن الطريق هو أن يلتزم كل منا بمبادئ التعاون والتعامل التي وافقت عليها كل الدول العربية، أما محاولات التأثير أو ممارسة النفوذ أو الإضرار بمصالح طرف عربي لصالح طرف أو أطراف أخرى فقد ثبت أنه لا يؤدي إلا إلى عرقلة التعاون المثمر بين الأشقاء، فضلا عن تسميم العلاقات بين الدول والشعوب العربية، كما أن التطورات تجاوزت مثل هذه الأساليب التي أثرت بالسلب على العلاقات بين الأشقاء في فترات كثيرة سابقة. ومع الوضع في الاعتبار أن عودة العلاقات بين قطر والدول الأخرى ستحتاج بعض الوقت لتعود إلى ما كانت عليه سابقا، فإنه من المأمول أن تكون المصالحة خطوة لتمتين العلاقات بين الأشقاء خليجيًا وعربيًا وبناء مجتمع الأمن الخليجي والعربي الواحد.