بعد 10 سنوات من الحرب، هل يعود الوئام للسوريين..؟

د. العويد: الانتماء للوطن بالفكر والممارسة والتضحية –
دمشق – عُمان – بسام جميدة: حرب أخرى تكاد تأتي على ما تبقى من السوريين وتجري بين بعضهم البعض، في البداية كانت منخفضة النبرة ثم سرعان ما ارتفعت الأصوات عاليا، وأصبحت كمن يصب الزيت على النار، فيكتوي بها من يكتوي، ويدفع الجميع ضريبتها. عشر سنوات من الحرب ذاق فيها السوريين كل أنواع المرارة والنزوح والفقر والغلاء، وكان الموت قريبا لكل واحد منهم، لم تكن كافية للبعض منهم لكي يتقنوا الدرس القاسي الذي يجب ان يخرجهم أكثر صلابة من هذه الحرب التي لم تضع اوزارها بعد، ويلتفتون لأمور أكثر أهمية تساهم في عودة الوطن سليما معافى، ويفكرون كيف نعيد بناء الانسان من جديد، وكيف نبني الوطن، ونعيد اللحُمة التي كانت تؤلفهم. الحرب التي اتحدث عنها هي تجاذبات متبادلة بين سوريين، غالبا ما تكون وسائل التواصل الاجتماعي مسرحا لها، إلا وهي “الوطنية” فماهي المعايير التي تحكم المعادلة ليقال عن هذا وطني وآخر غير وطني، ومن يحب الوطن أكثر من الآخر.. وهذا يتهم ذاك، أما بالوطنية أو اللاوطنية، وذلك مع كل منشور رأي أو حادثة وفاة أو عمل ما يشير لشخص ما، حيث تبدأ حفلة التراشق بالوطنية. أشخاص كثر التقيتهم وتحدثت معهم، إضافة للذين تابعتهم على “السوشيال ميديا” أفصحوا عن رأيهم حول هذه المسألة من كل الأطراف، بعضهم أوضح أن من بقي في المدن التي تسيطر عليها الحكومة، وبقي داخل البلد فهو برأيهم موالي ووطني أكثر من الذي بقي في الأراضي التي خارج سيطرة الدولة، وهؤلاء يستنكرون على كل من اجبرته الظروف وخرج من البلاد نازحا أو مهاجرا أو هربا من الموت أو خوفا على عائلته فهو بنظرهم لا يستحق “الوطنية”. وعلى العكس يصف القابعون في الطرف المقابل، وبعضهم في أماكن خارج سيطرة الدولة أو ممن هاجروا للخارج نازحين أو مهجرين، أن الذين بقوا يدافعون عن الدولة وسيادتها، انهم موالون بغير وجه حق، ويتحدثون عنهم بأبشع الصفات أيضا. المفارقة في هذا الموضوع، أنه لا أحد يحترم رأي الآخر، رغم أن كل طرف يدعي حرية الرأي، بل ويسفهون اراء بعضهم البعض بدرجة كبيرة. الحياديون “رماديون” ومن بين الطرفين ممن آثر الصمت لهذا السبب أو ذاك، أو مفجوعا بالموت او فقدان عزيز، لم يسلم من نار الحرب هذه فأطلقوا علية أسم “الرماديون”، وصوبت إليه الاتهامات من كل أطراف النزاع على مبدأ “إذا لم تكن معي فأنت ضدي”. ولم يسلموا من النقد من هذا الطرف أو ذاك، فكل منهما يريد أن يستجره للخندق الذي يقبع فيه، وللصامتون أسبابهم المؤدية لذلك، حسب ما يقولون، إلا أنها لا تشفع لهم بتاتا، بل ويصفونهم انهم يضعون رجلا هنا ورجلا هناك، ليميلوا مع هذه الكفة أو تلك عندما تنتصر، دون أن يكلفون خاطرهم في معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الصمت. غموض الرؤية حاولت في هذا التقرير متابعة اراء كثير من المهتمين وأصحاب الشأن وحتى بعض السوريين في هذه المسألة الشائكة، ولكن اغلبهم آثر السكوت، متيقنين أن المسألة متشعبة و”توجع الرأس” بسبب تعنت كل فريق لرأيه، ويقول أنا رأيي هو الصحيح. ولكن كان للباحث السياسي الدكتور عدنان العويد رأي في هذا الموضوع حيث رده إلى مسألة الانتماء في سياقه العام حيث قال، أنه شعور عميق يحرك عواطف الفرد وأحاسيسه تجاه قضية ما، كالأسرة او العشيرة أو القبيلة أو الدين أو الطائفة أو المذهب أو الحزب أو الوطن أو الأمة، بحيث يتجلى هذا الانتماء فكراً وممارسة، من خلال حالة الارتباط بأواصر من المحبة والألفة وحتى التضحية من قبل الفرد أو المجتمع تجاه القضية أو الحالة التي تشكل محط الانتماء. وتابع بقوله، أهم محطات الانتماء في حياة الفرد والمجتمع هو الانتماء للوطن. فالوطن هنا الأرض التي ولد عليها وعاش الإنسان، وعليها تعلم القيم واللغة، وبنى علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والروحية مع أبناء الوطن. وأكد العويد، ما رحنا نلمسه في وطننا سوريا تحت مظلة هذه الأزمة، هو ضعف الانتماء لدى الكثيرين.. لقد غلبت على الكثير منهم شهوة السلطة فراحوا يعملون كل ما يستطيعون عمله من أجلها، حتى ولو كان الثمن تدمير الوطن أو الارتماء في أحضان الغريب، بل المؤسف أن الكثير منهم باع الوطن بثمن بخس وراح يشتغل ضده. وأشار العويد إلى أن كل ما جرى ويجري اليوم في سوريا من دمار سببه غياب فكرة المواطنة، لقد تبدت المصالح الأنانية الضيقة على حساب المصلحة العامة، لذلك تتحمل الدولة بكل مؤسساتها المسؤولية عن هذا الغياب. فغياب دور التربية والثقافة والاعلام في زرع قيم المواطنة، ساهم في زرع قيم الفساد وتكريس المصالح الشخصية والفئوية على مصلحة الوطن. نحن بحاجة ماسة اليوم للنظر في مسألة الانتماء للوطن ومحاسبة كل من عمل على تغييبها، وإعطاء الدور لمؤسسات الدولة التربوية والسياسية والثقافية وكل المتحدات الاجتماعية والنقابية من أجل خلق جيل جديد يؤمن بوطنه ويعمل من أجل رفعته. لا يوجد منتصر الحرب الدائرة بين السوريين لا احد فيها منتصر ابدا، المنتصر الوحيد هم أعداء الوطن والمستفيدون من بقاء الحرب والدماء والفقر والتشتت والنزوح، بل وتجار الحرب الذين يتفرجون على ما يدور في الأراضي السورية وبين ابناءها بهذه الطريقة التي تحتاج إلى من يطفئ نارها بحكمة ودارية ليبقى الوطن والسيادة الوطنية هو العنوان الذي يجب أن ينتمي الجميع له بغض النظر عن أي مسمى ومهما كان الخلاف، لأنه ومن دون سقف الوطن سيبقى الجميع مكشوفا وسهل المنال لمن يريد الفتك به وبأي طريقة، فهل يتعظ السوريون ويتحاملوا على خلافاتهم ويعود الجميع إلى رشده بعد تلك السنوات العجاف التي أتت على الأخضر واليابس ولم توفر أحد من كل الأطراف. الوطن يفتح ذراعيه “حضن الوطن دافئ”، هكذا كانت سياسة الدولة التي فتحت ذراعيها للجميع ليكونوا تحت سقف الوطن، حيث تمت تسويات ومصالحات كثيرة في غالبية المناطق السورية، وذلك لكي تعود البلاد الى سابق استقرارها، ومنذ فترة ليست قصيرة تم عقد مؤتمرا موسعا من اجل عودة اللاجئين إلى ديارهم، وكل هذه التسهيلات وغيرها التي تمت سابقا، غايتها إعادة الوئام والسلام، ونبذ التناحر المؤذي للجميع، بل وصدرت قرارات ومراسيم عفو كثيرة لهذه الغاية..