قلق الأمسيات

بقلم: أمل السعيدية
“هولدن كولفيد” بطل رواية “الحارس في حقل الشوفان” للكاتب الأمريكي “سالينجر”، يرتدي قبعة حمراء ستصبح رمزاً على مرحلة تعيشها أمريكا، الشباب يرتدون القبعات الحمراء تعبيراً عن روح التمرد التي أظهرها المراهق بطل الرواية. حتى أصبحت تلك القبعة لوحدها كافية للإشارة لمنظومة قيمية كاملة، إنها روح مواجهة المجتمع والخروج على إرادته المتماسكة، ومحاولته المستمرة لتأطيرنا، وحبسنا داخل أنماط وتصنيفات محددة. “ياس” بطلة رواية قلق الأمسيات للكاتبة الهولندية “ماريكا لوكاس رينفلد” والحائزة على جائزة البوكر في نسخة ٢٠٢٠م بدلاً من مواجهة المجتمع تختبئ تحت معطف أحمر.
لا أشك في أنه و مع مرور الوقت سيصبح رمزاً للانطواء على الذات، الهرب، والخوف، والحذر، والترقب البطيء للموت، الذي ثمة إيمان حقيقي بقدومه، ليس هذا فحسب، بل الإيمان بأهمية أن يأتي الموت سريعاً، لأن طهارة بطلتنا، وعودة روح أخيها الذي غرق في بحيرة جليدية رهينة بأن تموت هي كما تظن. تنشأ “ياس في مزرعة أبقار مع والديها وأخوتها، في أجواء متدينة، إذ إن كل شيء يرتبط بالكتاب المقدس، حتى أن طفلتنا ذات ١٢ عاماً تقتبس على طول الرواية مقاطع منه لتعرف ما ينبغي عليها فعله.
تعرف حسب ما تقول لها معلمتها أن مشكلتها الكبيرة أنها تتخيل كثيراً، وهذا لا يصحُ على الإطلاق اذ ينبغي أن يلتزم الانسان بما هو موجود أمامه، الفتاة الصغيرة مع ذلك وإن كانت تكبح قدرتها على التخيل، فإن تعليمها الديني، بالإضافة لشخصية والدها، الذي منع عنهم مشاهدة التلفاز ماعدا ثلاث قنوات وطنية لا تبث مواداً تفسد الأطفال! فإنها تستمر في تخيلها لكن في حدود المزرعة، فكلما تخيلت شيئاً يحدث في عائلتها، شبهته بما يحدث مع الأبقار، اذ إنه العالم الوحيد الذي تعرفه جيداً. نعيش مع “ياس” وهي تراقب ضفادعها التي تربيها أسفل السرير، متخيلة أن بإمكانها عبر فهم الضفادع أن تفهم أبويها وأن تدفعهما للاتصال ببعضهما بدلاً من الصمت الذي يطوق علاقتهما.
تعيش “ياس” في وسط هذه العائلة المفككة التي لا تعترف على الإطلاق بما تمر به، وأن له اسما وينبغي مواجهته، كما لو أن حزنها أزلي، وفطري، وأن العائلة لا ينبغي أن تكون شيئاً آخر. يُحرم الحديث عن الميت، فلا تستطيع ياس ولا أخوتها مناقشة وفاة أخيهم الأكبر، تمر هذه الحادثة في صمت رهيب، يدفع الأطفال لمراكمة عنف مكبوت، يتحول مع مرور الوقت لرغبة في رؤية الأشياء ميتة، وقتلها باستمرار، حتى تحلم ياس بأن تعيد مشهد موت أخيها بإغراق أختها الصغرى في بحيرة تقع على الضفة الأخرى من المزرعة.
إنها رحلة مظلمة من الأسئلة والفضول، تنتقل فيها طفلتنا من البراءة إلى البلوغ، إلى اكتشاف الجسد، الغضب، الألم! كاتبة هذه الرواية نشرتها وهي تبلغ من العمر ٢٦ عاماً، وبذلك تعد أصغر فائزة بواحدة من أهم جوائز الأدب في العالم! إنها رواية صادمة، وحية، وبإمكانها أن تضيء على طفولتنا الشخصية، وتكشف لنا عن آلام دفينة راكمناها تحت طبقات من الزمن والإنكار والانسحاب. عمل ساحر مكتوب برهافة فائقة.