الـسّـلـطـان قـابـوس والـبـعـد الإنـسـانـي

بدر بن سالم بن حمدان العبريّ

إنّ الحديث عن شخصيّة ما وهي تتصف بصفات الملك أو الرّئاسة يعتبر تحليليّا من أصعب الحديث؛ لأنّها هنا تتجاذبها شخصيتان؛ شخصيّة الذّات كذات لا كعارض، وشخصيّة صفة الملك كعارض، والعوارض كثيرا ما تتأثر بالخارج – أي خارج الذّات -؛ ولهذا ترتبط بالمنفعة، وإن كان للذّات أثر فيها؛ إلا أنّ حاجة الملك واستقراره يجعل من الذّات قد تتقمص صورا خارجيّة أخرى من باب المنفعة، واستقرار المجتمع.
وعلى هذا من السّهل الحديث عن المثقف أو عن داعية دينيّ أو فنان مثلا، فالمثقف له شخصيّة واحدة مرتبطة بالمبدأ الّذي يؤمن به، ويضحي لأجله، ولو بقي له شخص واحد يؤيّده في العالم لما تدحرج عن مبدئه، وقد يرتبط بالمنفعة إذا تعلّقت بمصلحة الغير لا الذّات؛ وهنا قد يلجأ إلى الانعزال، وقد يلجأ إلى محاولة التّوافق بينهما.
وأمّا الدّاعية والفنان فيرتبطان بالجمهور وما يحتاج إليه، لذا تظهر الأساطير والخرافات في خطاب الدّاعية لحاجة الجمهور، ويظهر الفنان ما يخالف هوّيته التقليديّة حتى لا يفقد جمهوره.
فالحديث عن السّلطان قابوس بن سعيد -ت 2020م- – رحمه الله ورضي عنه – حديث عن حاكم ارتبط اسمه بعمان منذ 23 يوليو 1970م، لهذا الحديث سيكون في الأصل عن منفعة أرادها السّلطان لعمان، ولو كان يرى غير ذلك كذات مثقفة وواعية منذ المرحلة الأولى، فهو مدرك للواقع السّياسيّ الدّاخليّ، والانقسامات الفكريّة السّياسيّة والقبليّة، كإدراكه للواقع الخارجيّ المحيط بعمان، أو بالوضع البريطاني والأمريكي والسّوفييتي، أو بالقوميّة العربيّة، أو الصّحوة الإسلاميّة، أو الحركات اليساريّة والتّحرريّة، بجانب الوضع المعيشي والمعرفي والصّحي والمدني المتدني في عمان.
لهذا السّلطان مدرك لهذا الواقع، بداية من ظهوره الأول في صلالة 23 يوليو وقد أطلق لحيته، وكان خطابه الدّيني الصّحوي الّذي تتطلبه المرحلة من حيث المنفعة، فعمان كانت منقطعة عن العالم، ولم يدخل فيها هذا التّدافع الفقهي الّذي تجاوزته مصر مثلا بسنوات، ومع هذا حاول من البداية إخراج البلد إلى ظلّ الانفتاح، وتقديم عقول منفتحة، مع الموازنة مع الجميع.
هذا الخطاب الدّيني سيظل ظاهرا وهو يقاوم الحركات التّحرريّة في شمال عُمان، مستخدما المصطلحات الدّينيّة بشكل كبير، إلا أنّه وبعد الاستقرار وتمكين الأمر؛ يتجاوز الوضع إلى خطاب أكثر عقلانيّة ومدنيّة من داخل الخطاب الدّيني نفسه، كما سيظهر بعد أربع وعشرين سنة، في العيد الوطني الرّابع والعشرين أي 1994م، وفي مدينة نزوى، وهي من أهم العواصم الدّينيّة في عمان، إذ يقول: «لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن بالحكمة والبيان، وضمنه المبادئ العامّة، والقواعد الكليّة للأحكام الشّرعيّة، ولم يتطرق فيه إلى جزئيات المسائل الّتي يمكن أن تختلف باختلاف الزّمان والمكان»، وهنا يلفت السّلطانُ العقولَ المستمعة إلى المصدر الأول أي القرآن الكريم، والّذي تطرق إلى المبادئ العامّة أي الأخلاق والقيم، والقواعد الكليّة للأحكام الشّرعيّة، أي مع ذكره البسيط للأحكام إلا أنّ العديد منها أيضا أقرب إلى القواعد الكليّة، كقوله تعالى: }لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ{ آل عمران/ 286، وقوله: }فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ{ التّغابن/ 16، وقوله: }يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{ البقرة/ 158، ويشير في خاتمة الجملة إلى جزئيات المسائل المرتبطة بالزّمان والمكان، وهو ما يسمى بالأحكام التّدبيريّة أو الظّرفيّة أو التّاريخيّة، لهذا نجده يضيّق في المصدر وحرّفيته، ويوّسع في الاجتهاد ومقاصده، ويعلل ذلك بقوله: «ليتيح للمسلمين الاجتهاد في مجال المعرفة والفهم الدّينيّ، واستنباط الأحكام لما يستجد من وقائع وفقا لبيئاتهم والعصر الّذي يعيشون فيه، مع الالتزام الدّقيق في هذا الاستنباط بتلك المبادئ العامّة، والقواعد الكليّة».
ثمّ يتطرق بعد هذه المقدّمة إلى التّحذير من الجمود على الموروث الفقهيّ دون تجديد، ومن التّطرف الدّيني، فيعتبر أنّ التّحجر وعدم المرونة في التّعامل مع النّصوص يولّد جمودا، والجمود يولّد تطرفا.
فأمّا عن الجمود فيقول: «غير أنّ تخلف المسلمين في العصور المتأخرة جعلهم يتحجرون على موروثهم من الآراء الفقهيّة، ورغم اختلاف الزّمان لم يحاولوا التّجديد في هذه الآراء»، واعتبر أنّ هذا الجمود «لا يتمشى مع طبيعة الإسلام، الّذي يدعو إلى التّطور الفكري، ومواجهة كلّ عصر، وكلّ بيئة، بما يناسبها من الحلول المنطقيّة الصّحيحة».
وعليه « كما أسلفنا » أنّه أدّى هذا الجمود كما يرى إلى «خمود الحركة العقليّة، والنّشاط الفكري»، ممّا «أفرز في السّنوات الأخيرة نوعا ما إلى التّطرف … استغله البعض في ارتكاب العنف، وفي ترويج قضايا الخلاف الّتي لا تؤدي إثارتها إلا إلى الفرقة والشّقاق والضّغينة»، ويرى أيضا «أنّ التّزمت في الفهم الدّيني لا يؤدي إلا إلى تخلف المسلمين، وشيوع العنف، وعدم التّسامح في مجتمعاتهم»، ويرى أنّ طبيعة المجتمعات، ومنها المجتمع العماني تدرك «أنّ التّطرف مهما كانت مسمياته، والتّعصب مهما كانت أشكاله ومنطلقاته، نباتات كريهة سامّة، ترفضها التّربة العمانيّة الطّيبة الّتي لا تنبت إلا طيبا، ولا تقبل أبدا أن تلقى فيها بذور الفرقة والشّقاق».
هذا الخطاب سيتطور بشكل أكبر في عام 2000م؛ لأنّ العقل العماني والشّبابي أصبح أكثر وعيا وانفتاحا، فيلقي خطابا في أكبر مؤسسة معرفيّة في عُمان، أي جامعة السّلطان قابوس، فيبين قاعدتين: الأولى بيان المنهج الشّكي في قبول الخبر، خصوصا ما يتعلّق بالتّأريخ، وحذّر أن يكون المرء كالببغاء يردد ما يقرأ أو يسمع دون تعقّل أو نقد، والقاعدة الثّانيّة حريّة الرّأي للجميع، وأنّه لا مصادرة للفكر.
فهذا التّطور في الخطاب مع مراعاة الظّرفيّة والمنفعة إلا أنّه لازمة صفة إنسانيّة منذ البداية، وهذا يدل على انفتاحه على الأمم الأخرى بأديانها وتوجهاتها، فضلا عن سياساتها، حيث يأمل أن يتحقق السّلام العالمي، وأن يكون المجتمع الإنسانيّ متّحدا شرقا وغربا في خدمة البشريّة، والقضاء على الحروب والفقر، فيقول في خطابه في العيد الوطني لعام 1984م: «وانطلاقا من حرصنا الدّائم على استتاب الأمن والسّلام، فإننا نناشد ونحث القادة والمسؤولين في كافة بلدان العالم، ولا سيما في الدّول العظمى، على الإسراع إلى حلّ المشاكل الّتي تعاني منها البشريّة في ربوع العالم، حتى يتجنب المجتمع الدّولي ويلات الحروب والدّمار، ويسود التّعايش السّلمي القائم على الاحترام المتبادل، وعدم التّدخل في شؤون الغير»، وقبل هذا الخطاب بعامين أي في العيد الوطني 1982م، ينظر متأملا إلى المستقبل ليكون حسب قوله: «إنّ العالم الّذي ترونه «اليوم» أصبح فيه التّعصب وتجاهل النّظام وعدم احترام القانون شيئا عاديا، حيث ترى العنف والاضطهاد يكمنان في كثير من جوانبه، ونرى الإنسان أحيانا يقنط من الإنسانيّة؛ ولكننا نعتقد أنّ اليوم الّذي سيهزم فيه ذلك الاتجاه الخاطئ قادم لا محالة، وهذا هو الهدف الّذي يجب أن يسعى كلّ منا لتحقيقه، ونعمل جميعا من أجله».
ومع حضور البعد الإنساني في العالم أجمع؛ لا ينسى قوميته العربيّة، ليرى الإنسان العربيّ كغيره من البشر يعيش آمنا مكرما، كغيره من الأمم، وهذا لا يتأتى إلا كما قال في العيد الوطني 1982م: «لقد ناشدنا جميع أشقائنا العرب …. أن يلقوا بخلافاتهم جانبا، وليعملوا معا مستخدمين كلّ إمكانياتهم لخدمة قضايانا المشتركة … ونؤكد على الأهمية القصوى لتوحيد الصّف العربي في هذه المرحلة الدّقيقة من حياة أمتنا العربيّة».
وأمّا في بلده وقطره عُمان، فمن البداية أكدّ في أكثر من مناسبة أنّ «الإنسان في كلّ التّجارب النّاجحة للأمم والشّعوب هو غاية التّنميّة، يجني ثمارها، ويسعد بمكاسبها»، لهذا وجّه خطابه إلى المسؤولين عام 1987م، أنّ الإنسان العمانيّ واحد في الحقوق والواجبات فهم أخوة وأبناء لأسرة واحدة، فيقول: «وعلى المسؤول أن يعتبر مصلحة الدّولة فوق كلّ مصلحة، وأن ينتقي الأصلح فالأصلح، لا القريب من الأقارب، إذ يجب أن لا تدخل القرابة النّسبيّة في حساب أيّ مسؤول، فكلّ الأفراد العمانيين هم أخوة وأبناء».
حيث كان هدفه من البداية في تحقيق السّنة المجتمعيّة والإنسانيّة في التّطور والنّماء، فيؤكد ذلك في خطاب العيد الوطني 1974م «»إنّ الأيام في حياة شعبنا لا تُقاس بوحدات الزّمن؛ وإنّما بوزن ما تفتحه من آفاق، وما تلهمه من أفكار، وما حوّلته من الآمال إلى واقع حيّ، لتأخذ مكانها بين طلائع الشّعوب السّائرة من أجل التّقدّم والسّلام والرّخاء».
هذه الصّفة الإنسانيّة ظهرت مع السّلطان من البداية في حبّه للجمال والزّهور والنّظام والنّظافة والفنون والموسيقى، وفي انفتاحه على الآخر، وفي عفوه في أكثر من مناسبة، والحديث حول هذا يطول، رغم صعوبة ما أسلفت بيانه في المقدّمة، وبغض النّظر عن بعض الإخفاقات في بعض الجوانب لأسباب مجتمعيّة طبيعيّة عندما تدرك وتصحح كما أراد المغفور له لعمان الإنسان المتطور والآمن والمثقف والمكرم من البداية.