قابوس.. وسياسة العفو وإيقاظ الهمم

عـبـدالله الـعـلـيـان –

يمر عام على وفاة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه- وكانت سياسته الثابتة منذ توليه الحكم 1970،اختط منذ اليوم الأول لحكمه، سياسة العفو والتسامح وتجاوز معوقات الماضي كطريق ومسلك للحكم، لإنهاء ما كان عليه الحال قبل ذلك، وبدأ بالدعوة العمانيين للعودة من الخارج إلى وطنهم.
ونتذكر الكلمة الشهيرة التي قالها بعد التغيير مباشرة «عفا الله عما سلف»، ولا تخفى الدلالة التسامحية لهذا العهد الجديد. وأتذكر في تلك الأيام التاريخية التي لن تنسى من الذاكرة العمانية عندما خرج السلطان قابوس في ذلك اليوم الخالد للناس من منزله القريب من قصر الحصن إلى المناطق السكنية القريبة من شاطئ البحر والتف حوله المواطنون فرحين ومستبشرين بهذا التغيير وتوليه الحكم بعد عزلة عُمان أكثر من نصف قرن عن العالم.
وعندما سئل مساء اليوم في جولته عن المساجين ومتى يفرج عنهم، وعن المغتربين عن بلادهم متى يعودون؟ ابتسم، وبشّرهم بأن هذا التغيير هو من أجلكم ومن أجل بلادكم، وستتحقق كل المطالب والطموحات لعمان وشعبها بإذن الله قريبًا، وسترتفع كل العوائق القائمة.
كان الحدث بعد العصر ذلك اليوم، واستغرقت حركة التغيير ما يقترب من الساعة ونصف الساعة تقريبًا.. فخرجت الجموع الكبيرة من صلالة، وبعض المناطق القريبة، تطوف الشوارع رافعة للشعارات، وعبارات الابتهاج بالتغيير الذي طال انتظاره، فرحًا واستبشارًا بمرحلة جديدة لعُمان وشعبها لتستعيد مكانتها اللائقة بين دول العالم المتقدم، وتنهي ما قبلها من تخلف وتراجع على كل المستويات.
وأتذكر أنني وقفت مع رجلين بعد سماعهما تولي السلطان قابوس الحكم في تلك الليلة بعد صلاة المغرب، وكانا يتناقشان عن وضع الثورة في ظفار بعد تغيير السلطان سعيد بن تيمور؟ ماذا سيكون بعد ذلك في العهد الجديد؟ كانت الغالبية من المواطنين في شمال عُمان وجنوبها مع التغيير، بسبب التخلف والتراجع والعزلة والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها، فرد عليه الآخر على سؤاله وكانا واقفيْنن فقال: الثورة ستنتهي لأن أسبابها ستذهب مع العهد الجديد؟ وهذا ما تحقق في بلادنا من خلال سياسة حكيمة وثاقبة.
ويتذكر الأستاذ حفيظ بن سالم الغساني، المستشار الصحفي لجلالته بعد التغيير، في كتابه «مع الأيام» عن قصة ذلك اليوم التاريخي في حياة عُمان والعمانيين فيقول: «ذلك الحدث المهم في الثالث والعشرين من يوليو 1970، فيقول: «نعم.. كانت عمان في انتظار الذي لا بد أن يجيء، ثمة حركة من حركات التاريخ تتهيأ.. تتكور في رحم الغريب. لا بد أن شيئًا ما سيحدث.. أن تحدث استجابة لإرادة الحياة.. والشعب العماني قد أراد الأخذ بأسباب الحياة التي يطمح إليها».
ونتذكر أول خطاب له -رحمه الله-، في الثالث والعشرين من يوليو 1970، عبر الإذاعة الصغيرة في صلالة، ثم تم نقله عبر بعض وكالات الأنباء العالمية، ومنها قوله في هذا الخطاب: «أيها الشعب: سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سعَدَاءِ لمستقبل أفضل.. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب. كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي».
وعندما ذهب جلالته، إلى العاصمة مسقط من صلالة في الأسبوع الأول من أغسطس 1970 بعد التغيير، كان الاستقبال من الشعب في مسقط فوق التصور فرحة واستبشارًا بالعهد الجديد، وفي خطابه في 9 أغسطس 1970 بعد وصوله مباشرة قال رحمه الله: «لقد عيّنا عمنا السيد طارق بن تيمور رئيسًا للوزراء، إن سرعته في العودة إلى البلاد نقدرها عظيم التقدير ووجوده بيننا مع أخيه السيد فهر يلقى منا كل الترحيب.. إنهما سيتركاننا لفترة وجيزة لترتيب شؤونهما الخاصة لكننا تأكدنا من حقيقة أساسية وهي أن آراءنا حول مستقبل البلاد متفقة ولقد أمرنا رئيس الوزراء أن يتخذ الخطوات الفورية لتشكيل حكومة على أساس إسناد المناصب للمواطنين اللائقين حيثما وجدوا، في الداخل أو في الخارج، وحيث إن بلادنا قد حرمت لفترة طويلة جدا من التعليم الذي هو أساس الكفاءة الإدارية والفنية يتوجب علينا في المدى القريب الاستمرار في سد النقص في الإدارة بموظفين أجانب، الذين يجب أن تتوفر فيهم الكفاءة والإخلاص».
كانت خطة السلطان قابوس الملحة في الأسابيع الأولى للتغيير، تتركز على أمرين مهمين: الأمر الأول عودة المهاجرين العمانيين من الخارج، للأسباب السياسية، أو غيرها من الأسباب، من خلال الدعوة إلى الوحدة الوطنية والإسهام في بناء عُمان الجديدة بعد التغيير، وفتح صفحة جديدة في هذه المرحلة، وترك الماضي وآثاره ومخلفاته، وحققت هذه الدعوة استجابة كبيرة من أغلب النخب السياسية والفكرية العمانية في داخل البلاد وخارجها، وعادت الجموع من خارج البلاد، استجابة للدعوة.
الأمر الثاني: دعوته من حملوا السلاح للتغيير إلى العودة إلى أحضان الوطن، وترك حمل السلاح بالعنف للتغيير، وترك الماضي ومشكلاته السابقة، فعمان اليوم غير عُمان الأمس، وهي لكل أبنائها، واستطاع السلطان قابوس أن يطوي آثار هذه التحديات، بحكمة وبعقلية فذة ورؤية ثاقبة، إذ ركز على ضرورة تحقيق الوحدة الوطنية، وانتقد تلك المرحلة السابقة في أحد الحوارات الصحفية مع جريدة النهار اللبنانية في 22 مارس 1973، وأن من حملوا السلاح اضطروا لذلك، نتيجة الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، وهذه حقيقة، وقد كان السلطان قابوس، صريحًا وواضحًا، في شرح ماضي عمان وما كانت عليه في تلك المرحلة، وقال في هذا الحديث ما نصه: «طريقنا للقضاء على الثورة هي القضاء على أسبابها، وهي توعية الناس، تعمير ظفار في بناء الطرق والمستشفيات والمدارس.
أسباب الثورة في الماضي كانت مشروعة كانت ثورة على التخلف والجهل. لم تكن هناك من وسيلة للتعبير إلا حمل السلاح والعنف. اليوم تغيرت الأمور بدأنا نوفر فرص التنمية ساعين للتعاون مع الناس فاتحين أبوابنا للشكاوى..إن اقتلاع أسباب الثورة يحتاج إلى أضعاف وقت نموها».
هذه النظرة الحكيمة من السلطان الراحل، لكيفية التعاطي مع أسباب هذا الصراع وتقديم ما هو جدير بالحل الذي يجمع كل أبناء الوطن وخدمة بلادهم، وهي بلا شك لعبت هذه الرؤية الإيجابية الواعية، دورًا محورًا ومهمًا في إنهاء هذا الصراع تمامًا، وتحقق السلام والوئام في هذا الجزء الغالي من بلادنا بحمد الله، واتجهت عُمان إلى ما هو أهم، وهو البناء والتنمية، في كل مجالاتها، وهو ما عبر عنه جلالته في خطابه في العيد الوطني الرابع: «لقد تحقق على أرضنا بفضل الله وتوفيقه، وإرادتكم القوية وعزيمتكم الصلبة العديد من الإنجازات الكبرى، والعلامات الفارقة بين الماضي والحاضر بالرغم من أن بلادنا مرت بظروف صعبة، ندر أن مر بها بلد في المجتمع الدولي».
وهذا ما كان له الأثر الرائع في مسار النهضة وتوجهاتها وفق التدرج المحسوب الذي لا يحرق المراحل، أو يتجاوزها دون التوازن المطلوب، وهذا القول بحق ينطلق من مصداقية الواقع القائم بكل ملابساته السياسية آنذاك.
يذكر أحد العراقيين، الذين عاشوا في عمان عدة سنوات، عن حب العمانيين لسلطانهم بعد سفره للعلاج في ألمانيا 2015، فيقول: «رغم أني لست بمعمر في هذه البلد، إلا أنه أثناء تواجدي خلال السنين القليلة الماضية كنت مندهشا من حجم شعبية السلطان قابوس لدى شعبه وكمية الحب التي يحبونه بها، عملت تسع سنوات في ثلاث دول عربية وسافرت لعدد كبير من الدول ولكن لم أتخيل أن أجد شعبًا يحب قائده بهذا الإخلاص والصدق، فليس هناك من يرغمهم على ذلك أو يجبرون على النفاق، فهنا شيء مثير ويستحق أن يسلّط الضوء عليه عبر دراسات في مجال كاريزما القادة وتأثيرهم على الشعوب».
وقد يسأل البعض استغرابًا لماذا هذا الحب الكبير للسلطان قابوس من شعبه؟ ومن التقدير أيضا من أمته والإنسانية جمعاء. والجواب أن جلالته -رحمه الله رحمة واسعة-، اتبع سياسة الحكمة والتسامح والعفو، ولم يتخذ قرارات تتسم بالحدة والقسوة عند بروز أي ظاهرة سياسية أو توجهات قد لا تتفق معها سياسة الدولة في مراحل حكمه، وأحب شعبه، والشعب أحبه، وأسس لنهضة بخطوات متدرجة، تجنّب فيها سياسة حرق المراحل، أو القفز على الواقع، أو اعتماد الشعارات البراقة، دون المضامين، فاكتسب حب الداخل، واحترام الخارج، وبقي التقدير والحب ثابتين حتى وفاته -رحمه الله.
ومع تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق – وفقه الله تعالى -، مقاليد الحكم، لقيادة النهضة العمانية المتجددة، واستكمال ما تحقق من المنجزات، ومع انطلاقة الخطة الاستراتيجية 2040 التي بدأت من هذا الشهر في مرحلة جديدة ومستجدة للنهضة والتقدم والنماء تجدد الآمال والطموحات.