قصة محبة مع السلطان الراحل قابوس بن سعيد

آمـنـة الـربـيـع –

أظهرت جنازة المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، الذي وافته المنيّة في يوم الجمعة العاشر من يناير 2020م إلى أيّ مقدار بلغتها القيمة الإنسانية الكبيرة للسلطان الراحل في قلوب العمانيين.
وإذا كنّا لسنا بمنجاة من الموت، أو عدم الدخول في تجارب أليمة مع الفقد، إلاّ أن ما يُخفف الشعور بالألم يتجلى في حلاوة الصبر والسلوان وترطيب النفس، وهي تتذكر بعض المواقف الإنسانية للسلطان التي تركت أثرا جميلا في قلوبنا وستظل عالقة في الذاكرة، إذ يحلو للمرء الاستئناس بها والركون إليها، على فترات زمنية متباينة.
بتُ، وجهًا لوجه، مع بعض تلك الذكريات الوجدانية التي اقتسمها مع الدفعة الأولى التي دخلت إلى مدرسة الرباط الخاصة التي أنشئت بأمر من جلالته وافتتحت في شعبان 1974م، كمدرسة لعبت دورًا ثقافيًا وحراكًا مجتمعيًا في المجتمع المحلي، أسوة إلى جانب المدرسة السعيدية 1951م بظفار، وهي ذكريات شكلت بعض اهتماماتنا، ووجهت اختياراتنا وصنعت أقدارنا.
كانت الدفعة الأولى تتكون من الساكنات في منطقة الحصن، على سبيل الذكر لا الحصر: نورة سالمين، عزة سالمين، زكية حسن، جليلة صنجور، فاخرة جميع، خالصة مطهوف، فولة مكيل، عزيزة منصور، سلامة رمضان، باشة مليح، وسلامة بخيت، أذكرهن لأن التعليم في ذلك الوقت كان يقتصر على التعلّم في بيوت يملكها أصحابها، كبيت علوية بنت السيد محمد، ومريم بنت إسماعيل، وكنتُ كما أخبرتني عمتي أذهب معهن للتعلّم إلى بيت المعلمة الإسماعيلية.
تكونت المدرسة في مبناها القديم بقصر الرباط إلى جانب الفصول الدراسية من مسجد يَرفع فيه الأذان الشيخ عمر العيدروس، وكانت الصلاة تقتصر فيه على الطلاب، ومن غرفة للإسعافات الطبية، وحديقة واسعة فيها متسع لممارسة الألعاب الرياضية، كما تكونت من مطعم، ومتجر، ومرسم متعدد الأنشطة، وقاعة لتعلّم الموسيقى أستقدم إليها أفضل الأساتذة من مصر، إلى جانب ذلك كله، كانت هناك المساكن الخاصة للفرقة الموسيقية الخاصة.
وكان نظام التعليم فيها يتوزع بين فترتين الأولى صباحية للطالبات من السابعة إلى الثانية عشرة، والفترة الثانية مسائية للطلاب من الثانية عشرة إلى السادسة، وحظينا بتقديم وجبتين هما الإفطار والغداء، أما الطلاب فقد كان حظهم وجبتي الغداء والعشاء.
ومن بين المواقف التأسيسية الأولى لجيل حظي برعاية سامية لأهمية التربية والتعليم منطلقة من مقولته الخالدة رحمه الله: «سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظل الشجرة»، أنه بعد افتتاح المدرسة عقد السلطان اجتماعا مع طالبات الدفعة الأولى في مطعم المدرسة، ليتم اعتماد الزِّيّ الرسمي للطالبات حيث ارتدته طالبتان شقتا طريقهما إلى مراتب النجاح، وكنا نحصل على الزِّيّ مرتين في السنة مجّانًا، كما كان الطلاب يحصلون على الزِّيّ الخاص بهم، بالإضافة إلى الملابس الرياضية وجميع ما يتعلق بالدراسة من كتب ودفاتر وأقلام وحقائب جلدية وأحذية. وفي ذلك الاجتماع، بلغ اهتمام المغفور له أن خصص لطلبة المدرسة مبلغا رمزيا كهيئة راتب شهري بدأ بثلاثة ريالات، ثم تقرر فيما بعد رفعه إلى ستة ريالات، ويُعدُّ بالنسبة إلينا كطلبة أمرا تحفيزيا، إذ كان يوجه أن يحرص المتعلمون على إنفاق الراتب في اقتناء الأدوات الشخصية الضرورية، وإذا عدتُ إلى الذاكرة فكم من الأحلام التي بنيتها مع أخي «عبدالله» ونحن نخطط كيف سنشتري سيارة أو سنسافر إلى كل العالم!
بدأ التحاقي بالصف الأول في السنة الدراسية 1976-1977م، كنا نبدأ انطلاقتنا إلى المدرسة، بالتجمع تحت أشجار النخيل في منطقة الحصن، وبعد وصول الحافلات ووقوفها في المواقف المخصصة لها نسير إلى الصفوف، وفي أثناء ذلك يكون المطعم على طريقنا حيث تنبعث منه رائحة «الروتي» الطازج الشهي، وبعد أن نضع حقائبنا داخل الصف نسير إلى المطعم لتناول وجبة «الريوق الصحية»، ثم ننطلق إلى طابور الصباح.
من أجمل الذكريات مع السلطان بالنسبة إلى جيلي هي زياراته غير الرسمية للمدرسة، كان المغفور له في فترة انعقاد طابور الصباح يأتي بالسيارة ويقوم بالتفتيش على إجراءات الانضباط العام وعلى النظافة، وقد تعرضت معه لموقف ظريف في أثناء التفتيش ودار بيننا حوار قصير لا يُنسى، وقد تكررت بعض تلك الحوارات القصيرة كان بعضها في المدرسة وأخرى في قصر الحصن والمعمورة في لقاءات عدة على فترات زمانية متباعدة.
وكان من بين اهتماماته أيضا، الزيارات الفجائية إلى داخل الصفوف، وحرصه على توجيه النصائح حول أهمية التعليم والتطلّع نحو المستقبل وغرس كلمات كالإرادة والطموح وبناء الشخصية.
تُعدّ حصتا الموسيقى والتربية المنزلية من أجمل الحصص قاطبة، كان وجود الآلات الموسيقية والإيقاعية دافعًا لمعرفة عالم الموسيقى، وعشق المقطوعات الكلاسيكية الخالدة، وكم كانت سعادتنا كبيرة ونحن نتعلم العزف والخياطة والتطريز بجميع أشكاله مع المعلمة «عيشة» وزوجها الأستاذ «عبدالله» معلم الرياضة.
لقد كان لذلك كله وقع مختلف في نفوسنا، نابع من اهتمام جلالته بأن تكون مخرجات هذه المدرسة على أعلى المستويات في العالم.
وبالنسبة إلى الفترة المسائية للطلاب كانوا يبدأون استعدادهم للذهاب إلى المدرسة منذ الساعة الحادية عشرة صباحًا، حيث يجتمعون في الساحة المقابلة لمبنى قصر الحصن بصلالة بانتظار حافلات المدرسة، ويبدأ يومهم الدراسي بعد صلاة الظهر وتناول وجبة الغداء، ويبلغ عدد الحصص ست حصص تتخللها فسحة مدرسية وصلاة العصر.
وإذا انتقلتُ إلى زاوية في ساحة المدرسة، فللساحة ذكرياتها الخاصّة أيضا، فقد كنا نقضي فيها أياما نتدرب على العرض الطلابي بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني المجيد، وكانت التمارين تبدأ بحفظ كلمات النشيد:
اشهد يا زمان هذه قصتي
يا جبال عمان صوري قوتي
أنا بنت / ابن عمان قمت من رقدتي
والتدرّب على الحركات، التي كان يدربنا عليها الأستاذ «عبدالله». لقد كنا نقضي أوقاتنا فرحين، ننتقل من قاعة الموسيقى إلى الساحة، أو بالعكس، وفي نهاية العام كان المغفور له يحرص على حضور العرض الختامي، كحرصه بالإشراف على تنفيذ العرض وإبداء الملاحظات، وكم كانت فرحتنا في بعض الأيام، مروره في طائرته «هيلوكوبتر» ملوحًا لنا بيديه الكريمتين، ثم «يُشارش» «بالنعنع».
إن الناظر اليوم إلى مسارات التعليم التي أرسى دعائمها المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- كأساس للنهوض بالمجتمع، يشير إلى بعد النظر وزاوية الرؤية بعيدة المدى التي من خلالها تتحقق شروط النهضة الحديثة.
وفي الذكرى الأولى لرحيله، كان التفكير بالتعليم أهم موقف أو ملمح وجداني له وقعه في النفس، وهو موقف من عدة مواقف كثيرة عاشها جميع من تعلّم في مدرسة قصر الرباط.
وستظل هذه الوجدانيات الخاصة مع السلطان الراحل -بقدر ما تخللها من لقاءات وأحاديث ونقاشات وطرائف- من أشدّ الوجدانيات سرورًا وبهجة وتعلمًا، لأنها محفورة في القلب لتلونها بالمحبة تارة، وبالحكمة والنصح والاختبار تارة أخرى.