قـابـوس الـعـمـانـيـيـن

د. عـائـشـة الـدرمـكـيـة –

إن «العقد الاجتماعي»ـ كما يقرره روسو ـ «ليس برنامج عمل، وإنما هو إعلان مبادئ لا ترتبط شروط تطبيقها بسياق محدد»، إنه فكرة أن نعيش معا في مجتمع متكامل، يتحمل كل منَّا مسؤوليته في البناء والتطوير بما يخدم الجماعة، وبالتالي يؤسس أفراد المجتمع دولتهم القادرة على الرسوخ وتحقيق ذاتها من أجل البقاء والنماء والتطور.
هذا هو العقد الذي أبرمه المغفور له السلطان قابوس بن سعيد مع شعبه حينما نادى فيهم:
«أيها الشعب…
سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل.. وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب…»
إنه «العقد الاجتماعي» الذي عقده- رحمه الله- مع شعبه فور توليه الحكم في البلاد، ليكون ميثاقا لتأسيس مجتمع قادر على تحقيق أهدافه بعد العوائق التي كانت تقف دون ذلك، وتلك التحديات التي واجهت المجتمع العماني قبله. فبعد ثمانية أشهر من تولي المغفور له السلطان قابوس بن سعيد الحكم في سلطنة عمان سأله الإعلامي نصر بن محمد الطائي عن «انطباعته بعد مواجهة المسؤولية من شعبه»؛ حيث رد قائلا:
«… ولله الحمد رأينا تجاوبا كثيرا من المواطنين ولمسنا منهم شعورا بالمسؤولية نحو بناء وطنهم وكذلك أعتقد أن الكل أصبح يعرف أن هذه الحكومة جادة في العمل، وفي الوقت نفسه لا تزال هناك الكثير من العقبات التي يجب عليها اجتيازها وأن بناء الوطن لا يمكن أن يكون بين عشية وضحاها. ثم كذلك يسرني أن نرى كثيرا من المواطنين في الخارج هبوا للعودة للوطن للمشاركة في تقدم هذا الوطن وبنائه…».
وهو أمر لافت أن يجعل الحاكم من أفراد شعبه شركاء له في البناء؛ ذلك لأن الميثاق الاجتماعي الذي بادر به المغفور له مع شعبه يؤسس للمدنية ويجعل من الأفراد مشاركين في التنمية وتحدي العقبات والصعاب؛ فالمشاركة في التنمية هي التي تضمن للمجتمع النمو والازدهار، وليس الاعتماد على الحكومة. فقد آمن السلطان الراحل منذ البدء أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، فهو المؤسس لمجتمعه، وصانع حضارته، والمحقق للإبداع والابتكار الذي يضمن تنمية المجتمع واستدامته، ولأنه كذلك فقد منحه الفرص كلها ليشكَّل محورا أساسيا في جميع مجالات الأنشطة والاستثمار المبدع لقدراته ومواهبه، التي وظفها لإنتاج هُويته الوطنية ضمن هُويته القومية.


ولأنه ـ رحمه الله ـ يؤمن بالإنسان العماني بوصفه شريكا في التنمية فإن الخطاب الذي وجهه إليه ينم عن تلك العلاقة وتلك المسؤولية التي يضعها المغفور له بين يدي الإنسان العماني أيا كان جنسه وأيَّا كان موقعه. ذلك لأن إيمانه به يتخطى العقبات والتحديات التي يمكن أن تقف أمامه، ولعل توجيه الخطاب في: «… وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب…»، يحدد نوع الخطاب الإنساني الذي وجهه السلطان الراحل إلى شعبه في تلك المرحلة القاسية من عمر النهضة.
إن قدرة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد على توحيد شعبه وإشراكه لهم في التنمية يؤسس قواعد الميثاق الاجتماعي الراسخ للوحدة الوطنية نحو تحقيق الهدف الأسمى للجميع. ولذاك فإن الخطاب السامي الذي كان ـ رحمه الله ـ ينادي به كلما خطب في شعبه يبدأ على الدوام بـ:
«شعبنا العزيز»
«مواطنينا الأعزاء»
«أيها المواطنون الأعزاء»
«أيها الأخوة المواطنون»
«أيها المواطنون الكرام»
فنحن لا نكاد نسمع هذا النداء، إلاَّ وقد أصغينا السمع ونحن نتحلق حوله مشدوهين بهذه الشخصية التي طالما مثَّلت قلب الثقافة العمانية؛ حيث تختزل التاريخ العماني العريق أخلاقا وثقافة ورؤية. إن هذا الخطاب ليس للنداء والتنبيه وحسب، بل إنه يحمل مضامين الشراكة التي أسسها المغفور له منذ الخطاب الأول مع العمانيين بوصفها القاعدة الأساسية في التنمية؛ فحين سُئل جلالته- رحمه الله- في حديثه لمجلة «درع الوطن» الظبيانية في عام 1973 عن أثر العمانيين العائدين من مهاجرهم قال:
«… لولا عودة بعض أبناء البلاد لما تمكنا من أن نقوم بما قمنا به، وكلنا أمل في أن يعود المزيد من أبناء الوطن ليأخذوا دورهم الطبيعي في بناء بلادهم»
وهذا الدور التنموي الذي أمله «قابوس» مهمة كل فرد عماني، فكما نادى المهاجرين للعودة لوطنهم، نادى أيضا الرجال والنساء شيبا وشبانا، واعتنى بالصغار تعليما وتثقيفا. كل ذلك من أجل البناء وتحقيق مبادئ العقد الاجتماعي والميثاق الذي عقده معهم لتنمية عمان وعودة أمجادها.
لذا كان خطابه دوما يحمل مفردة «العزيز» التي تكشف مكانة الإنسان العماني في قلب المغفور له والقرب الإنساني والمحبة التي كانت السر وراء ولاء الإنسان العماني وقدرته الإبداعية والإنمائية المتسارعة لتلبية النداء وبناء الوطن في وقت قياسي بُغية تحقيق الرغبة التواقة نحو تحقيق الأهداف الوطنية العليا.


من منا لم تشده صورة المغفور له السلطان قابوس بن سعيد يُرهف السمع لأحد أفراد شعبه، وهو يهمس في أذنه ويخبره بما لا يسمعه الآخرون من حوله. من منَّا لم يتابع بشغف جولاته السنوية التي تتزين بها محافظات السلطنة فتلبس ألوان الفرح، وتُتوَّج بأزهى التيجان؛ إنه مَقْدم السلطان الأب الذي حرص منذ توليه الحكم على لقاء أفراد شعبه والجلوس معهم، يقابلهم مباشرة؛ قادم من أجل الاستماع إلى شعبه، ورؤية ما يحتاجونه من رعاية ودعم، يحيطهم بعنايته، يشد من أزرهم من أجل مواصلة العمل في بناء عُمان الغالية.
إنه قابوس بن سعيد- رحمه الله تعالى وغفر له- الذي آمن بعُمان وشعبها وارتحل في ربوعها برا وبحرا وجوا يستمع للعمانيين ويناقشهم ويوصيهم. يصل الخير إلى الأرض التي يحِلُّ بها زائرا فيستبشر أهلها بتلبية مطالبهم وفهم وجهات نظرهم، لنجده يتحدث إليهم بسعادة غامرة تُنبئ عن فرحته بلقائهم وتكشف تلك العلاقة الإنسانية المتينة التي تربطه بهم.
في حديثه- رحمه الله- لرئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية في 11 فبراير 2006م، قال ردا على سؤال: ما الذي يقلقه عندما يأوي إلى مخدعه؟ بعد أن أكد أن لا شيء يقلقه وأنه يتنقل في وطنه باطمئنان:
«… في هذا المجال أعترف بأنني أتمتع كثيرا بهذه الرحلات الداخلية التي أقوم بها في طول البلاد وعرضها.. في هذه الرحلات ألتقي بالناس مواجهة، وأسمع مطالبهم، وهم يسمعون وجهات نظري.. إنني أشعر بالألفة هنا وهم كذلك. إن تفقد أحوال الرعية شأن موجود في تاريخ الإسلام، ويعد من واجبات القائد. هناك مواطنون قد لا تسمح لهم ظروفهم بأن يطرقوا أبوابا معينة فآتي أنا إليهم بشكل مباشر. إني مرتاح وأجد متعة بهذه الرحلات الداخلية، أجتمع فيها بأهلي وأختلط بأنفس كثيرة، أسمع منها وتسمع مني، ونعطي جميعنا الثمار المطلوبة…»
وهذا ما نستدله من ذلك العقد الحضاري الراسخ الذي أسسه المغفور له مع شعبه ليكون ميثاقا أساسيا في بناء العلاقة مع الوطن.
رحم الله السلطان قابوس بن سعيد الذي أسس هذه النهضة، يقولها العمانيون (إخوته، وأعزاؤه) بصوت واحد سرا وعلانية، فسيبقى أبد الدهر الأب الملهم الذي أوثق العهد مع الوطن والإنسان، فقد قال فصدق ووعد فأوفى.